الهيدروجين الطبيعي الثروة المستدامة

29 يونيو 2026
29 يونيو 2026

تتحول جبال سلطنة عُمان اليوم إلى محط أنظار مجتمع الطاقة العالمي؛ نظرا لما تمتلكه من خصائص جيولوجية فريدة تجعلها مستودعا طبيعيا هائلا للهيدروجين الجيولوجي، المعروف بالهيدروجين الأبيض أو الطبيعي.

هذا الغاز النظيف يتكون في باطن الأرض نتيجة تفاعلات كيميائية صامتة ومستمرة، واهتمام العالم به هو اهتمام اقتصادي وسيادي يعيد تعريف مفهوم الثروات الوطنية.

يكمن التميز العُماني في تركيبتين جيولوجيتين أساسيتين في جبال عمان هما الأندر عالميا بهذا الحجم؛ وهي أوفيوليت سمائل، حيث تقع جبال عُمان ضمن أضخم وأهم تكوين لصخور الأوفيوليت، وهي صخور وشاح الأرض الممتدة على سطح الكوكب. وثانيا صخور البيريدوتيت، وهي صخور غنية جدا بعنصري الحديد والمغنيسيوم.

فعندما تتدفق مياه الأمطار أو المياه الجوفية عبر تشققات الجبال وتتفاعل مع الحديد الموجود في صخور البيريدوتيت، تحدث عملية أكسدة طبيعية تُعرف علميا بـ «السرپنتة»، وينتج عن هذا التفاعل انطلاق غاز الهيدروجين النقي وتجمعه في مكامن الأرض بشكل مستمر.

يُعد الهيدروجين الطبيعي المستخرج من باطن الأرض الخيار الأوفر اقتصاديا؛ فتكلفة استخراج كيلوجرام واحد من الهيدروجين الأبيض حاليا حوالي دولار أو أقل، مع مستهدفات طموحة لخفضها تحت حاجز الدولار بحلول عام 2030. وتعطي عائدا طاقيا هائلا (EROI)؛ فينتج الهيدروجين الأبيض 11 ضعفا من الطاقة التي تستهلك في عملية استخراجه. ولا يحتاج إلى نفقات رأسمالية مرتفعة (CapEx)؛ فلا يحتاج الأبيض لبناء محطات طاقة شمسية ومحللات كهربائية باهظة، بل يعتمد على حفر آبار غير معقدة شبيهة بآبار الغاز التقليدية.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الاستخراج التقليدي؛ بل يمتد إلى تقنيات تحفيز توليد الغاز وتجدده داخل المكامن؛ فوفقا لتقديرات شركة «إيدن» Eden المتخصصة؛ فإن تحفيز كيلومتر مكعب واحد فقط من صخور الأوفيوليت الغنية بالحديد في عُمان يمكن أن ينتج حوالي 5 ملايين طن من الهيدروجين الجيولوجي سنويا، بمعدل استخراج مرتفع يتراوح بين 2 إلى 4 كيلوجرامات من الهيدروجين لكل متر مكعب من الصخور المحفزة، وهي إنتاجية ضخمة تضمن تدفقا تجاريا طويل الأمد.

إن الأهمية الاستراتيجية للهيدروجين الطبيعي تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة، لتؤسس لرؤية مستدامة للأجيال القادمة قائمة على عدة ركائز؛ فهي مفاعلات جيولوجية متجددة؛ فالهيدروجين الأبيض ناتج عن تفاعل حي ومستمر؛ مما يعني أن عُمان ستورث أبناءها مفاعلات جيولوجية مستدامة، تفرز طاقة نظيفة بشكل متواصل إذا أُديرت بحصافة علمية.

وتتسم بالسيادة الاقتصادية وحماية القرار؛ فالتكلفة الزهيدة للإنتاج تحمي الاقتصاد العُماني والأجيال القادمة من تذبذبات أسواق الطاقة العالمية، وتضمن كلفة إنتاج كهرباء وصناعة محليّة هي الأقل عالميا دون تحمّل ديون رأسمالية باهظة لإنتاج الطاقة المصنّعة.

وكذلك استثمار الإرث المعرفي النفطي؛ فتمتلك سلطنة عمان كفاءات بشرية هائلة وبنية أساسية متطورة في قطاع النفط والغاز؛ من جيوفيزياء وحفر وأنابيب. والهيدروجين الأبيض يتيح نقل هذا الرأسمال البشري والبنيوي مباشرة إلى قطاع الطاقة المتجددة بسلاسة ودون الحاجة لإعادة هيكلة جذرية ومكلفة للاقتصاد.

ويعد ذلك كله مغناطيسا لصناعات المستقبل الخضراء؛ فتوفر طاقة رخيصة ونظيفة محليا سيجعل من سلطنة عمان الوجهة الأولى عالميا لجذب الاستثمارات الثقيلة الخالية من الكربون، مثل الفولاذ الأخضر والألومنيوم الأخضر، مما يضمن إيجاد وظائف نوعية ومستدامة للأجيال القادمة قائمة على الابتكار والتصنيع وليس فقط على تصدير المواد الخام.

د. طاهرة اللواتي إعلامية وكاتبة