الشركات الأهلية.. العملاق الذي لا يزال نائما
مسندم تلك الجميلة التي من المهم أن تصبح أهم مراكز الجذب السياحي في السلطنة لما تتميز به من طبيعة تأسر الناظرين.
مسندم الأثر والمكان أو منطقة رؤوس الجبال والتي شهدت الكثير من الأحداث المهمة في تاريخنا.
لقد شاءت الصدف أن أحظى بفرصة لزيارة هذه المحافظة المشهورة بطبيعتها الآسرة، ولن أستطيع أن أصف لكم مشهد الطائرة وهي تقترب للهبوط في مطار خصب، فهو يقع بين الجبال الضيقة لتجد نفسك قبل الهبوط معلقا بين مدينة حالمة وجبال شاهقة ومدرج مطار وكأنه خريطة كنز ثمين.
في رحلتنا البحرية هناك استمتعت بمشاهدة ثراء روعتها مع زيارة جزيرة التلغراف التي شهدت مرور أول خط تلغراف في الشرق الأوسط تم ربطه بين الهند والعراق عام 1864م.
رحلتنا كانت في سفينة ضخمة، كانت مجهزة بكل ما يحتاجه المسافر، وتوقعت بأن السفينة عمانية الصنع، ولكن وجدت في إحدى زواياها عكس أمنيتي، ولا بأس في ذلك رغم اشتهارنا نحن أهل عمان عبر التاريخ بصناعة السفن.
ولنعود إلى رحلتنا أمام هذه التشكيلات الجغرافية التي تكونت منذ ملايين السنين، وهناك تعرفت على القبطان وهو من أهالي مسندم أخذ يشرح لي أجزاء السفينة وكيف يستطيع قيادتها أمام تلك الأجهزة المعقدة!
سألته عن طبيعة علاقته بالسفينة، رغم أن هذه الأسئلة بها نوع من التدخل في خصوصيات الرجل، ولكنه تحمل فضولي وأخبرني بأنه يعمل فقط كمشرف لقيادة السفينة التي تنتمي لأحد رجال الأعمال، وبأن نوعية هذه الجولات تأتي لصاحبها بموارد مالية وفيرة.
لحظتها سألته لماذا لا يفكرون كأهالي بإدارة مشاريعهم السياحية بأنفسهم عوضا عن عملهم مع الآخرين، ولماذا لا يحاولون إنشاء شركة أهلية يعملون من خلالها في قطاع السياحة البحرية؟!
فقال: "إن الموضوع بالنسبة له صعب للغاية لعدم مقدرته على جمع ثقة الأهالي لتوحيد الجهود وإنشاء الشركة التي تحتاج إلى جهد وتفكير ودراسة جدوى لمشاريعها"!
كنت وقتها أحترق حزنا لتلك الروح التي لا ترى الأمل في تحقيق ذلك ليقيني التام بأن هناك من يستطيع، فالذي يملك المقدرة لجمع الجهود من أجل كسب ثقة المجتمع في ترشيحات عضوية مجلس الشورى أو المجلس البلدي يستطيع بلا شك أن يجمع ثقة الناس تحت مظلة شركة أهلية تجتمع فيها الجهود، ومن استطاع أن يكسب ثقة المحيطين به في إنشاء جمعيات مالية مشتركة يستطيع كذلك أن يوحد الجهود من أجل كيان هذه الشركة.
لقد كان هذا حلم أهالي نزوى الذين فكروا في أن يستفيدوا مباشرة من الحراك السياحي الذي تشهده عُمان، وبعد جهود وتسهيلات حكومية تستحق التقدير تأسست شركة بوارق نزوى الدولية للاستثمار في عام 2015م، والتي قامت بنقلة نوعية في الحارة المحاذية لقلعة نزوى بتحويل أغلب المنازل القديمة إلى نزل تراثية استطاعت من خلالها توجيه استثمار الأهالي هناك وبالتالي استفادة المجتمع اقتصاديا بشكل مباشر، فالسياحة ذلك النشاط الذي يستفيد منه الأهالي ويشعرون بمنفعته ماديا بعيدا عن كل الوعود!
لقد اجتمع الأهالي خلف الإدارة التي تشكلت من أجل هذه الشركة حيث استطاعت أن تبرهن للجميع حسن إدارتها، لتنشط السياحة ومعها تجارة الأهالي ومشاريعهم المنزلية، وخلقت فرصا وظيفية عديدة، وأصبح الجميع هناك يعمل، فالأطفال مثلا قد وجدوا ملاذا لأحلامهم من خلال مزاولتهم للكثير من الأنشطة التي علمتهم انضباط النفس، وقوة الشخصية، وحسن التعامل مع الآخرين من خلال ممارستهم لهذه الأعمال في أوقات فراغهم بعد المدرسة، فالجميع كان يتحرك للأمام ككيان واحد قوي للغاية ومركز لتصبح أطلال حارة العقر المهجورة تعج بالزائرين.
كل هذا الحراك والنشاط هو من أدى إلى نشأة شركة أهلية أخرى في نزوى وهي شركة بوادر العالمية والتي استطاعت بدورها تشغيل وإدارة قلعة نزوى كأول شركة أهلية في عمان تحصل على تسهيل حكومي لإدارة منشأة تراثية.
لقد برهن الشباب في هذه الشركة بعملهم وجدارتهم في أن يضعوا قلعة نزوى في مصاف أهم المواقع السياحية للزائرين، بالإضافة إلى مقدرتهم العالية في تنويع الأنشطة وخلق مهرجانات تتماشى مع المناسبات جعلت من المكان أيقونة للاستثمار الثقافي.
لقد ساهمت هذه الشركة في خلق فرص وظيفية عديدة وتبني مشاريع منزلية كثيرة تعد بالمئات في كل مهرجان تقيمه في القلعة، وأصبح الأهالي يشعرون حقا بجمالية العمل في القطاع السياحي استثمارا لرغبتهم الجادة في جعل مدينتهم الوجهة الأولى للأغلب.
هنا أود أن أشير إلى نقطة الدعم الحكومي لهذه الكيانات، فحكومة السلطنة تساهم في تسهيل إنشاء الشركات الأهلية ودعمها بالمشاريع كأولوية من أجل تشجيع الجميع في السير نحو هذا الاتجاه لتنمية المجتمع اقتصاديا وجعل الاستفادة الأولى منصبة في اتجاه الأهالي، فلا بناء سيتم دون تضافر الجهود، ولا أعذار لأي مدينة لا يتحد أهلها من أجل إنشاء شركة توحد أعمالهم وتخلق الوظائف والفرص، فالسياحة تحيي المدن الأثرية والتاريخية والأسواق الشعبية والحرفيات وغيرها من أنشطة للأهالي.
