التاريخ الذي يعيد نفسه

22 يناير 2023
22 يناير 2023

قبل عدة قرون، وبينما كان الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي مجتمعا بأمهر من أنجبتهم عُمان في فنون العمارة والهندسة يستشيرهم ويخبرهم عن أحلامه في بناء قصر جميل في بهلا ملاذا له ولكل الدارسين من مختلف دول الوطن العربي، وبعد أن تنافس كل معماري بما سيصنعه للإمام وقع الاختيار على ذلك المهندس العماني الذي صمم بكل إتقان التحفة المسماة حصن جبرين ليبقى اليوم صرحا مهيبا وشاهدا على إبداعه.

يا ترى من اسم ذلك المصمم الذي أبهر الإمام بلعرب وجميع من يشاهد حصن جبرين إلى يومنا هذا؟!

وقبل ذلك هل شاهد أحدا منكم ما فعله ذلك العماني المبدع في محراب جامع سعال بنزوى وتحديدا عام 1252م – 650هـ؟!

ستشعر بقشعريرة مهيبة وأنت تشاهد أروع تحفة معمارية مزخرفة على محراب يعد الأقدم في عُمان..

ولنذهب إلى مهندس قلعة نزوى وبهلا والرستاق ونخل وصحار وكل قلعة في عمان صامدة إلى اليوم لمئات السنين، ألم يسأل أحدكم من اسم المصمم؟!

في حارتنا القديمة كنت دائما أقول في نفسي من هو مهندس ومصمم قلعة نزوى؟!

كيف استطاع أن يبني كل تلك الروعة بقلعتها وحصنها وغرفها وممراتها وتوزيع أبارها ومداخلها السرية وكل تحصيناتها المدروسة بعناية، كيف استطاع أن يجعل منها هكذا مدورة وبهذا الإتقان؟!

كل هذه الأسئلة لا تجد لها إجابة عن اسم المهندس ولكنها شاهد عميق لمهارة أهل عمان في حسهم الرفيع المتفرد.

ولأنني أحب التاريخ العماني وأربط كثيرا بين الأمس واليوم استوقفني جدا اسم بلعرب في عالم الهندسة المعمارية والاهتمام بها.

فلا أحد يستطيع أن ينكر أن حصن جبرين كان تحفة فنية مختلفة عن كل قلاع وحصون عمان في وقتها بل هو أجملهم بما يحمله من حس مرهف للمصمم في كل زواياها بعدما أعلن الإمام بلعرب اليعربي مسابقة هكذا أتخيلها لأفضل تصميم هندسي لقصره لأجد هنا التاريخ يعيد نفسه بكل الجهود الراقية لصاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد الذي خصص لكل المبدعين العمانيين في عالم الهندسة المعمارية مسابقة سنوية تستهدف أبرز مدن سلطنة عمان لإثراء الجانب الجمالي والسياحي للمكان بما يتناسب مع التاريخ والأثر والجغرافيا والهوية العمانية الممزوجة بأحدث التصاميم، مع رفد قطاع السياحة والاستثمار بأفكار ومشاريع مبتكرة قابلة للتطبيق على أرض الواقع باسم جائزة بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري.

ولقد بارك المقام السامي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم هذه الجائزة منذ انطلاق دورتها الأولى والتي استهدفت فيها الواجهة البحرية لولاية مطرح لتحويلها إلى واجهة ذي تصميم عماني مبهر وبمساحة تقدر بحوالي 7500 متر مربع والذي فاز فيها بعد اتفاق وإجماع لجنة التحكيم مشروع "ميدان مطرح" للثلاثي أحمد الجهضمي، وأميمة الهنائية، وعبدالله البحري، وحصلوا على جائزة مالية تقدر بـ20 ألف ريال عماني، مع الاهتمام بالتصميم وإعلان بلدية مسقط المضي قدما في تنفيذه بالمستقبل القريب.

أما المركز الثاني فكان لمشروع "نصب التأسيس التذكاري" لصاحبه ناصر الهيملي وحصل على جائزة مالية تقدر بـ15 ر.ع، وحصل مشروع " جناح مستقبل عُمان" على المركز الثالث وهو لطاهرة البوصافية والتي حصلت بدورها على جائزة تقدر بمبلغ 10 آلاف ر.ع.

هل تتخيلون الآن مدى فرحة كل هؤلاء المثابرين بحصولهم على المراكز الثلاثة الفائزة وبهذا التقدير المالي المجزي لجهودهم في رسم أفضل التصاميم المعمارية؟!

شخصيا أرى أن هذه المسابقة من أجمل المسابقات التي بالفعل نحتاج إليها كثيرا لتطوير المرافق السياحية على أعلى مستوى لنخبر العالم أجمع أن المصمم المعماري العماني ذو ذوق رفيع للغاية كأجداده ويستطيع أن يصنع من المكان تحفة تبقى خالدة كلما أردنا ذلك.

وبعد هذا النجاح المبهر للنسخة الأولى للمسابقة، تم إطلاق دورتها الثانية من أجل وضع أفضل تصميم معماري في ولاية صور التاريخية ومتحفها البحري، وصور أيها القارئ العزيز كانت منذ آلاف السنين أجمل مدن الحضارة الفينيقية، بل كانت المدينة الأبرز في خطوط التجارة العالمية بين الحضارات المختلفة، وبالفعل تقدم الشباب العماني بكل قوة وثقة بأروع التصاميم وقد تم الإعلان مبدئيا عن التصاميم الـ 10 الفائزة في الجولة الأولى لتدخل في التنافس حتى يصل بعضهم للمراتب الثلاثة الأولى.

هنا وقفت وزارة التراث والسياحة موقف أجده مقدرا جدا حينما قرروا إرسال الفائزين جميعهم إلى أبرز مدن أوروبا للاستفادة أكثر من المصممين المعماريين هناك من خلال تلك الجولات التعليمية التي بلا شك ستكسبهم بعدا أعمق وأجمل في أعمالهم التي تستحق كل التقدير.

ومما يثلج الصدر كذلك أن المعنيين في جائزة بلعرب للتصميم المعماري أطلقوا كذلك مسابقة من أجل تصميم الجناح العماني في أكسبو اليابان وهذه التفاته مهمة للغاية من أجل أن تظهر عُمان بأجمل حلة.

استمرار هذه الجائزة هو المعنى الحقيقي لتمكين شباب عُمان في مجال تخصصهم، بل أتمنى حقا أن أجد مبادرات أخرى لمسابقات تعنى بالصناعات الإبداعية تحظى بكل هذا الوقار والقوة والهيبة من أجل أجمل وطن.