الـ «نفعية»..
ليس من باب الترف الفكري أن ينظر إلى مجموعة من المكونات التي هي على تماس من حياة الإنسان اليومية ويطلق حولها محاذير، أو يضع تحتها عددا من الخطوط الحمراء، وذلك للخوف الشديد عليها من أن تتعرض للخدش، الذي يوصلها للعطب في نهاية الأمر، ومن هذه المكونات - كما جاء في بعض المصادر؛ ووصفت بالكرات الخمس -: « العمل، العائلة، الصحة، الأصدقاء، الروح» وأضيف إليها الوطن، كما أضيف إليها مجموعة من المعززات المعنوية: الأمانة، الصدق، الإخلاص؛ فهذه -وربما هناك أخرى- لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يقترب منها مفهوم الـ«مبادلات» النفعية، مهما بلغت الضرورة منتهاها، وبالتالي فإن أطلق البعض على أن هذه المكونات على أنها مبادئ؛ فإن هذا الوصف أيضا يحتمل المعنيين: المادي والمعنوي، فأجزم أنه لم يخطئ في ذلك على الإطلاق، فالعمل مبدأ من مبادئ الاقتصاد، والعائلة مبدأ من مبادئ الحياة الاجتماعية، والصحة مبدأ من مبادئ الحياة، والأصدقاء مبدأ من مبادئ التعاون والتكاتف، والروح مبدأ من مبادئ الدين، والوطن مبدأ من مبادئ الأمن والاستقرار، وتأتي مبادئ الأمانة، والصدق، والإخلاص، لتلتحم مع سابقتها في تعزيز بقاء وديمومة الصورة الإنسانية لتظل الحامية والمدافعة عن الإنسان؛ بما تعنيه هذه الكلمة (المادة والمعنى) من التشويه، والانشطار، والتمزق، والتماهي في كل المسارات التي تسلكها بما يسمى بـ«النفعية».
تظهر الصورة متشظية إلى حد كبير في العلاقة بين طرفين؛ أحدهما تتلبسه النفعية في قساوتها، وآخر لا يزال يعقد صفقة من الود مع مبادئه وقيمه، كما هو قانع نفسه، ولأن الصورة بهذا التشويه، فالمعادلة بين الطرفين خاسرة؛ حيث لا رابح فيها أي أحد منهما بالمطلق، وهذه إشكالية بنيوية «كما ننوه دائما» والخطورة هنا أنه؛ ربما؛ قد لا ينتبه إلى هذه الإشكالية بصورته المرعبة لتجذر نمطيتها في العلاقات القائمة بين الناس؛ حيث تصبح من الممارسات اليومية، التي لا تثير جدلا، ولا تلحظ الانتباه إلى أمر غير عادي، فكل الممارسات؛ سواء على المستوى الفردي أو الجمعي؛ قائمة وفق هذه الصورة النمطية، وبالتالي فكلما صدمك النص القانوني في أمر ما، ذهبت سريعا إلى التعامل النفعي مع الآخر، وبالتالي زال الإشكال، مع قناعتك بأن الإجراء الذي قمت به غير صحيح، ولكنك تغظ الطرف، وقد تتعهد مع نفسك بأنك لن تسلك هذا المسلك مجددا؛ حتى لا تسقط نفسك في مفهوم الحلال والحرام، ولكنك في أمر آخر قد يكون أعقد من الأول، تعاود كرة غظ الطرف، وقد تستحضر صورة نمطية «تعاملات الحياة قائمة على هذا السلوك» فلماذا التعقيد إذن؟ فهناك من يقول: إذا لم أسلك هذا المسلك، فهناك العشرات ممن يسلكون وأمورهم في السليم، وهكذا تستمرئ النفس ذات الفعل المشين، وتغرق نفسها في مستنقع النفعية «مع سبق الإصرار والترصد» و«ليذهب الآخر في الطوفان».
يحرص البعض على التمسك بالوعي الذاتي إلى أكبر حدد ممكن، ويقاوم، ويتصادم، متدرجا وفق المعنى الذي يؤصله الحديث الشريف المروي على الرسول صلى الله عليه وسلم في درجات إنكار المنكر: باليد، أو بالقول، أو بالقلب، ويكتوي إزاء ذلك، لأن خسارته المادية «النفعية» حاصلة وبصورة مباشرة، لا تحتاج إلى انتظار، كما هو حال المنتصر للنفعية مكسبه حاصل وبصورة مباشرة بلا انتظار، ويأتي مفهوم الـ«مقايضة» كوجه آخر من وجوه النفعية، والمقايضة في مفهومها العام مقبولة مقايضة سلعة بثمن، ولكن هذه الرخصة يجب أن تتوافق مع الشرع والقانون، أما إذا مالت عن حدودهما؛ فلا تقبل على الإطلاق، لأن صاحبها يدخل نفسه في مفاهيم النفعية غير المقبولة شرعا، أو قانونا، وإن قبلت عرفا متجاوزا في ضمنيتها الصحيحة «المشروعة» ولذلك فما يتعارف عليه الناس في أمور كثيرة تظل تحته خطوط حمراء كثيرة، لأن في كثير منه غير متوافق مع شرعية الأمانة والصدق، والإخلاص؛ وهي كما جاء أعلاه مكونات ومبادئ مهمة في حياة الإنسان السوي.
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني
