اغتيال الكتب

24 مارس 2026
24 مارس 2026

نعيش فعلا عالما عجيبا غريبا، بهيمنة حُرّاس الأحاسيس والمشاعر على المعجم المستعمل في الكتب التراثيّة والعمل على تبديل سحنتها وجعلها «نظيفة» معجميّا لا تمسّ إحساس الأقليّات ولا تتخطّى الجندريّات ولا تُفاصِل بين الأعراق والقوميّات ولا تُمايز بين الألوان ومختلف الانتماءات، حرّاس الأحاسيس هم لجانٌ للقراءة تتبع دور نشر غربيّة وتفلي الأعمال المزمع نشرها لتنظيفها من كلّ ما من شأنه أن يؤذي مشاعر صارت تحكم بأحكامها وتُغلّب ذائقة الأقليّة، وهؤلاء المراقبون قد هيمنوا على الذائقة القرائية في الغرب بقوّة وصرامة يُعاقبون كلّ أديب أريب تعدَّى بقصد أو بغير قصد على التابوهات الجديدة: العرق -الجندر- الأقليات، يقومون بجرمٍ تاريخيّ تحريفيّ خطير بتعدّيهم على تاريخٍ من الكتب حاملٍ لتصوّرات مختلفة عنهم، فإن كانت الرقابة الذاتية والخارجيّة «تُشذِّب» نصوص اليوم لحمايتها من آثار الميز العرقي أو الأقلّي أو الدينيّ أو الجندري، فإنّ امتداد هذا التشذيب إلى نصوص تاريخيّة ناتجة في مقامات حضاريّة مختلفة عن زماننا فعلٌ قاتلٌ لهذه النصوص واغتيالٌ لكتب وكُتّاب عاشوا في مراحل حضاريّة لا تَعُدّ نكران التواصل المثلي جرما، ولا تعتبر تسمية ألوان الشعوب فعلا مردودا، ولا تضع في حسبانها أنّ السخريّة فعلٌ مرفوض.

لقد طالت رقابة الأحاسيس والأهواء والمشاعر والضمائر عيونا في الأدب ومراكز لها عمق وأثر، وأجْرت مزاجها وأهواءها على ما كتبوه من جليل الآثار وعميق الأعمال، وحذفوا كلّ ما يشتمّون منها روائح الميز والتمييز أو ما يرونه احتقارا أو تكريسا لتفرقة جندرية أو عرقيّة أو أقليّة، فغيّروا وحذفوا وأخرجوا نُسخا نظيفة، مَحَوا منها عبارات ومعاني تدلّ على هذه الأفعال، وخذ مثالا على ذلك، ما فُعل في حديث الحضارة الغربيّة من تَدخّل سافر في أعمال أغاثا كريستي والاجتهاد في تنقيتها وإخراجها في هيئة تُوائم معايير سُيِّدت في الذائقة الفاعلة اليوم، روايتها عشرة عبيد صغار، تغيّرت في تحويل أول إلى عشرة هنود صغار، ثمّ إلى ولم يبقَ أحد، وحُذفت كل الإشارات العرقية داخل المتن، وفي هذا الفعل اغتيال للأثر، وتحويل لطبيعته، ونسف لميزته وما به يختصّ، فالرقيب المُعدِّل، حارسُ الأهواء، قد تدخّل في ما لا ينبغي التدخّل فيه، فنصّ أغاثا كريستي ليس رواية بوليسية فحسب، بل هو أيضا تمثُّلٌ لعصرها ورؤية أنتروبولوجيّة تشفّ عن معجم ثلاثينيات القرن العشرين ومعتقداتهم ونظرتهم وتفاعلهم مع الطبيعة ومع بقيّة البشر.

وعلى ذلك، فحين يتدخّل الإنسان المعاصر بتكليف أخلاقيّ من مجموعة سائدة لحذف عبارة العبيد أو الهنود، فهو لا ينفي العبوديّة ولا التمايز العرقي من المعجم، وإنّما هو يعتدي على إرث من التصوّرات، وعلى تاريخ عبّر عنه الأدب بلغة عصره، فالرقّ كان سمة عصور متعاقبة، ولذلك لا ينبغي محاكمة الكاتب اليوم إن كان يصدر عن إرث حضاريّ تكون فيه العبوديّة طبقة اجتماعيّة، ولا يُمكن أن نجول في تاريخ الأدب نتلقّط منه كلّ خارج عن تصوّرات هذا العصر غير المستقرّة أصلا، وغير المتّفق عليها، سلطة الأقليّات اليوم أصبحت جورا وهيمنة وخطابا إيديولوجيا.

إذا كانوا في الغرب قد حاكموا روالد دال على استعماله السمنة صفة الشخصيّة، والاجتهاد في التخلّص من العبارات «المؤذية» للصغار، تهكّما على سمنتهم أو قبحهم، فكيف نفعل في تراث الشعر القديم الذي كان يمتدح المرأة البدينة، ويتغنّى بسمنتها، ثمّ كيف نفعل في تاريخ من أدب السخريّة على رأسه الجاحظ العظيم الذي لم يترك شاردة ولا واردة إلاّ وحوّلها إلى موضوع للسخريّة؟ هل ننفي كلّ الشخصيّات البخيلة، وهل نحذف رسالة التربيع والتدوير التي عبث فيها الجاحظ بشخص أحمد بن عبدالوهّاب؟ وهل نتخلّص من رسالة القيان، وقس على ذلك؟ في مقالة لها هامّة ومفصليّة في رأيي بعنوان ما هي قراءة الحساسيّة؟ ترى جورجينا كامسيكا -وهي إحدى القارئات المراقبات، التي عملت فترات طويلة مع دور نشر متعدّدة تُسلِط ممحاة الحذف الملطِّفة لجموح اللغة ولعنصريّتها أو لفجاجتها- أنّ تسخير قراءة شاذبة مهذّبة ملطّفة للأعمال الأدبية أمر ضروريّ لحماية القارئ من كلّ عبارة نابية عنصريّة أو جندرية، وهي ترى أيضا أنّ هذا الفعل ليس جديدا ولا حديثا، وإنّما التابوهات موجودة دوما، ولقد عدّل ديكنز وحذف أكثر من مائتي إشارة معادية للسامية لشخصية «فاجين» في أوليفر تويست بعد انتقادات من اليهود له.

ورأيها سليم إلى أبعد درجة، فالرقابة دوما موجودة وتتلوّن ألوانا مختلفة بحسب العصور، ولكن الغريب في عصرنا أنّا تركنا التابوهات الكبرى التي يُمكن أن تجمع عددا مهما من القرّاء وعوّلنا في الرقابة على تقدير الشواذّ واحترام إرادتهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّ هذه الرقابة وإن كان يُمكن أن تُقبل في الأعمال المحدثة، ولكن بأي حقّ يجري مشرط المحرّر الحسّاس على أعمال قديمة، لعلّها تكتسب قيمتها ومنزلتها من هذه العبارات التي لا يستسيغها القارئ الحسّاس.

وفقا لمنظور القارئة الحسّاسة جورجينا كامسيكا، فإنّ رسالة التربيع والتدوير يجب أن تُقبَر، وقس على ذلك كلّ أدب السخريّة في تاريخ الحضارة العربيّة. صحيحٌ أنّنا نأخذ من الغرب علومهم ومعارفهم ومعطيات حضارتهم، ولكن أرجو ألاّ يأتي يوم تمتنع فيه دور النشر العربيّة عن نشر تراثنا؛ لأنّه حامل لنظرة عنصريّة أو جندريّة أو أنّه يعتدي على الأقليّات الدينيّة، أو يمسّ الضمائر الهشّة التي صارت عبارة واحدة في كتابٍ يُمكن أن تدفع قارئا إلى الاكتئاب! لا أحبّ هيمنة الرقابة مهما كان نوعها، وخاصّة إن كانت رقابة تتبع مواضيع ليست مواضيعنا، بل هي ليست مواضيع الكون بتمامه.