إيران.. والجهل الأمريكي المسلح

28 مارس 2026
28 مارس 2026

ما إن تشرع الولايات المتحدة في شيطنة بلد عربي أو مسلم، تحضيرا لشن الحرب عليه، حتى تزيح الستار عن خطاب عنصري جهول بهذا الجزء من العالم. وهو ما يفضح طبيعة المخيال الاختزالي ومرجعياته اللاواعية التي دأبت على تصوير المنطقة في صور نمطية مضللة يُعاد تدويرها بوصفها حقائق. هذا برغم ما نعرفه عن نشاط أجهزة الاستخبارات الأمريكية ومراكز الأبحاث التابعة لها، وعن شبكة واسعة من الباحثين والخبراء بشؤون الشرق الأوسط، المُغدق عليهم تحت عناوين ومؤسسات متحورة، سواء عن علم أو جهل بالمهمة والتوظيف. مع ذلك، لسنا واثقين من الفائدة الحقيقية لهذا التراكم المعرفي في صناعة قرار الحرب وما يعقبه من تداعيات وكوارث خلال إدارة البلدان بعد احتلالها، كما حدث في العراق وأفغانستان من قبل.

الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وأزمة الرهائن التي شغلت وسائل الإعلام الغربية في خضمها، أعادت المنطقة لدائرة الاهتمام من جديد عبر كتَاب ومصورين ومراسلين صحفيين جاؤوا من أمريكا وأوروبا لتغطية ظاهرة بات عنوانها «عودة الإسلام»، ولكن دون معرفة بثقافة البلد ولغته وتعقيد تركيبته الاجتماعية. كان اهتماما تحت الطلب، فرضته حاجة «السوق» الإعلامي لإشباع فضول القراء والمتفرجين الغربيين.

بعد عامين من انتصار الثورة نشر إدوارد سعيد الطبعة الأولى من كتابه «تغطية الإسلام» الذي ينطوي عنوانه على تورية شديدة الذكاء. وأرى أنه لا وقت أنسب من وقتنا لاستدعاء ما كتبه المفكر الراحل عن تلك الحالة غير المسبوقة للتغطية الإعلامية التي افترضت دائما «أن (الإسلام) الذي يتحدثون عنه شيء حقيقي ثابت له وجود واقعي في المكان الذي تصادف أن وُجدت في إمدادات بترولهم». يلفتني على سبيل المثال ملاحظة سعيد على تعقيب صحيفة نيويورك تايمز التي لم تجد مقولة جاهزة لشرح المقاومة الإيرانية المدهشة للغزو العراقي سوى بالقول: «إن للشيعة ولعًا بالاستشهاد»، معلقا: «هكذا وجدنا ما يقرب من ثلاثمائة صحفي في طهران في الأيام الأولى من أزمة الرهائن، دون أن يكون من بينهم من يتحدث الفارسية، ولم يكن من الغريب إذن أن تكرر جميع الأنباء الصحفية الخارجة من إيران، في جوهرها، نفس المقولات البالية عن الأحداث الجارية هناك».

تركت تلك التغطية الغربية للثورة الإسلامية تعميمات سطحية ما زالت رواسب جهالتها كامنة في وعي الأمريكيين والغربيين بالحالة الإيرانية وبالإسلام «الخطير» المنتفض العائد من حالة كمونه. صدى تلك التعميمات والمغالطات الفجة حاضر بقوة اليوم في الخطاب الحربي الأمريكي المتحمس لتدمير الأعداء (الذين لا يعرفهم)، الخطاب الذي ينم عن مخيلة ضحلة تجاه «البلد المغزو»، مرجعيتها هي سينما هوليوود في أحسن الأحوال.

ما يتفوه به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هو التمثيل الأيقوني للجهالة الأمريكية المسلحة. دعك من خفته المسرحية وهو يسمي مضيق هرمز بـ«مضيق ترمب» عن خطأ لفظي متعمد، فذاك لا يلغي جهله الحقيقي بإيران والخليج ومضيق هرمز. والجهل عينه يتوزع بنسبة متفاوتة بين معاونيه ومفاوضيه، وأولهم ستيف ويتكوف، ذاك الذي سمى المضيق بـ«خليج هرمز» في إحدى مقابلاته، والذي أُوكل بالتفاوض مع الإيرانيين على برنامجهم النووي دون خبرة سابقة بأصل الخلاف وجذوره كما يشير مقال لباتريك وينتور، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة ذي جارديان.

كم هو فظيع أن يثمر كل ذلك التفوق في الأدوات المعرفية عن مثل هذا المستوى من العجز في الفهم وسقم المنطق! لكنها علاقة قديمة بين العنف والجهالة؛ فمهما استند منطق الهيمنة الأمريكية على سلطة معرفية علوية فهو محكوم بـ«مشكلة النظر من أعلى» التي يشرحها جيمس سكوت. فلن يرى منطق الهيمنة في الشرق الأوسط إلا موضوعا قابلا للإخضاع، فضاء غامضا منفلتا، لا يمتلك الوعي الكافي بموارده ولا يتقن إدارتها، أي أنه لا يستحقها في نهاية المطاف؛ ولذا فإن هذه الجغرافيا ستظل دائما في حاجة لتدخل خارجي لضبطها وإعادة تشكيلها.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني