أُنس المحاورة

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

أحيانًا تندم على لقائك بكاتب أو مبدع أو فنّانٍ، لأنّك في الغالب الأعمّ تكون قد هيَّأت صورة مثاليّة، مبدئيّة عنه، من خلال أعماله، وأنت تقرأ كتابته أو ترى رسومه، أو تُنصت إلى موسيقاه، فأنت في الآن ذاته، تبني صورة المبدع، وتُحاسبُه من بعد ذلك، على ما بنيْتَه وأنشأته، في تناسٍ تامّ أنّ المبدع هو إنسانٌ يسوء ويحسن، تدمث أخلاقه وترذل، يُقبِل ويُعْرِض، يتواضَع ويتعالى، وكثيرًا ما صُدمْنا في مبدعين وكرهنا اليوم الذي لاقيناهم فيه، وكثيرًا ما سُررنا بلقاء مبدعينا وأحببنا كلّ لحظة معهم.

لم أفجأ وأنا أقرأ بشغف ولذّة كتابًا لخورخي لويس بورخيس عنوانه متعة الأدب، وهو في الأصل حوارات في الأدب والحياة، حوارات هيّأ لها وخاضها محاورون فطنون، أعدُّوا عُدَّتهم قبل الدخول في محادثات مطوَّلة مع كاتب له أثرٌ وفعلٌ في تاريخ الأدب الكوني.

لم يكن المُحاوِرُون بالنكرات، ولا بالصحفيّين العاديّين الباحثين عن استعمال اسم الكاتب الشهير فحسب، بل كانوا يُحقِّقون أملاً ذاتيًا ورغبة شخصيّة، ريتشارد بورغين، فاتحتهم، وصاحب القسم الحواريّ الأوّل من الكتاب، هو محرّر للمجلّة الأدبيّة «بوليفارد»، وحائز أيضًا على عدد من الجوائز، عن قصص ألّفها، له في رصيده ستّة عشر كتابًا، تحوي الروايات والقصص والمحاورات الأدبيّة، أحدها محادثات مع إسحاق باشيفيس زينغر، الروائي البولندي الأمريكي، الكاتب بلغة فئويّة جدّا، وقوميّة محدودة، الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1978 وثانيها محادثات مع خورخي لويس بورخيس، الكاتب الذي وسمه المُحاوِر في كلّ مقدّمة الكتاب بإعجابٍ طابقَ تصوّرا وفاقَه، إعجاب يرجع إلى منزلة أدب بورخيس من جهة، وإلى بساطة الإنسان وحسن حديثه، وإلى تواضُع وُسِم بها وعُرف، «كان بورخيس مبتهجًا وممتنًّا لدى نجاحه الذي طال انتظاره في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ومع ذلك فقد ظلَّ -كما سيظلّ دائمًا- أكثر الرجال تواضُعًا ولطفًا».

دانييل بورن الشاعر والمترجم والأستاذ الجامعيّ، وستيفن كيب، المحرّر ومفهرس الكتب في جامعة إنديانا، وتشارلز سيلفر، الفنّان البصريّ، والمحرّر، هم من أثّثوا القسم الثاني من محاورات كتاب متعة الأدب، وأخيرا تتعهّد غلوريا لوبيث ليكوبي مديرة محطتين إذاعيتين وصحفيّة في الإذاعة والتلفزيون، بتأثيث القسم الثالث من الكتاب.

فيتدرّج القارئ من الحوار الدقيق المرجعيّ المشحون بالكُتّاب والفلاسفة والآثار والقضايا، والحوار الجدّي والجادّ في عالم الأدب والفلسفة والنقد، إلى آخر قسم حيث يخفّ الحوار ويهدأ دون إسفاف وإنّما بروح المزاح والحديث عن العمى والأسى، وعن الاستطاعة بالغير، وعن ملبس الكاتب وألوانه، والأعجب أنَّ الكاتب، مسايرٌ للحوار الجديّ واجد نفسه فيه، منفتح على تفاصيله، وازن مُحاوِرَه، مؤمن به، سائل رأيه، مندمج -في الآن ذاته- في حوار الإذاعة الخفيف الطريف، معتمد فيه على الطرفة وسعة البال، والتجرّد من عقدة العمى، وعقدة الكاتب الكبير، ولذلك كان يُردّد بأنّه مُنح جوائز لا يستحقّها، وأنّه لا يمثّل أثرًا عميقا في الأدب الأرجنتيني الذي تتلمذ فيه على أدباء كبار هم صانعو هذا الأدب، ويقرّ بفضل التأسيس للشاعر المكنّى «ألمافويرتي»، الذي يسمه بأنّه «العبقريّ الوحيد الذي أنجبته الأرجنتين».

قرأتُ المحاورات التي لامست مواضيع شتّى وأضاءت من حياة الكاتب ما تخفّى، وفي كلّ مراحل الكتاب، لم يبد من بورخيس بعد نرجسيّ أو استعلاء أدبيّ أو تضخيم مثاليّ، وإنّما كان «إنسانًا»، كما في كتاباته، يُجلّي من خلال محاوراته وعْيًا بالحياة، وبساطةً في الوجود، يُبْدي ما يأكل الإنسان من هموم، ولا يعمل على صناعة صورة وهميّة مفارقة له.

أثار إعجابي من الكتاب أمران، الأوّل قدرة المحاوِرين المعرفيّة وحسن إعدادهم لأسئلتهم، والأرضيّة المعرفيّة التي جعلت بورخيس ينساب معهم في الحديث، فهم عارفون بأعماله، مدقّقون في مختلف مراحلها، عارفون بمرجعيّاتها وبالكتب التي بُنِيت عليها، ذلك أنّ خورخي لويس بورخيس من الكُتّاب الذين تعسر محاورتهم ومحادثتهم في ما كتبوه، نظرًا إلى المرجعيّات المختلفة التي يبني عليها كتبه، وإلى أصداء الأصوات المتعدّدة التي يُقيم عليها خطابه الأدبيّ.

يخوضون معه في تفاصيل ما كتب من قصص، في تلقّيها وعلل إنشائها وآثارها ومقارنتها بقصص أخرى، ويتركون الكلام يأخذ بعضه بتلابيب بعض، ويتتبّعون الأجوبة ومنها يُولّدون أسئلتهم، من ذلك خوض ريتشارد بورغين في قصص مثل قصّة «المحارب والأسيرة» و«اللاهوتيون» و«القُدّاس الألماني»، التي فتّحت أحاديث عن ألمانيا وهتلر والسياسة، و«وردة صفراء» و«الجنوب» التي كان الكاتب يراها من أفضل قصصه، ثم لا يخجل من التراجع عن رأيه ويقول لمحاوره «أعتقد أنّني كتبت قصّة أفضل منها، ألا وهي الدخيلة.

إنّها أفضل من قصّة الجنوب، بل قد تكون أفضل قصّة ألّفتها على الإطلاق، وليس فيها أيّ شيء يتعلّق بي»، وقصّة «الموت والبوصلة»، وقصّة «طلين، وأقبار وأوربيس تيرتيوس»، قصّة «الصانع»، و«النمر الآخر»، وغيرها من وفير القصص.

ويدخل في محاورات عن هنري جيمس، وعن كافكا، وأوجه التقارب والتباعد بينهما، وعن تفاصيل الكتابة عندهما. والأمر الثاني، تجلّي الكاتب العميق، وقدرته الفائقة والنادرة على أخْذ القارئ، وجذبه إلى عوالمه، فهو ليس بالدعيّ، وليس بالمتواضع المتكلّف، وليس بالنرجسيّ، ويقول ما يؤمن به حقّا، يعبّر عن منظوره للكتابة وللوجود ولأثر الكتب فيه دون زيف أو مراء أو مراعاة لتوازنات معيّنة، هو فاقد للبصر، مدرك لذلك، ولعميق آثاره فيه، هو لا يعيش عالمًا من الخيال ولا يطمح لذلك، وإنّما يعتني بتفاصيل الحياة، وما أبهرني وأدهشني هو كمّ الكتب الهائل المُخزَّن في ذاكرته النقديّة، وهو الأمر الذي زاد يقيني أنّ خورخي لويس بورخيس يتميّز بقدرته على تحويل مقروئه إلى جمال إبداعيّ أخّاذ، فهو يكتب إبداعًا على إبداع، ونقدا على نقد، وقصّة على قصّة وشعرا على شعرا.

وهو صاحب الخطاب المتاهي والقارئ الأوفى لألف ليلة وليلة ولابن رشد.

كاتب، على علوّ منزلته وشدّة أثره وانصراف القُرّاء إليه، يُبدي رأيه في أعماله بكلّ صفاءٍ ونقاء، وعندما سئل عن تفوق موهبته القصصية عن موهبته الشعرية أجاب بكل بساطة «لا أعتقد أني موهوب على الإطلاق»، وعندما ذكر له محاوره قصّة «وسم السيف»، قال: «لا أحب هذه القصة كثيرا». تذكّرت وأنا أتلذّذ بهذا الحوار، نفرتي من حوارات إخواننا الأدباء العرب، ونرجسيّتهم تتخفّى بقبح أحيانًا وتسفر أحيانًا أخرى، ذلك أنّ أغلبهم في محاوراتهم يدخلون في عوالم طوباويّة، تمجيديّة هذا من جهةٍ، ومن جهة ثانية، فإنّ المُحاوِر أحيانًا لا يدري حتّى عناوين الأعمال التي يتحدّث فيها، ولا يعلم عن الأديب إلاّ شهرته، ونادرًا ما نجد مُحاوِرًا قارئا، حاملا لموقف ورؤية.