لم أفجأ وأنا أقرأ بشغف ولذّة كتابًا لخورخي لويس بورخيس عنوانه متعة الأدب، وهو في الأصل حوارات في الأدب والحياة، حوارات هيّأ لها وخاضها محاورون فطنون، أعدُّوا عُدَّتهم قبل الدخول في محادثات مطوَّلة مع كاتب له أثرٌ وفعلٌ في تاريخ الأدب الكوني.
دانييل بورن الشاعر والمترجم والأستاذ الجامعيّ، وستيفن كيب، المحرّر ومفهرس الكتب في جامعة إنديانا، وتشارلز سيلفر، الفنّان البصريّ، والمحرّر، هم من أثّثوا القسم الثاني من محاورات كتاب متعة الأدب، وأخيرا تتعهّد غلوريا لوبيث ليكوبي مديرة محطتين إذاعيتين وصحفيّة في الإذاعة والتلفزيون، بتأثيث القسم الثالث من الكتاب.
فيتدرّج القارئ من الحوار الدقيق المرجعيّ المشحون بالكُتّاب والفلاسفة والآثار والقضايا، والحوار الجدّي والجادّ في عالم الأدب والفلسفة والنقد، إلى آخر قسم حيث يخفّ الحوار ويهدأ دون إسفاف وإنّما بروح المزاح والحديث عن العمى والأسى، وعن الاستطاعة بالغير، وعن ملبس الكاتب وألوانه، والأعجب أنَّ الكاتب، مسايرٌ للحوار الجديّ واجد نفسه فيه، منفتح على تفاصيله، وازن مُحاوِرَه، مؤمن به، سائل رأيه، مندمج -في الآن ذاته- في حوار الإذاعة الخفيف الطريف، معتمد فيه على الطرفة وسعة البال، والتجرّد من عقدة العمى، وعقدة الكاتب الكبير، ولذلك كان يُردّد بأنّه مُنح جوائز لا يستحقّها، وأنّه لا يمثّل أثرًا عميقا في الأدب الأرجنتيني الذي تتلمذ فيه على أدباء كبار هم صانعو هذا الأدب، ويقرّ بفضل التأسيس للشاعر المكنّى «ألمافويرتي»، الذي يسمه بأنّه «العبقريّ الوحيد الذي أنجبته الأرجنتين».
أثار إعجابي من الكتاب أمران، الأوّل قدرة المحاوِرين المعرفيّة وحسن إعدادهم لأسئلتهم، والأرضيّة المعرفيّة التي جعلت بورخيس ينساب معهم في الحديث، فهم عارفون بأعماله، مدقّقون في مختلف مراحلها، عارفون بمرجعيّاتها وبالكتب التي بُنِيت عليها، ذلك أنّ خورخي لويس بورخيس من الكُتّاب الذين تعسر محاورتهم ومحادثتهم في ما كتبوه، نظرًا إلى المرجعيّات المختلفة التي يبني عليها كتبه، وإلى أصداء الأصوات المتعدّدة التي يُقيم عليها خطابه الأدبيّ.
يخوضون معه في تفاصيل ما كتب من قصص، في تلقّيها وعلل إنشائها وآثارها ومقارنتها بقصص أخرى، ويتركون الكلام يأخذ بعضه بتلابيب بعض، ويتتبّعون الأجوبة ومنها يُولّدون أسئلتهم، من ذلك خوض ريتشارد بورغين في قصص مثل قصّة «المحارب والأسيرة» و«اللاهوتيون» و«القُدّاس الألماني»، التي فتّحت أحاديث عن ألمانيا وهتلر والسياسة، و«وردة صفراء» و«الجنوب» التي كان الكاتب يراها من أفضل قصصه، ثم لا يخجل من التراجع عن رأيه ويقول لمحاوره «أعتقد أنّني كتبت قصّة أفضل منها، ألا وهي الدخيلة.
ويدخل في محاورات عن هنري جيمس، وعن كافكا، وأوجه التقارب والتباعد بينهما، وعن تفاصيل الكتابة عندهما. والأمر الثاني، تجلّي الكاتب العميق، وقدرته الفائقة والنادرة على أخْذ القارئ، وجذبه إلى عوالمه، فهو ليس بالدعيّ، وليس بالمتواضع المتكلّف، وليس بالنرجسيّ، ويقول ما يؤمن به حقّا، يعبّر عن منظوره للكتابة وللوجود ولأثر الكتب فيه دون زيف أو مراء أو مراعاة لتوازنات معيّنة، هو فاقد للبصر، مدرك لذلك، ولعميق آثاره فيه، هو لا يعيش عالمًا من الخيال ولا يطمح لذلك، وإنّما يعتني بتفاصيل الحياة، وما أبهرني وأدهشني هو كمّ الكتب الهائل المُخزَّن في ذاكرته النقديّة، وهو الأمر الذي زاد يقيني أنّ خورخي لويس بورخيس يتميّز بقدرته على تحويل مقروئه إلى جمال إبداعيّ أخّاذ، فهو يكتب إبداعًا على إبداع، ونقدا على نقد، وقصّة على قصّة وشعرا على شعرا.