إلى أي مدى قد يمضي ترامب في صنع السلام وشن الحروب؟
دانيال دبليو دريزنر
بعد انقضاء انتخابات التجديد النصفي، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن مرحلة «البطة العرجاء»، فالرؤساء الذين يقضون ولاية ثانية ويفقدون السيطرة على الكونجرس يجدون أنفسهم أمام حقيقة أن زمن التشريعات الكبرى التي تحمل بصمتهم، أو المبادرات المهمة في السياسة الداخلية، قد انقضى. وحين يبدأ هؤلاء الرؤساء التفكير في إرثهم، يتجهون في الغالب إلى السياسة الخارجية، حيث تتيح لهم سلطة الرئاسة التحرك بحرية أكبر بعيدا عن قيود السياسة الداخلية وإزعاجاتها. وكثيرا ما يسعى الرئيس المنتهية ولايته إلى تحقيق هدف أخير وطموح في الخارج. فقد بذل الرئيس بيل كلينتون، على سبيل المثال، جهدا كبيرا في أواخر عهده لدفع مقترح يرمي إلى التوصل إلى تسوية نهائية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
غير أن مرحلة «البطة العرجاء» التي يدخلها ترامب ستختلف عن تلك التي عرفها أسلافه. فقد مرّ بالفعل بما عُدّ، في حينه، مرحلة مماثلة بين نوفمبر 2020 ويناير 2021، واستخدمها للطعن في نتيجة الانتخابات، رغم الأدلة الواضحة على فوز جو بايدن. وترامب أول رئيس خلال المائة عام الماضية يتولى ولايتين غير متتاليتين، ولذلك فهو الزعيم الأمريكي الوحيد في الذاكرة الحية الذي يخوض مرحلة «البطة العرجاء» مرتين، على أن تمتد هذه المرحلة الثانية أكثر من عامين.
ومع اقتراب الديمقراطيين من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، يُرجح أن يشعر الرئيس بأنه محاصر وغاضب تحت وطأة احتمال عزله أو فتح تحقيقات في المعاملات التجارية لعائلته. وهنا تكمن خطورة ما تبقى من ولايته. فقد ينفجر ترامب المحاصر في الخارج، خاصة في غياب مسار بنّاء وواضح في السياسة الخارجية يستطيع أن يصرف فيه طاقته. وسيظل الكونجرس، حتى تحت سيطرة الديمقراطيين، محدود القدرة على التأثير في إدارته اليومية للسياسة الخارجية.
أمامه الكثير من السبل للتصرف بانفعال، من إطلاق تهديدات جديدة ضد كندا، إلى شن هجمات أخرى على تحالفات الولايات المتحدة، أو التواطؤ مع روسيا أو الصين على حساب أوكرانيا أو تايوان. لكن تحويل هذه التهديدات إلى سياسات فعلية يحتاج إلى جهد جاد، كإعادة تموضع القوات الأمريكية أو خوض مفاوضات شاقة مع القوى الكبرى الأخرى.
أما الساحتان اللتان يستطيع ترامب إحداث أكبر قدر من الضرر فيهما فهما إيران وكوبا. ووفقا لصحيفة «نيويورك تايمز»، أعدّت إدارة ترامب وإسرائيل خططا لشن ضربات جديدة على إيران فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي. ومن المستبعد أن تنجح محاولة أخيرة لإجبار طهران على الاستسلام، وقد تعرّض الاقتصاد العالمي وأمن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج واستقرارهم للخطر. وربما يحاول ترامب أيضا فرض تغيير النظام في كوبا. ولن يتطلب العمل العسكري ضد الخصمين أكثر من إصدار ترامب أمره. وفي غياب انتخابات تلوح في الأفق، لن يبقى ما يقيّد الرئيس في الخارج سوى تصوره الخاص لإرثه.
قدم خارج الباب
نصف الرؤساء بأنهم دخلوا مرحلة «البطة العرجاء» عندما يتوقفون عن خوض الانتخابات، الرئاسية منها أو النصفية. وبالنسبة إلى رئيس أمضى ولاية واحدة وخسر معركة إعادة انتخابه، لا تستمر هذه المرحلة سوى بضعة أشهر تفصل بين انتخاب خليفته وتنصيبه. أما رئيس الولاية الثانية فقد تمتد مرحلته عامين، من انتخابات التجديد النصفي إلى مغادرته منصبه. ومن المستبعد أن يسمح ترامب لانتخابات الرئاسة لعام 2028 بالتأثير في حساباته، فهو لم يُبد يوما اهتماما يُذكر بالمصير السياسي لبقية الجمهوريين.
وبعد تحررهم من أعباء الحملات الانتخابية والتشريع، وغالبا مع تراجع رصيدهم السياسي في الداخل، يميل الرؤساء المنتهية ولاياتهم إلى التحول نحو الدبلوماسية، ويقدمون على مجازفات خارجية لم يكونوا ليجرؤوا عليها من قبل. فقد حاول كلينتون التوسط في اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني وترتيب زيارة رئاسية إلى كوريا الشمالية في نهاية ولايته الثانية. وبعد خسارته انتخابات التجديد النصفي عام 2014، أبرم الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي الإيراني وأعاد العلاقات مع كوبا إلى طبيعتها.
واستخدم رؤساء «البطة العرجاء» القوة العسكرية أيضا بطرق ربما كانوا سيتجنبونها قبل الانتخابات. فقد تدخل جورج بوش الأب في الصومال أواخر عام 1992 ضمن مهمة محدودة لتخفيف المجاعة. وبعد أكثر من عقد، أرسل جورج دبليو بوش عام 2007 تعزيزات عسكرية إلى العراق في محاولة لتحقيق الاستقرار، عقب انتخابات نصفية قاسية بدا أن الناخبين بعثوا فيها برسالة تطالبه بالانسحاب من حرب كانت تتجه نحو الفشل.
وقد جاءت نتائج هذه الرهانات الكبرى في السياسة الخارجية متفاوتة. أخفقت مفاوضات كلينتون الإسرائيلية الفلسطينية، ولم تعمّر إنجازات أوباما الدبلوماسية طويلا. ونجحت مهمة جورج بوش الأب في الصومال، إلى حد بعيد، في درء الجوع، لكنها تركت جذور الصراع بلا علاج، وهو ما أغرى كلينتون لاحقا بتوسيع المهمة، وكانت العواقب كارثية. أما زيادة القوات التي أمر بها جورج دبليو بوش في العراق فحدّت من العنف على المدى القصير، من دون أن تحقق استقرارا دائما للبلاد.
وعلى أقل تقدير، خضعت هذه المبادرات للنقاش والتخطيط، بمشاركة الجهات المعنية داخل الحكومة وخبراء من خارجها. وكانت أهدافها واضحة حتى حين تعذر بلوغها. وفي كل حالة حاول الرئيس شرح سياساته وتبريرها، وهي معايير أخفق ترامب مرارا في الوفاء بها.
المجازفة بكل شيء
بعد أن أضعفته انتخابات التجديد النصفي، فيما يواصل سعيه إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام، قد يُتوقع أن يتجه ترامب نحو الدبلوماسية. لكن المشكلة أنه استنفد بالفعل الكثير من الخيارات التقليدية المتاحة لرئيس في مرحلته الأخيرة. ففي ولايته الأولى، ذهب بعيدا في رهانات السياسة الخارجية، فانسحب من الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، والتقى زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون ثلاث مرات، واستبدل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية باتفاق تجاري إقليمي من صنعه، وسهّل تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وانسحب من طائفة واسعة من الاتفاقيات الدولية. ومنذ عودته إلى الرئاسة عام 2025، أشرف على وقف إطلاق النار في غزة واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ولا يُتوقع أن يعود ترامب إلى معظم هذه المبادرات، فقد بلغ أقصى ما تستطيع دبلوماسيته القائمة على الاستعراض تحقيقه. تعهد، على سبيل المثال، بالاستيلاء على جرينلاند، ثم انتهى به الأمر إلى قبول اتفاق يوسّع الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة. أما «مجلس السلام» الذي قدّمه بوصفه منافسا لمجلس الأمن الدولي، فسيظل على الأرجح يراوح مكانه، بعدما باتت الدول الأخرى أقل شعورا بالحاجة إلى الانصياع لكل نزوة من نزواته.
وتوجد رهانات بعيدة الاحتمال يمكن أن يقدم عليها ترامب، كمحاولة إنهاء الصراعات المستعصية في كشمير أو السودان، طمعا في ترسيخ سمعته صانعا للسلام. غير أن حل هذه المشكلات بالغ الصعوبة حتى في أفضل الظروف. وحتى فرض اتفاق غير متوازن في أي من الحالتين يحتاج إلى قدر من الحنكة والخبرة الإقليمية والصبر لا يملكه ترامب. فهو نادرا ما يستثمر وقتا حقيقيا في العمل الدبلوماسي، كما تكشف ادعاءاته المشكوك فيها بإنهاء سلسلة من الصراعات ما زال كثير منها مستمرا.
وربما يكون الرهان الأكبر الذي يستطيع ترامب الإقدام عليه هو تشكيل محفل للقوى الكبرى، يجتمع فيه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جين بينغ للعمل معا على فرض نظام عالمي. لكن القمم المقبلة، شأنها شأن معظم لقاءاته السابقة مع بوتين وشي، لن تفضي على الأرجح إلى نتائج ذات شأن. فلم تبدِ روسيا أو الصين اهتماما جديا بمعاهدة ثلاثية للحد من الأسلحة النووية، وهي الفكرة التي طرحها ترامب. ولا تبديان حماسة للضغط على إيران كي تقبل اتفاقا مع الولايات المتحدة. وقد يستخدم ترامب هذه الاجتماعات للتضحية بأوكرانيا أو تايوان، على أمل يائس في إبرام اتفاق سلام. لكن العامين الماضيين أثبتا أن بوتين لا يرغب في تقديم تنازلات، ويملك الموارد التي تتيح له مواصلة القتال. أما شي فينظر إلى تايوان باعتبارها شأنا صينيا داخليا، ومن المستبعد أن يقبل أي قيود على نهجه تجاه الجزيرة. وسيدرك ترامب في نهاية المطاف أن استثمار الصورة التي تنتجها قمة تجمع القادة الثلاثة أجدى له من بذل الجهد اللازم للتوصل إلى اتفاق حقيقي.
مغامرة أخيرة قبل الرحيل
من المرجح أن يتحرك ترامب في إيران. فهو يبدو مقتنعا بأن تصعيد الحرب قد يكسر الجمود وينقذ إرثه. لكن القادة الإيرانيين لن يتراجعوا أمام المزيد من القوة. والأرجح أنهم سيصعّدون هجماتهم على الملاحة التجارية، ويوجهون ضربات إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، ويتجاهلون المبادرات الدبلوماسية إلى أن يغادر ترامب منصبه.
وقد تكون خيارات ترامب نفسه محدودة؛ فالتصعيد الأمريكي الأشد تطرفا ضد إيران، كإنزال قوات في جزيرة خرج، سيواجه على الأرجح رفضا واسعا داخل قاعدته، ما قد يدفعه إلى تجنبه. وحتى أشد أنصاره ولاء بدأوا يضيقون بالأسعار المرتفعة التي تسببت بها حربه. وقد يؤدي تجدد الصراع إلى إغراق العالم في أزمة اقتصادية.
وقد يحاول ترامب أيضا فرض تغيير النظام في كوبا؛ فقد أخضع الجزيرة لحصار شامل طوال معظم عام 2026 في مسعى لإضعاف قدراتها الدفاعية. وبعد انقطاع شريان الدعم الفنزويلي، وتراجع إمدادات الكهرباء إلى ساعات قليلة في اليوم، تفاقمت المصاعب الاقتصادية والمعاناة الإنسانية في كوبا على نحو حاد خلال الأشهر الأخيرة. ويضع ماركو روبيو، وزير خارجية ترامب ومستشاره للأمن القومي، إسقاط الحكومة الكوبية في مقدمة أولوياته الشخصية. وينسجم ذلك مع «عقيدة دونرو» التي تؤكد أولوية الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.
وقد يبدو الهجوم على كوبا جذابا لترامب لأنه لن يحتاج إلى قدر كبير من الموارد العسكرية، وسيحل، وفق تصوره على الأقل، معضلة أرّقت الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية عهد أيزنهاور. وربما كان ترامب قد تحرك ضد كوبا بالفعل لولا تورطه في مستنقع إيران. غير أن عالم السياسة ألكسندر داونز بيّن أن استخدام القوة لتغيير الأنظمة نادرا ما ينجح، وكثيرا ما يقود إلى عواقب يصعب التنبؤ بها. وفي الحالة الكوبية، قد تعني تلك العواقب موجة جديدة من اللاجئين المتجهين إلى الولايات المتحدة.
لكن ترامب في مرحلة «البطة العرجاء» قد يرى في الأمر مقامرة تستحق خوضها، على أمل أن يصبح الرئيس الذي نجح أخيرا في إسقاط النظام الشيوعي. وفي السياسة الخارجية، لا شيء يغري ترامب أكثر من محاولة قطع عقدة مستعصية بضربة واحدة. وقد ينظر أيضا إلى تغيير النظام في كوبا بوصفه وسيلة لصرف الأنظار عن إخفاقه في إيران.
وثمة احتمال آخر يتمثل في أن يوجه ترامب سياسته الخارجية نحو إثراء عائلته. فقد أوجد بالفعل فرصا واسعة أتاحت لجهات أجنبية، في الظاهر، شراء النفوذ داخل إدارته. وقبل ترامب وأفراد من عائلته طائرة من أمير قطر، واستثمارا بقيمة ملياري دولار من صندوق يقوده ولي العهد السعودي، إلى جانب أرباح عدد من مشروعات العملات المشفرة التي جاء جزء كبير منها من مشترين أجانب.
ووفقا لمجلة «نيويوركر»، حصدت عائلة ترامب أربعة مليارات دولار من هذه الأنشطة الربحية. وقد يرى ترامب، مطمئنا إلى أن مجلس الشيوخ لن يحشد أغلبية السبعة والستين صوتا اللازمة لعزله، أنه لا يملك ما يخسره إذا مضى في ابتكار المزيد من سبل جمع المال. ويبقى الخيار الأكثر إثارة للدهشة في السياسة الخارجية خلال مرحلة «البطة العرجاء» أن يمتنع ترامب عن فعل أي شيء. فقد شغل الرئيس نفسه بإعادة تشكيل واشنطن العاصمة على صورته، عبر إعادة تزيين المكتب البيضاوي، وتصميم قاعة احتفالات في البيت الأبيض، ومحاولة تجديد مركز كينيدي. وقد يقضي عاميه الأخيرين في إصدار قرارات العفو، وملاحقة خصومه السياسيين قضائيا كلما أتيحت له الفرصة، وإقامة النصب التذكارية لنفسه. وبالنظر إلى البدائل الأخرى، قد يكون امتناع ترامب عن التحرك في السياسة الخارجية أفضل سيناريو ممكن لعاميه الأخيرين في مرحلة «البطة العرجاء».
دانيال دبليو دريزنر عميد أكاديمي وأستاذ متميز في السياسة الدولية بكلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، ومؤلف النشرة الإخبارية «عالم دريزنر».
إليزابيث ن. سوندرز أستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، وزميلة أولى غير مقيمة في معهد بروكينجز، ومؤلفة كتاب «لعبة المطلعين، كيف تصنع النخب الحرب والسلام».
عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»
تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي أعقبتها مراجعة بشرية
