المعنى الحقيقي للقوة ما الذي يمكن أن يتعلمه ترامب من عرّاب الواقعية

07 نوفمبر 2026
07 نوفمبر 2026

«السياسة الدولية -شأنها شأن كل أشكال السياسة- صراع على القوة». دوّن هانس مورغنثاو هذه العبارة من مكتبه في شيكاغو مع بزوغ الحرب الباردة حين كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يخوضان منافسة مفتوحة الأفق على الهيمنة العالمية. وسرعان ما أصبح كتاب «السياسة بين الأمم» الذي وضعه مورغنثاو من أكثر كتب العلاقات الدولية اعتمادًا في الولايات المتحدة، كما قدّم إطارًا فكريًا -هو الواقعية- استرشد به أجيال من الباحثين وصانعي السياسات.

مع أن أشياء كثيرة تغيرت منذ نشر أبرز أعمال مورغنثاو قبل نحو ثمانية عقود فإن الأسس ظلت على حالها؛ فالطبيعة البشرية التي رأى مورغنثاو أنها المحرك للصراع على القوة لم تتبدل. وما زالت الدول أبرز الفاعلين في النظام الدولي، تتنافس على النفوذ، وتواصل القوى الكبرى رسم مسار التاريخ.

Image

ويبدو أن جانبًا كبيرًا من عالم اليوم يؤكد استنتاجات مورغنثاو؛ فمساعي روسيا إلى إقامة مجال نفوذ في أوروبا الشرقية، وسعي الصين إلى الهيمنة في شرق آسيا، وإحياء الولايات المتحدة مبدأ مونرو في نصف الكرة الغربي، كلها تشير إلى استمرار أولوية المصالح الوطنية على التطلعات الأخلاقية والقواعد الدولية.

كثيرون يحصرون إسهام مورغنثاو في تحديد القوة بوصفها العامل الأهم في سلوك الدول. وتغيب عن هذه القراءة إحدى ملاحظاته الجوهرية، وهي أن البشر، حتى إن كانوا يميلون إلى تعظيم قوتهم، كائنات أخلاقية تسعى أيضًا إلى الحد منها. وتكشف كتابات مورغنثاو عن جدل بين القوة والأخلاق، وهما مفهومان يبدوان متعارضين، أمضى حياته محاولًا التوفيق بينهما؛ فقد رأى ضرورة ترويض القوة بعيدًا عن تمجيدها.

كان مورغنثاو مهاجرًا فرّ من ألمانيا النازية، وكان يدين بحياته للولايات المتحدة؛ لذلك قدّم إلى مواطنيه الأمريكيين إرشادات محددة. فحتى وهو يحث الولايات المتحدة على حماية مصالحها الحيوية بالحفاظ على ميزان قوى ملائم في مناطق أساسية كان يناشدها أن تستخدم قوتها بحكمة.

ورأى فيها الدولة الوحيدة التي تملك القدرة والإرادة للدفاع عن قيم عليا ينبغي للقوة أن تخدمها. وتمسك بالحفاظ على القوة الأمريكية لتكون كابحًا للعنف والتعصب اللذين اختبرهما، لكنه خشي أن يفرغ التوسع الأمريكي المفرط الأسس التي تقوم عليها تلك القوة من مضمونها، وكان ذلك في نظره مأساة للبشرية.

ربما لم تُسئ أي حكومة فهم مورغنثاو بقدر إدارة ترامب الثانية؛ فمسؤولوها يتباهون باستخدام القوة العسكرية حول العالم من إيران إلى فنزويلا ومنطقة الكاريبي مستهينين بالمخاوف المتعلقة بجرائم الحرب المزعومة، ومهددين حلفاء راسخين منذ زمن طويل.

Image

وقد جسّد نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر النظرة الترامبية حين تحدث في يناير عن «القوانين الحديدية للعالم»، وقال: إن العالم «تحكمه القوة، ويحكمه الإكراه، وتحكمه السلطة».

وأسند بعض المحللين على نحو خاطئ أفعال إدارة ترامب إلى الواقعية؛ فقد نُشر في مجلة «نيويورك تايمز» مقال مطوّل تحت عنوان «النظرية التي تمنح ترامب تفويضًا مطلقًا للعدوان». وهذا الالتباس مفهوم؛ إذ دأبت إدارة ترامب على الزعم بأن أفعالها تستند إلى «الواقعية المرنة».

لكن أي قراءة للواقعية تتجاهل الأبعاد الأخلاقية في نظرية مورغنثاو تظل قراءة خاطئة وخطيرة؛ فعندما تضبط الولايات المتحدة قوتها بنفسها، وتلتزم القواعد الدولية، وتتشاور مع حلفائها وشركائها، وتستخدم قوتها في خدمة قيم عليا يغدو نفوذها أكثر قبولًا لدى الدول، ويساعد ذلك على استمراره. أما إذا انفصلت أفعال واشنطن عن هذه القيود فسيتراجع استعداد الآخرين لقبول امتيازاتها، وسيغدو العالم أشد خطرًا.

من الضروري العودة إلى أسس الواقعية، وإلى الرجل الذي عرّف الأمريكيين بهذا التقليد الفكري. فلو شهد مورغنثاو هذه اللحظة من تاريخ الولايات المتحدة لخلص إلى أن البلاد بالغت في استيعاب دروسه عن أهمية القوة، وأخطأت حين ساوت بينها وبين استخدام القوة المسلحة.

ورأى ضرورة وضع الأسئلة الأخلاقية في المقدمة، وإعادة بناء الضوابط المعيارية لاستخدام القوة. وحذّر من التورط في الخارج بما يقوض الديمقراطية الأمريكية التي تظل نبع قوة البلاد. وهذه دروس تساعد الولايات المتحدة على اجتياز حقبة يشتد فيها التنافس بين القوى الكبرى، ويضيق فيها هامش الخطأ فيما قد تكون كلفة سوء التقدير كارثية.

مغادرة أوروبا

وُلد مورغنثاو في شتاء عام 1904 لأسرة يهودية مندمجة في المجتمع تنتمي إلى الطبقة الوسطى في جنوب ألمانيا. ربّاه والده لودفيغ المحافظ والسلطوي -وهو ابنه الوحيد- على تبجيل الملكية والاعتزاز بإنجازات بلاده. وربما مضت طفولته كطفولة فتى خجول ونبيه في مجتمع برجوازي واثق بنفسه، لكن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وصعود معاداة السامية دفعا حياته إلى مسار مختلف تمامًا.

في عام 1922 اختير مورغنثاو -وكان من أبرز طلاب مدرسته الثانوية- لإلقاء كلمة أمام زملائه وجيرانه في احتفال عام لتكريم الشخصية التي سميت المدرسة باسمها. وما إن بدأ الكلام حتى لاحظ أن بعض الحاضرين ولّوه ظهورهم فيما سد آخرون أنوفهم اشمئزازًا من هذا «اليهودي النتِن». أنهى مورغنثاو كلمته، لكن زملاءه أمطروه بالشتائم المعادية لليهود وبصقوا عليه حين غادر الساحة. وبعد أشهر قليلة وصل هتلر إلى بلدته كوبرغ على رأس مئات من أفراد كتائب العاصفة الذين اعتدوا على المحتجين فيما وقفت الشرطة تتفرج. وسرعان ما اكتسبت كوبرغ صفة مشينة بوصفها أول بلدة تنتخب النازيين إلى السلطة.

غادر مورغنثاو كوبرغ آملًا أن يصبح كاتبًا أو شاعرًا، لكنه اضطر إلى التحول نحو دراسة القانون بعدما دمّر التضخم الجامح أوضاع أسرته المالية. وخلال تدريبه على يد هوغو زينسهايمر - محامي العمل اليساري البارز- رأى قضاة محافظين يقوضون جمهورية فايمار، ويساعدون الساعين إلى تدميرها. وكتب لاحقًا في سيرته الفكرية أن ذلك قاده إلى استنتاج مفاده أن «العامل الحاسم هو توزيع القوة السياسية، أما وجاهة التأويلات القانونية المختلفة فظلت في مرتبة ثانوية».

ومع تدهور حياة اليهود الألمان فرّ إلى جنيف لتدريس القانون، لكن سويسرا لم تكن بعيدة بما يكفي؛ فبعدما استولى هتلر على السلطة في ألمانيا بدأ الطلاب يقاطعون محاضراته؛ لأنهم لم يرغبوا في تعلم القانون الألماني على يد أستاذ يهودي، ثم وجد وظيفة تدريس في مدريد، لكن الحرب الأهلية الإسبانية أجبرته على الرحيل. وتنقل في أنحاء أوروبا قبل أن يصل إلى نيويورك عام 1937 لاجئًا معدمًا. وبعدما شهد صعود الفاشية عن قرب صُدم من كثرة الأمريكيين الذين يؤمنون بأن الطبيعة البشرية خيّرة في جوهرها، وأن السلام هو الوضع الطبيعي للبشرية، وأن التاريخ مسيرة تقدم!في نيويورك ثم في كانساس سيتي أخذ مورغنثاو يقلق فيما تراقب الولايات المتحدة ألمانيا النازية وهي تعيد تسليح نفسها، وتضم النمسا، وتغزو تشيكوسلوفاكيا. واعتقد أن العجز عن فهم الطبيعة البشرية غذّى إيمان الديمقراطيات الغربية الأعمى بالقانون الدولي وعصبة الأمم، فاختارت هذه الديمقراطيات مسار المقاومة الأقل، واسترضت هتلر، وانتهى بها ذلك إلى الهاوية الأخلاقية.

هزّه سقوط فرنسا عام 1940، فبدأ كتابة أول كتبه باللغة الإنجليزية مهاجمًا ثقة الأمريكيين بأن مناهج العلوم الطبيعية قادرة على فهم المجتمع، وأن قوة العقل وحدها ستقضي في نهاية المطاف على الصراع.

وفي كتابه «الإنسان العلمي في مواجهة سياسة القوة» الصادر عام 1946 اتهم العقلانية والليبرالية بإساءة فهم طبيعة الإنسان والعالم والعقل نفسه؛ فالإنسان -إلى جانب حاجاته العقلانية- يحمل نزعات لا عقلانية لا يستطيع الاحتكام إلى العقل وحده محوها. وكتب أن «شهوة الإنسان إلى القوة لا تُشبَع إلا إذا صار شبيهًا بالله». وتسعى الدول -شأنها شأن البشر- إلى تعظيم قوتها بعضها على حساب بعض، ما يجعل الصراع حتميًا.

تلقى كتاب «الإنسان العلمي» مراجعات قاسية، وقال مورغنثاو لاحقًا: إنه «صدم الناس إلى حد بعيد». فعدّل مقاربته، وصاغ رسالته بما يلائم الجمهور الأمريكي، وضمّنها كتابًا دراسيًا يخاطب نزعتهم العملية. أراد للكتاب أن يمثل تحولًا في التفكير الأمريكي بشأن السياسة الخارجية، وكتب في رسائل خاصة أن اختلافه عن الكتب السابقة سيكون كاختلاف السيارة عن عربة تجرها الخيول. وبعد عامين حقق هذا الهدف في كتاب «السياسة بين الأمم». أكد مورغنثاو أن الصراع على القوة لا مفر منه؛ فكل الدول تسعى إلى الحفاظ على قوتها أو زيادتها أو إظهارها. ولن يكون نزع السلاح والأمن الجماعي والقانون الدولي كافيًا لاحتواء هذا الصراع. وكان ميزان القوى وحده كفيلًا بمنع الدول من محاولة قلب النظام القائم، ولا تُروّض القوة إلا بقوة مضادة.

البربرية والحضارة

يسهل فهم سبب قراءة كثيرين لمورغنثاو على أنه نصير للواقعية السياسية، ووريث لمكيافيلي أو بسمارك؛ فقد وضع القوة في قلب تحليله، لكنه لم يمجّدها قط. وكتب في رسالة خاصة: «أنا محلل للدولة القومية وللقوة، وقد أكدت مرارًا دلالاتهما الأخلاقية السلبية». لقد علمته تجاربه الشخصية مع القوة أن السعي إليها بلا ضوابط يقود إلى الكارثة. وأدرك ضرورة وجود قيود أخلاقية ومعيارية لإبقاء الصراع على القوة ضمن حدود يمكن احتمالها. وكتب في رسالة أخرى: «مهمة المجتمعات المتحضرة هي تهذيب دوافع القوة، وتوجيهها إلى قنوات نافعة للمجتمع».

في الواقع كان مورغنثاو أقل تسامحًا مع من يعجزون عن التوفيق بين القوة والأخلاق منه مع من يقللون من أهمية القوة. وعلى الرغم من أن نزعة الرئيس وودرو ويلسون الأممية ومثاليته جعلتاه من أهداف مورغنثاو المفضلة للنقد؛ فإنه كان يفضله على أمير مكيافيلي؛ إذ كتب: «كان إخفاق ويلسون -على الأقل- إخفاق العظمة، إخفاق رؤية أوسع مما ينبغي. أما مقلدو مكيافيلي فلن يقول أحد فيهم مثل ذلك». وانتقد كذلك المؤرخ والمنظّر السياسي البريطاني إدوارد هاليت كار، الذي دفعه نسبيته الأخلاقية إلى الدعوة لاسترضاء هتلر. وكتب أن كار «لم يكن لديه منظور متعالٍ يطل منه على المشهد السياسي ويقيّم ظاهرة القوة». وعلى الرغم من أن الرجلين يُعدّان من أبرز مفكري الواقعية خلص مورغنثاو بلهجة لاذعة إلى أن كار «كان يرى أن من الخطر أن تكون مكيافيليًا، ومن الكارثي أن تكون مكيافيليًا بلا فضيلة سياسية»؛ أي إن ممارسة سياسة القوة من دون مهارة وحسن تقدير مدمرة.

وفي كتاب «السياسة بين الأمم» انتقد مورغنثاو القادة الذين يمجدون الصراع على القوة، ويرفضون في الوقت نفسه أي قيد على استخدامها. وقال: إن «الفلسفات والأنظمة السياسية التي جعلت من شهوة القوة والصراع عليها دعامة أساسية لها أثبتت عجزها ودمّرت نفسها». كما لفت الانتباه إلى المعايير الأخلاقية المشتركة التي تستطيع صون النظام، والحد من الصراع على القوة. ولاحظ أن البشر أصروا عبر التاريخ على إخضاع العمل السياسي للمساءلة الأخلاقية. وحين سادت تلك القيود اكتفت الدول بأقل مما تتيحه لها قوتها. وتحولت ممارسات كانت شائعة، مثل اغتيال قادة دولة منافسة أو قتل نسبة كبيرة من سكانها المدنيين لإضعافها، إلى أفعال موصومة. وخلص مورغنثاو إلى أن «ما تغير هو أثر الحضارة، الذي يجعل ما هو مرغوب وممكن مستهجنًا أخلاقيًا، ومن ثم متعذر التنفيذ في الأحوال العادية».

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة رأى مورغنثاو أن القيود المفروضة على الصراع على القوة بلغت أضعف حالاتها منذ نشأة منظومة الدولة الحديثة؛ فقد حاول هتلر إبادة شعب بأكمله، وقصفت دول المحور والحلفاء المدن بلا تمييز. وعلى الرغم من اعتقاده أن الحلفاء كانوا مبررين أخلاقيًا في اتخاذ مثل هذه التدابير لهزيمة نظام إبادي، فإنه خشي أن يكون الصراع على القوة متجهًا إلى الانفلات من كل حد. وفي العصر النووي قد يعني العجز عن إعادة إرساء هذه الحواجز الأخلاقية نهاية البشرية.

المعركة الأخلاقية

حجبت سمعة مورغنثاو بوصفه مفكرًا واقعيًا صلبًا الجوهر الأخلاقي لنظريته طويلًا؛ فقد أكد أن القوة وسيلة لغاية، «ومحاولة لتحقيق القيم الأخلاقية عبر السياسة». وأدرك أن تعظيم القوة لذاتها عمل مدمر وبلا جدوى، وقال: إن «على الدولة أن تسعى إلى مصالحها خدمة لغرض أسمى يمنح معنى لممارسات سياستها الخارجية اليومية». وفي رأيه بقيت اليونان القديمة وروما حاضرتين في الذاكرة؛ لأن قوتهما خدمت غاية تجاوزت إمبراطوريتيهما تمثلت في ديمقراطية أثينا وفلسفتها، وفي القانون الروماني ونظامها الجمهوري.

ومع اندماجه في المجتمع الأمريكي وتأسيسه أسرة في شيكاغو أخذ مورغنثاو يرى الولايات المتحدة وريثة لهذا التقليد؛ فقد كانت مساهمة البلاد في العالم ومصدر قوتها كامنَين في ديمقراطيتها وحياتها المدنية. وكانت المقاربة الواقعية -التي تستخدم القوة بحكمة في الخارج- الأجدر بحماية التجربة الأمريكية في الداخل بما يتيح للأمريكيين العيش في حرية وأمان، ويقدم مثالًا تحتذي به البلدان الأخرى. وبعبارة أخرى؛ كان ينبغي ربط القوة الأمريكية بغاية؛ غاية تؤديها البلاد «بوصفها منارة تجذب الغرباء، لا شعلة تنتشر في أرجاء العالم». ولم يكن ذلك مجرد استنتاج باحث محايد؛ فقد قبلت الولايات المتحدة مورغنثاو حين لم تقبله دولة أخرى، وكانت مكانًا استطاع فيه مهاجرون مثله بلوغ قمة مجالاتهم.

وبحلول ستينيات القرن العشرين رأى مورغنثاو أن القوة الأمريكية تواجه تهديدًا صنعته بيديها. وأخذت شكوكه تتعمق إزاء التدخل الأمريكي في فيتنام محذرًا منذ عام 1961 من احتمال تحوله إلى مستنقع يشبه حرب فرنسا في الجزائر. وبعد عامين مع اشتداد المواجهات بين حكومة فيتنام الجنوبية والمحتجين دعا الولايات المتحدة إلى الانسحاب.

واستند في معارضته إلى الواقعية قائلًا: إن سيطرة الشيوعيين على فيتنام لن تغير ميزان القوى في آسيا، ورافضًا بذلك نظرية الدومينو التي افترضت أن الشيوعية ستنتشر حتمًا إلى الخارج ما إن ترسخ موطئ قدم لها في المنطقة. وأدرك مورغنثاو أيضًا أن الشيوعية لم تعد كتلة واحدة، ورأى أن هو تشي منه قادر على قيادة بلد غير منحاز على غرار تيتو في يوغوسلافيا. واعتبر النزاع حربًا أهلية، وخشي أن تحاول الولايات المتحدة الإبقاء على وضع قائم هو نفسه مصدر عدم الاستقرار.

تجاهلت إدارات متعاقبة تحذيرات مورغنثاو، ودفعت الولايات المتحدة بدلًا من ذلك إلى التورط أكثر في الحرب، وأخذ يستاء من إساءة صانعي السياسة الأمريكيين توظيف دروسه عن القوة، ودخل النقاش العام بحيوية جديدة. وفي تجمع حاشد بماديسون سكوير غاردن في نيويورك في يونيو 1965 حذر من أن كسب حرب عصابات لا يتحقق إلا بالقتل العشوائي لشعب فيتنام الجنوبية، وهو ما يمزق النسيج الأخلاقي للولايات المتحدة. وفي وقت لاحق من الشهر نفسه ناقش مستشار الأمن القومي للرئيس ليندون جونسون -ماكجورج بندي- في برنامج تلفزيوني. واستهل مورغنثاو حديثه بسخطه الأخلاقي قائلًا: «أعارض سياستنا الحالية في فيتنام لأسباب أخلاقية وعسكرية وسياسية وفكرية عامة».

ورأى مورغنثاو أن الخطر الأكبر في الحرب هو «الخطر الذي يتهددنا نحن، ورسالتنا في العالم، ووجودنا أمةً متميزة». وقال بأسى: «ها هو آخر أمل وأفضله للمقهورين والمستعبدين، ذلك الذي تطلع إليه أصحاب النوايا الحسنة في العالم كله بوصفه مثالًا ساطعًا، وقد أخذ يفرغ إحباطه في غضب أيديولوجي أعمى وتدمير عبثي ينصبان على شعب أعزل». وفي روايته أفسدت فيتنام الغاية نفسها التي منحت القوة الأمريكية معناها.

إرث مبدَّد

أكدت حرب فيتنام اعتقاد مورغنثاو أن القوة المنفصلة عن الأسئلة الأخلاقية تقود إلى التوسع المفرط. وأثبتت أن للولايات المتحدة مصلحة في تقييد نفسها، ولو لتجنب الكارثة. والأهم أن فيتنام أظهرت كيف يمكن للمغامرات الخارجية أن ترتد على البلاد، فتضعف ديمقراطيتها وتماسك مجتمعها، وتقوض في نهاية المطاف مكانتها الدولية.

وقد أبرز سجل السياسة الخارجية لإدارة ترامب الثانية هذه الرؤى بوضوح؛ فمسؤولوها يرون الأسئلة الأخلاقية تفصيلًا مكلفًا، شأن المثاليين ضبابيي الرؤية الذين لا يفهمون طريقة عمل العالم. وقد لجأ البيت الأبيض مرارًا إلى القوة العسكرية، فاستهدف زوارق في الكاريبي، واختطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفرض حصارًا على كوبا، وشن حربًا على إيران. كما هدد بعمل عسكري ضد كندا والدنمارك، وهما من حلفاء الولايات المتحدة الراسخين منذ زمن طويل.

تتحول الديمقراطية الأمريكية سريعًا إلى حكاية تحذيرية بعدما كانت «منارة تجذب الغرباء»؛ فقد قوضت إدارة ترامب الثانية أسس القوة الأمريكية بهجماتها على القضاء والصحافة والجامعات، وجرفت في طريقها كل الضوابط المفروضة على سلطتها. ويتشابك هجومها على المؤسسات مع سياستها الخارجية العدوانية؛ فقد خاضت الحرب على إيران من دون طلب تفويض الكونغرس، وامتنعت حتى عن عرض حججها على الشعب الأمريكي قبل توجيه الضربات.

برر الرئيس دونالد ترامب عدوانه بالاستناد إلى «القوانين الحديدية التي ظلت تحدد موازين القوة العالمية». وما كان مورغنثاو ليعرف في ذلك صورة للواقعية؛ فقد قال: إن «التفوق في القوة لا يمنح صاحبه حقًا أخلاقيًا أو قانونيًا في أن يفعل بها كل ما تسمح له قدرته المادية». أما إدارة ترامب فتبدو كأنها ترى في الامتناع عن استخدام القوة المتاحة إهدارًا لها. وينطبق حكم مورغنثاو على كار على ترامب بالقدر نفسه؛ فهو «مكيافيلي بلا فضيلة سياسية» يمارس سياسة القوة من دون حسن تقدير، ويقود بلاده إلى الكارثة.

وكان مورغنثاو سيقول: إن إدارة ترامب تسيء فهم مفهوم القوة نفسه. فالقوة في نظره علاقة نفسية معقدة تتجاوز القدرة العسكرية. فالقوة الحقيقية في رأيه تكمن في القدرة على التأثير في بلد عبر كسب قبوله، ويقوض الإكراه إمكان بلوغ هذا التأثير.

ووفق هذا الفهم يكشف اللجوء إلى القوة عن عجز النفوذ السياسي وتراجعه بعد أن كان يفترض أن يبلغ ذروته. وتفضح نزعة الإدارة إلى المواجهة ضعفها؛ فأعمالها العدوانية حول العالم إقرار بعجزها عن توجيه الأحداث بوسائل أخرى.

وعلى الرغم من أن مورغنثاو نهل من دراسة فن الدولة عند بسمارك، فقد أعجب بأبراهام لينكولن أكثر من سواه، حتى إنه حاول كتابة كتاب عنه في أواخر حياته. ورأى في لينكولن قائدًا نادرًا لم تستحوذ عليه القوة قط؛ فقد امتلك زمامها، ثم أخضعها في نهاية المطاف لقيم عليا. واليوم، كما في ذروة حرب فيتنام، كان مورغنثاو سيعدّ مهمته إعادة الأخلاق والقيم إلى مكانهما المستحق، والتنبيه إلى ضرورة توجيه القوة بما يدفع العالم نحو العدالة.

فقدت الولايات المتحدة غايتها، وما لم تعاود اكتشافها، ستفقد النجاحات المنفردة في السياسة الخارجية معناها. وكما كتب مورغنثاو؛ إذا فقدت البلاد روحها فلن تكون أي انتصارات سوى «حواشٍ على تاريخ انحسار وسقوط أمة عظيمة كانت ذات يوم». 

ديفيد ساكس زميل أول لدراسات آسيا في مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب «الواقعي: هانس مورغنثاو وغاية القوة الأمريكية» المرتقب صدوره.