المربيّة الجاسوسة وصناعة النفوذ

08 نوفمبر 2026
08 نوفمبر 2026

عادةً ما يشاهد الناس في نشرات الأخبار المشهد الأخير فقط لأيِّ حدث، فيما تكون الطبخة الحقيقية قد أعدّت في مطبخ خلفي غالبًا يكون سريًّا، وبنار هادئة جدًا، قد تستمر لسنوات، وقد لا يعلم بها حتى أهل البيت أنفسهم.

فالدول الكبرى حين تريد أن تسيطر على بلد لا ترسل جيشًا في البداية، بل تتدخل بنعومة، وتشكّل سياساته من الداخل خطوة خطوة. تارة تزرع عميلًا معروفًا يجهر بولائه لها، وتارة أخرى تزرع عميلًا سريًّا لا يعرفه أحد، يلبس ثوب الناصح أو المربية أو الخبير الاقتصادي أو المستشار، الذي يأتي ببدلة أنيقة ليقنع الحكومة أن تبيع موانئها وشركاتها السيادية بحجة الإصلاح، ومهمتُه الحقيقية في كلّ الأحوال واحدة: أن يغيّر عقل المسؤول قبل أن يغيّر حدود بلاده. وهناك كتاب هام يتناول هذا الأمر هو كتاب «اعترافات قاتل اقتصادي» وهو عبارة عن مذكرات سياسيّة واقتصاديّة للكاتب والاستشاري الأمريكي جون بيركنز، صدر في الولايات المتحدة عام 2004، تناول فيه بالتفصيل الدور الذي اضطلع به شخصيًّا بتكليف رسمي، لتدمير الكثير من الدول.

خطرت هذه الفكرة على بالي، وأنا أقرأ كتاب «صراع الحب والسلطة.. السلطانة جومبيه فاطمة»، للدكتور حامد كرهيلا، الصادر عن النادي الثقافي عام 2012، إذ استوقفني الفصل الثاني منه، تحت عنوان «الاهتمام الفرنسي بتربية جومبيه فاطمة وتتويجها وتداعيات ذلك»، لأنّ المؤلف يكشف آلية من أهم آليات العمل السياسي والاستعماري، وهي صناعة النفوذ. فبين صفحات الكتاب نجد صراعًا من نوع آخر، هو صراعٌ على التأثير في الحاكم قبل التأثير في الدولة، وعلى تشكيل القرار قبل صدوره، وهو ما برعت فيه الدول الاستعمارية عبر التاريخ كله.

يسرد الكتاب حكاية السلطانة جومبيه فاطمة حاكمة جزيرة موهيلي، التي تحوّلت إلى محور تنافس بين النفوذ العُماني والمشروع الفرنسي في المحيط الهندي، ولم يكن التنافس من خلال القوة العسكرية وحدها، بل من خلال الوسائل التي حاول كلُّ طرف عبرها الاقتراب من السلطانة والتأثير في توجهاتها وخياراتها، وهنا تكمن أهمية الكتاب.

يروي د. كرهيلا أنّ فرنسا كانت تواجه مشكلة في عام 1847، وهي أنّ نفوذ السيد سعيد بن سلطان قويّ ومتنام في جزيرة موهيلي؛ فقررت حيلة أذكى من فتح قنصلية، وهي إيجاد ممثلية دائمة لها داخل بيت الحكم نفسه، عبر وضع السلطانة الصغيرة جومبيه فاطمة وأختها سلمى تحت حضانة مربية فرنسية تؤدي دور المخبر. واختارت لهذه المهمة امرأة تدعى مدام دروا Madame Droit. وصلت إلى موهيلي في أواخر 1847 برفقة القبطان جيان، وباشرت مهمتها تحديدًا في 25 ديسمبر من ذلك العام، وهو تاريخ لم يكن صدفة كما يعلق المؤلف، بل ترتيب محكم. كانت مهمتها السرية حسب «مدونة عمل المربية» التي تحمل توقيع القبطان جيان: «يجب علينا أن نحملهما على التشكيك في كلِّ ما هو عربي، ونجعلهما تشعران بالاشمئزاز من تعدد الزوجات والتسري اللذين يسمح بهما القرآن...»، كانت مهمتها سلخ السلطانة عن عروبتها ودينها حتى تسقط الجزيرة بدون طلقة. لقد نجحت المربية في التأثير على السلطانة وأختها، رغم اعتراض أهل موهيلي على وجودها، إلا أنها ما لبثت أن مرضت وتوفيت في جزيرة مايوت، وقيل إنها توفيت بسبب تناولها السم من قبل طباخ القصر.

وقد تبدو هذه الحادثة بسيطة لأول وهلة، لكن الكتاب يدفع القارئ إلى النظر إليها باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع؛ فالقوى الكبرى تدرك أنّ من يشارك في تشكيل وعي الحاكم الصغير يشارك بطريقة غير مباشرة في صناعة قراراته المستقبلية؛ ولهذا فإنّ النفوذ يبدأ أحيانًا من غرفة الدراسة قبل أن يصل إلى قاعة الحكم. وتكشف هذه الواقعة عن حقيقة سياسية تتكرر في تجارب كثيرة عبر التاريخ؛ فالدول الطامحة إلى توسيع نفوذها لا تعتمد دائمًا على القوة العسكرية، لكنها تلجأ إلى صناعة شبكات التأثير، مثل المربي والمستشار والمعلم والمبعوث الثقافي وغيرهم - مثلما سبق وأن ذكرت - وهؤلاء قد يكونون أكثر فاعلية من الجندي في بعض المراحل، لأنهم في الأساس يبعدون الحلَّ العسكري في البداية، ولكنهم يمهدون له في وقت الحاجة. والسبب بسيط جدًا هو أنّ الجندي يفرض إرادته من الخارج، أما المربّي فيؤثر في طريقة التفكير ذاتها، وعندما ينجح هذا التأثير يصبح القرار المحلي متوافقًا مع المصالح الخارجية من دون حاجة دائمة إلى استخدام القوة.

من يقرأ هذا الكتاب يكتشف دهاء السيد سعيد بن سلطان، سلطان عُمان وزنجبار، فقد أدرك أنّ الصراع الدائر حول جزيرة موهيلي هو صراع على مركز القرار فيها، لذا سعى إلى تثبيت الارتباط السياسي والحضاري بين موهيلي والدولة البوسعيدية من خلال تزويج السلطانة جومبيه فاطمة من سعيد بن محمد بن ناصر البوسعيدي، وكوّن السيد سعيد ما يشبه «لوبي عُماني» في تلك الجزيرة، واكتسب الزواج معنى تجاوز إطاره الشخصي، لأنه كان أداة سياسية بقدر ما كان رابطة اجتماعية. وكأنّ السيد سعيد يقول بلسان الحال: إذا كانت فرنسا تحاول أن ترسخ حضورها عبر التربية والتوجيه الثقافي، فإنّ الدولة البوسعيدية تعزّز نفوذها عبر المصاهرة والروابط الأسرية. وفي الحالتين نجد أنّ المعركة الحقيقية لم تكن على الأرض مباشرة، بل على دوائر التأثير المحيطة بالحاكم.

وهكذا فإنه يمكن قراءة قصة جومبيه فاطمة باعتبارها أكثر من مجرد سيرة سلطانة شابة أو فصلًا من تاريخ جزر القمر، إنما على أنها دراسة عملية في كيفية تنافس القوى المختلفة على صناعة القرار من خلال الاقتراب من صانعه؛ فالمربية الفرنسية لم تكن مجرد شخصية ثانوية في الأحداث، كما أنّ الزواج من سعيد البوسعيدي لم يكن مجرد تفصيل اجتماعي، كلاهما كان جزءًا من صراع أوسع على توجيه مستقبل الجزيرة وترجيح كفة نفوذ على أخرى.

إنّ قصة موهيلي في القرن التاسع عشر تبدو أحيانًا أقرب إلى درس دائم في فهم السياسة منها إلى مجرد حادثة من الماضي، ولا يظن ظان أنّ هذا الأسلوب انتهى. فبعد مدام دروا في موهيلي، جاءت جيرترود بيل Gertrude Bell إلى بغداد بصفة «عالمة آثار وكاتبة»، بينما كانت ضابطة استخبارات كبرى رسمت حدود العراق واختارت ملكه لأنه سيكون مواليًا لبريطانيا. نفس الفكرة، لكن على مستوى دولة كبيرة. وكم من الخفايا والخبايا في عالم السياسة لم يُكشف عنها النقاب بعد.!! 

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.