جامعة السلطان قابوس.. حين أعدت النهضة عقولها
في التاسع من نوفمبر 1986 كانت عُمان قد قطعت ستة عشر عاما من نهضتها الحديثة. شُقّت الطرق وانتشرت المدارس وقامت الوزارات والمستشفيات، فيما كانت هذه المؤسسات تستعين بجانب معتبر من الكفاءات القادمة من دول شقيقة وصديقة، وكان كثير من العمانيين يتلقون تعليمهم الجامعي في الخارج. وكان افتتاح جامعة السلطان قابوس، وفاء بوعد أعلنه السلطان قابوس بن سعيد-طيّب الله ثراه- في العيد الوطني العاشر، وإيذانا بأن النهضة بدأت تُعدّ داخل البلاد جيلا يحملها.
هنا يكمن الدور الذي يمكن أن يوصف بالحضاري دون مبالغة. الأمة التي تستورد الخبرة تستطيع أن تبني، أما تجديد ما بنته فيحتاج إلى معرفة تنتجها بنفسها. وعلى مدى أربعة عقود أسهمت الجامعة في توسيع قاعدة النهضة، فانتقلت من مشروع تقوده الدولة إلى قدرة يشارك المجتمع في حملها، وخرّجت أكثر من أربعة وسبعين ألف خريج وخريجة حملوا هذه القدرة إلى كل موقع.
كانت اللحظة الأولى لحظة الدولة، ومنذ مطلع التسعينيات دخل خريجو الجامعة المستشفيات والمدارس والوزارات وحقول النفط ومواقع المشروعات، فأخذت المؤسسات الوطنية وجها عُمانيا متزايدا، ومعهم دخلت إلى الإدارة العامة لغة التخطيط والتخصص والقياس، وانتقلت عُمان تدريجيا من مرحلة إنشاء المؤسسات إلى مرحلة إدارتها بأبنائها.
وجاءت اللحظة الثانية في المجتمع، وفيها كان الأثر الأعمق. فتحت الجامعة التعليم العالي أمام أبناء المحافظات كلها، من الولايات والقرى البعيدة كما من المدن، وأمام أجيال من العمانيات اللواتي أصبحن يشكّلن نحو نصف طلبتها. وصار التفوق العلمي طريقا معترفا به إلى المكانة الاجتماعية، يتقدم فيه الجهد على كل شيء عداه. واجتمع في الحرم الجامعي جيل من أنحاء البلاد كلها، فتعارف قبل أن يتوزع على مواقعه، وحمل إلى بيته فكرة عن عُمان أوسع من حدود الولاية أو القرية. وأسهم هذا الجيل في توسيع طبقة وسطى متعلمة، وتغيّرت نظرة الأسرة العُمانية إلى تعليم المرأة وعملها، وإلى حدود ما يستطيع أبناؤها وبناتها بلوغه.
وللجامعة لحظة ثالثة أبطأ ظهورا هي لحظة المعرفة. في قاعاتها ومراكزها صار تاريخ عُمان وتراثها وبيئتها ولغاتها موضوعا يدرسه أبناؤها بأدوات العلم الحديث، ومن أروقتها خرج باحثون وكتّاب ونقاد أسهموا في الحياة الثقافية. والمجتمع الذي يكتب عن نفسه من الداخل يعرف نفسه أفضل، ويحاور تراثه بثقة وينفتح على العالم من موقع يعرف ذاته.
ومن الجامعة خرج أيضا جزء مهم من اللغة التي تحدث بها المجتمع عن نفسه. كتب أساتذتها وخريجوها في الصحافة وأسهموا في صياغة السياسات وأداروا مؤسسات الثقافة والتعليم، ونقلوا المعرفة من قاعات الدرس إلى النقاش العام. وهنا اتسع أثر الجامعة من إعداد المتخصص إلى تكوين المجال العام، وساعدت على جعل الرأي أقرب إلى الحجة والقرار أقرب إلى الدليل. وهذا أثر أقل ظهورا من طريق أو مستشفى، لكنه من البنى التي تحتاج إليها الدولة الحديثة كي تراجع اختياراتها وتصحح مسارها.
وتقف الجامعة اليوم أمام لحظة لا تقل أهمية عن لحظة تأسيسها. عُمان في نهضتها المتجددة تبحث، عبر «رؤية 2040»، عن اقتصاد متنوع تقوده المعرفة، والطريق المضمون من القاعة إلى الوظيفة الحكومية ضاق، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف المهن. احتاجت البلاد عام 1986 إلى كوادر تدير مؤسساتها، وتحتاج اليوم إلى أبحاث تصل إلى القرار والسوق، وإلى خريجين يصنعون العمل بأنفسهم. وهذا يتطلب جامعة أكثر جرأة في البحث، وأوثق صلة بالاقتصاد، وحريصة على أن يبقى بابها مفتوحا لابن القرية البعيدة كما كان قبل أربعين عاما.
قيمة الجامعة فيما تكتشفه وفيما تغيّره خارج أسوارها. وبهذا المقياس أسهمت جامعة السلطان قابوس في صنع عُمان الحديثة. في عقودها الأربعة الأولى أعدّت الجامعة من يحملون النهضة، وفي عقدها الخامس يبدأ الامتحان الأصعب، أن تنتج المعرفة التي تساعد عُمان على تجديد نفسها.
