No Image
رأي عُمان

شركاء بلا خصومات

02 نوفمبر 2026
02 نوفمبر 2026

في 21 أكتوبر وقّعت سلطنة عُمان في لندن خطابَي نوايا، أحدهما للتعاون في الفضاء، والآخر لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، وبعد اثني عشر يوما، في بكين، وقّعت مذكّرات تفاهم مع الصين شملت الفضاء والذكاء الاصطناعي أيضا.

وقد يكون هذا الأمر أبلغ ما في الزيارتين دلالة على توجهات سلطنة عمان، فمسقط التي اعتادت الحديث إلى أطراف انقطع الحوار بينها، تعقد اليوم شراكات في الميادين نفسها مع قوى يشتد التنافس بينها.

ويمتدّ هذا النهج إلى شؤون تمسّ حياة الناس، من التقنية التي يستعين بها المعلّم في صفه إلى العملة التي يسدّد بها التاجر ثمن بضاعته.

حين وصل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم -حفظه الله ورعاه- إلى بكين، في أول زيارة لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل 48 عاما، كانت الصين قد أصبحت الشريك التجاري الأول لعُمان.

وبلغت تجارة البلدين العام الماضي نحو 9.6 مليار ريال، أي ما يقارب ربع تجارة عُمان.

بهذا الحجم من المصالح، يهمّ الشركات في البلدين أن تتّسع أمامها سبل السداد، وتتيح الاتفاقية الموقّعة في بكين للبنكين المركزيين مبادلة الريال باليوان عند الحاجة، بما يمهّد لتسوية جانب من المعاملات بالعملتين المحليتين، في ظلّ استمرار ارتباط سعر صرف الريال بالدولار.

ومن بين ما وُقّع في بكين بروتوكول يحدّد شروط الفحص والحجر الصحي لتصدير التمور العُمانية المجفّفة إلى الصين. ولهذا الاتفاق وزن خاص في تجارة يغلب عليها النفط، إذ يفتح أمام مزارعي النخيل وشركات التعبئة في عُمان فرصة لدخول سوق يعرفها مصدّرو الخام العُماني منذ عقود.

والخطوة التالية بيد المصدّرين، فهم من سيبحث عن مشترين ويبرم عقود التوريد. أمّا المزارع فيعنيه أن يعرف، قبل الموسم المقبل، أن لمحصوله مشتريا آخر وأن أمامه فرصة للتفاوض على سعر أفضل.

وللصين، بعد ما شهدته المنطقة هذا العام، مصلحة كبيرة في سلامة طرق الملاحة التي تحمل لها نفط الخليج، لذلك يحسن التوقف عند تطلع مسقط، في البيان المشترك، إلى دور صيني أكبر في أمن الشرق الأوسط.

اتفق البلدان على مواصلة التشاور بشأن هرمز، ودعوا واشنطن وطهران إلى العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد واستئناف التفاوض.

وفي يوم صدور البيان أعلنت الخارجية الصينية أن مبعوثها إلى الشرق الأوسط سيزور إيران وعُمان والسعودية خلال النصف الأول من نوفمبر.

ولعلّ أجدى ما تستطيع بكين تقديمه للمنطقة أن تستخدم ما لها من علاقات ومصالح لمساعدة الطرفين على العودة إلى طاولة التفاوض، وأن يكون لأهل الخليج رأي في ترتيبات الملاحة في هرمز التي ستبقى معهم بعد انقضاء الحرب.

وفي الدقم تجربة تستحق أن تُستعاد عند النظر في ما وُقّع في بكين، ففي عام 2016 وُقّع اتفاق إنشاء المدينة الصناعية الصينية العُمانية، وبعد خمس سنوات افتُتح أول مصانعها، وبدأت فيه صناعة الأنابيب المستخدمة في قطاع النفط والغاز.

ولمن يريد أن يقدّر ما كسبته عُمان من هذه الشراكة، فإن نصيب الشركات المحلية من عقود التوريد، والخبرة التي اكتسبها العُمانيون في المصنع، يستحقان من الاهتمام ما يستحقه الوقت الذي استغرقه إنشاؤه. وفي التعاون الجديد أسئلة من هذا القبيل يمكن طرحها منذ البداية.

حين استقبل الملك تشارلز الثالث جلالة السلطان في وندسور، كانت الصين شريك عُمان التجاري الأول. وحين استقبله الرئيس شي جين بينغ في بكين، كانت المصالح التي جمعت مسقط ولندن قبل أيام تحتفظ بأهميتها كاملة.

وقد اعتاد العُمانيون أن يروا في ذلك أمرا طبيعيا، حتى حين يشتدّ التنافس بين القوى الكبرى، فمن حقّ عُمان أن تختار شركاءها، ومن حقها كذلك أن تترك لهم خصوماتهم.

وعلى ضفّة هرمز؛ حيث دفع الناس هذا العام من أمنهم وأرزاقهم ثمن حرب لم يختاروها، يعرف العُمانيون قيمة هذا الحقّ.