جوائز الإجادة الإعلامية.. قراءة من مقعد التحكيم

27 أكتوبر 2026
27 أكتوبر 2026

على مدى أكثر من عقدين من وجودي في سلطنة عُمان أستاذًا للصحافة بجامعة السلطان قابوس، كان لي شرف المشاركة في تحكيم مسابقات إعلامية نظمتها وزارة الإعلام وجمعية الصحفيين العُمانية ومركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، بالإضافة إلى مؤسسات عديدة للتعليم العالي.

وأتاحت لي هذه المشاركات متابعة تطور الفنون الإعلامية عبر الأجيال، خاصة الصحافة، والتعرف إلى التحولات في أساليب المعالجة والكتابة. فالتحكيم يمنح فرصة للقراءة المتأنية والمقارنة، ورؤية ما يتراكم من خبرات ومهارات قد تحجب سرعة النشر اليومية بعض ملامحه.

وقد تجددت هذه الفرصة مع مسابقة الإجادة الإعلامية لعام 2026، التي احتفلت وزارة الإعلام مساء أمس الأول بتكريم الفائزين فيها، في مجالات الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإعلام الإلكتروني، برعاية معالي الدكتورة مديحة بنت أحمد الشيباني وزيرة التعليم، وبحضور معالي الدكتور عبد الله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام.

وأتاح الاحتفال تأمل ما تكشفه النتائج عن تطور الممارسة المهنية، ومواقع القوة في منظومة الإعلام الوطني، والفرص المتاحة لمواصلة الارتقاء بها.

في هذه الدورة، التي شاركت في لجنة تحكيم مجال الصحافة فيها، كان مستوى الأعمال المقدمة متميزًا بحق، خاصة في فئات المقال والحوار والصورة الصحفية. وقد لمست بنفسي تحسنًا واضحًا في اختيار أفكار الموضوعات وأساليب معالجتها وكتابتها.

وأعترف بأن أعمالًا كثيرة كانت تستحق جائزة لو أن المسابقة أتاحت تكريم أصحاب المراكز الثلاثة الأولى في كل فرع، غير أن نظامها منح جائزة واحدة لكل فئة. وقد جعل تقارب المستويات المنافسة قوية، والمفاضلة بين الأعمال مهمة صعبة.

وأستطيع أن أقول بدرجة كبيرة من الثقة إن دائرة الإجادة التي كشفت عنها مسابقة هذا العام كانت أوسع من قائمة الفائزين.

يؤكد ذلك أن عددًا كبيرًا من الأعمال الصحفية المتنافسة كان متقاربًا في الجودة، وهو ما يعني أن لدينا قاعدة واسعة من الكفاءات الإعلامية تستحق التقدير، وأن القيمة المهنية للعمل الإعلامي تبقى قائمة حتى حين تتقدم عليه أعمال أخرى في الدرجة. ومن الضروري أن تصل هذه الرسالة إلى كل من شارك في المسابقة؛ لأن التنافس يحقق غايته عندما يشجع على الاستمرار، ويدفع المؤسسات التي يعملون بها إلى اكتشاف مواهب منتسبيها وتطويرها.

وتزداد أهمية هذا التقدير المهني لكل من شارك في المسابقة، ففي ظل الاعتماد الواسع على مؤشرات الانتشار الرقمي، مثل أعداد المشاهدات والمتابعين. جائزة هذا العام أتاحت الاحتكام في التقييم إلى معايير أكثر عمقًا ورسوخا ودلالة، مثل أصالة الفكرة، ودقة المعلومات، وتعدد المصادر، وأسلوب الكتابة، واحترام أخلاقيات المهنة وحماية مصلحة المجتمع.

وهذه معايير مهمة من شأنها أن تساعد الجمهور على تمييز المحتوى الذي يستحق الثقة، وتمنح الإعلاميين حافزًا للاستثمار في جودة أعمالهم، بما يتطلبه ذلك من وقت وجهد كبيرين.

وتكشف خريطة الفائزين في مسابقة هذا العام دلالات كثيرة تتصل ببنية الإعلام الوطني؛ لعل أهمها، في تقديري، أن جريدة عُمان حصدت جوائز فروع الصحافة الأربعة: الحوار والمقال والتحقيق والصورة، وأن الإذاعة الحكومية والتلفزيون الرسمي استأثرا بالجوائز الرئيسة في مجاليهما.

وتؤكد هذه النتيجة مركزية الدور الذي يقوم به الإعلام الحكومي في المنظومة الإعلامية الوطنية، وأهمية ما يقدمه لجمهوره من خدمة عامة، وقدرته المتنامية على تقديم أعمال تتصدر المنافسة المهنية، وهو ما يبرز قيمة الخبرة المؤسسية المتراكمة، ويضع على عاتق هذه المؤسسات مسؤولية كبيرة لمواصلة التجديد والابتكار، وفتح المجال أمام المواهب الإعلامية وأصحاب الأفكار الجديدة والخلاقة، واستثمار التميز في تطوير الأداء الإعلامي اليومي.

وتحمل موضوعات الأعمال الصحفية المتوجة بالجائزة دلالة أخرى تتمثل في تركيزها على قضايا الشأن العام، مثل الشباب وسوق العمل، والثقافة العربية، والتراث المحلي، وتصدرها قائمة أولويات الصحفيين الفائزين بالجوائز.

ويكشف هذا الحضور تنوع مجالات الاهتمام التي تبرز فيها الإجادة، ويؤكد قيمة اقتراب الإعلامي من قضايا المجتمع، والبحث عن الزوايا التي تستحق الكشف والتحليل والتفسير.

فالموضوع الجيد قد يكون حاضرًا في تفاصيل مألوفة، وتظهر مهارة الصحفي في اكتشاف أهميته وربطه بسياقه، وإضافة معارف وتفسيرات تساعد القارئ على فهم الأحداث والقضايا المعقدة وتكوين رأي بشأنها.

وتكتمل الصورة بالأعمال الإذاعية والتلفزيونية والرقمية الفائزة، التي تستحق القدر نفسه من الاهتمام والتقدير.

فقد اجتمعت في خريطة التتويج الدراما والثقافة والأسرة والطفل والرياضة والتوثيق، إلى جانب البودكاست والحملات الرقمية وصناعة المحتوى. وتعكس الأعمال الفائزة في هذه المجالات اتساع رسالة الإعلام العُماني وتنوعها وتعدد احتياجات الجمهور.

ويستحق حضور البيئة العُمانية وتراثها وتجارب أبنائها في الأعمال الفائزة الإشادة. فهذه البيئة الثرية تقدم رصيدًا واسعًا من القصص والشخصيات والمعارف، وتفتح للمبدعين فرصًا لاكتشاف التحولات التي يعيشها المجتمع العُماني.

وتزداد قيمة المحتوى المحلي بقدرته على وصل الذاكرة الوطنية بالحاضر، وتقديم معالجات تساعد الناس على معرفة مجتمعهم وفهم تغيراته.

ومن شأن الاستثمار في هذا المسار أن يعزز خصوصية الإعلام العُماني، ويمنحه مادة أصيلة يمكن تقديمها بأساليب فنية معاصرة تخاطب جمهوره، وتصل إلى جماهير أوسع خارج الحدود الوطنية.

ولعل أكثر ما أسعدني فوز عملين لطلبة قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس بجائزتين؛ أولهما برنامج إذاعي يعده ويقدمه الطلاب عبر إحدى الإذاعات الوطنية الخاصة، وثانيهما حملة إعلامية رقمية أنجزها طلاب القسم.

وقد حصل البرنامج على جائزة اللجنة الرئيسة التشجيعية، وفازت الحملة في فرع المحتوى الإلكتروني لطلبة الإعلام. ويبعث هذا الإنجاز على الاطمئنان إلى مستقبل الإعلام العُماني في ظل استمرار نهج الإبداع والتميز والإجادة، ويؤكد أن المواهب الجديدة تجد طريقها إلى النجاح، وتقدم أعمالًا جديرة بالتقدير وهي ما تزال على مقاعد الدراسة.

ولعل هذا ما يدعوني إلى التأكيد على أهمية التكامل بين النظرية والتطبيق وبين التعليم الإعلامي والممارسة.

فأقسام وكليات الإعلام تتيح التعلم واكتشاف المواهب، والمؤسسة الإعلامية تمنح فرص الإنتاج والوصول إلى الجمهور، وتأتي المسابقة لتضيف الاعتراف بالجهد المتميز.

وتستحق الشراكة القائمة بين مؤسسات التعليم العالي وبين المؤسسات الإعلامية مزيدا من التوسع؛ لأنها تقرب الطلاب من المهنة، وتمنح المؤسسات فرصة الوصول إلى مواهب جديدة.

وتحمل رعاية وزيرة التعليم لحفل مسابقة الإجادة الإعلامية دلالة مهمة في هذا السياق، كونها تفتح باب التفكير في تعاون أعمق بين المؤسسات التعليمية والإعلامية، يستثمر الخبرات المتاحة ويمنح التجربة العملية مكانتها في إعداد إعلاميي المستقبل.

هذه الدلالات وغيرها تقودنا إلى سؤال ما بعد الجائزة: كيف تتحول الأعمال المتميزة إلى رصيد ثري ومتاح لقطاع أوسع من الإعلاميين؟ في تقديري، يمكن إتاحة الأعمال الفائزة عبر منصة رقمية مثل «عين»، إلى جانب تنظيم لقاءات يشرح فيها أصحابها كيفية تطوير الأفكار وإنجاز المعالجات الإعلامية وتجاوز الصعوبات. وتستطيع أقسام الإعلام إدخال هذه الأعمال إلى قاعات التدريس، وتحليل عناصر قوتها، واستضافة منتجيها.

وبذلك يمكن أن نحول التتويج بالجائزة إلى فرص عديدة للتعلم وتبادل الخبرات.

لقد منحتني مشاركتي في تحكيم هذه الدورة من جائزة الإجادة الإعلامية سببًا إضافيًا لتعزيز ثقتي بمستقبل الإعلام العُماني، وبما يمتلكه من قدرات إدارية وبشرية وتقنية، وما ينتظره من فرص للنمو والتطور والحفاظ على السيادة الإعلامية للدولة.

ويستحق الفائزون بجوائز المسابقة التهنئة، وجميع المشاركين فيها التقدير، ووزارة الإعلام واللجنة الرئيسة واللجان الفرعية الشكر على رعاية هذا التنافس. ويبقى الرهان على استثمار ما كشفته المسابقة من طاقات، وربط الخبرة المتراكمة بطموح الأجيال الجديدة؛ فالأثر الممتد للجائزة نراه في العمل التالي الذي ينجزه الإعلامي، والخبرة التي ينقلها إلى زملائه، والمحتوى الجيد الذي يصل إلى الجمهور كل يوم.