محاضرة وزير الخارجية.. قراءة في المشهد الإقليمي

27 أكتوبر 2026
27 أكتوبر 2026

ألقى معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية محاضرة مهمة مؤخرًا في كلية جيرتون في جامعة كامبريدج حول العلاقات العمانية البريطانية وحول مستجدات المشهد الإقليمي بصورة لافتة وعميقة.

وفي تصوري أن محاور المحاضرة والتحليل العميق والموضوعي للمشهد الإقليمي يجسد رؤية سلطنة عمان حول الأمن الإقليمي الذي انطلق منذ عام ١٩٧٦، ونتج عنه بيان مسقط، وكان ذلك المؤتمر ـ كما أشار معاليه، وأكدنا عليه في عدد من المقالات في هذه الصفحة ـ فرصة ثمينة لإطلاق الأمن الإقليمي للدول الثماني التي تطل على الخليج العربي، وهي دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران.

ولو تم تطبيق الأسس التي ناقشها المؤتمر من خلال توصيات بيان مسقط لتجنبت المنطقة كل الحروب والصراعات التي تلت ذلك الاجتماع التاريخي بعد أربع سنوات فقط، حيث اندلاع الحرب الكارثية بين العراق وإيران لمدة ثماني سنوات، وبعدها حروب الخليج المتعددة، إلى حرب اليمن، وما بين ذلك من ثورات شعبية وبين خصومات ومشكلات بين دول الإقليم.

لقد ركزت محاضرة معالي السيد وزير الخارجية على عدد من المحاور الأساسية، وهي ضرورة إيجاد إطار أمني يشمل الدول الثماني في إطار جماعي، وأن الاعتماد الكلي على الجهات الخارجية لم يعد مجديًا، علاوة على ذلك فإن سمات الشك بين دول الإقليم حول التهديد الإيراني لدول المنطقة ليس تصورا موضوعيا في ظل التاريخ المشترك والتعايش بين الشعوب على ضفتي الخليج العربي.

إذن الأمن الإقليمي يقع على عاتق ومسؤولية دول الإقليم بعد كل تلك التجارب والحروب والخذلان الذي ظهر خلال الحرب الأمريكية الإيرانية؛ حيث تعرض عدد من دول المنطقة إلى أضرار كبيرة وتهديد أمني دون أن يحرك الحليف الأمريكي ساكنا، بل وصرح الرئيس الأمريكي ترامب بأن الحماية الأمريكية تقتصر فقط على الكيان الإسرائيلي.

ولا يعني التخلي عن الشركاء فيما يخص الأمن الإقليمي أن تنتهي العلاقات، بل التركيز، كما أكد، أن يكون على الاقتصاد والاستثمار، وأن يسود الأمن والاستقرار في المنطقة بعيدا عن الالتزامات العسكرية والقوة الصلبة، والتي نتج عنها كوارث كبيرة للمنطقة ومقدراتها.

إن تغذية الشك بين إيران ودول المنطقة أوجد إحساسا بعدم اليقين وأن إيران هي تهديد حقيقي، وهي مقولة لا شك أن وراءها آليات محددة خارجية كرست مفهوم الشك، ونتج عنه كل تلك المحاذير وعدم الثقة؛ وهنا يدعو وزير الخارجية إلى تقييم حقيقي للوضع الإقليمي في المنطقة بدلا من تعميق ذلك الشك الذي أوجد مناخًا معقدًا من عدم الاستقرار نراه الآن مجسدًا في المواجهة والتصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحريض متواصل من حكومة نتنياهو المتطرفة.

ولأهمية الأمن الإقليمي للدول الثماني، عرج الوزير في محاضرته القيمة على تاريخ المنطقة منذ اتفاقية سايكس بيكو مرورا بالترتيبات الأمنية الأمريكية في المنطقة، حيث وجود القواعد العسكرية الأمريكية والجنود على الأرض، مما مهد لعسكرة المنطقة ودخولها في مرحلة الشك والحذر من الآخر، وهي هنا إيران، خاصة بعد الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩.

وفي تصوري إن القيادة الإيرانية خاصة في أعقاب الثورة الإسلامية كانت لها أخطاء واضحة في ظل الحماس الثوري بعد إسقاط نظام الشاه، خاصة مفهوم تصدير الثورة، ومع ذلك تم تدارك الوضع بعد وفاة الإمام الخميني.. وفي تصوري أن الحوار الإيراني الخليجي كان ممكنًا، ولكن عند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية تعقدت الأمور في ظل انقسام عربي وظهور تحالفات وارتباك سياسي عميق.

من النقاط المهمة في المحاضرة مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتي قادت وساطتها الدبلوماسية العمانية بكل اقتدار من خلال عدد من الجولات في مسقط وروما وجنيف. وكانت تلك المفاوضات على وشك النجاح وإعلان الاتفاق الأمريكي الإيراني، وكان ذلك كفيلا بإبعاد المنطقة ومقدراتها عن التصعيد والحرب.

ولكن الإدارة الأمريكية لم تلتزم بوعودها، وكانت الأمور تطبخ سرا من خلال التنسيق الأمريكي- الإسرائيلي؛ حيث اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير، وهي الآن على وشك الاشتعال، إذا لم تنجح جهود الوسطاء، قطر وسلطنة عمان وباكستان وروسيا الاتحادية ومصر وتركيا، خاصة وأن الانتخابات النصفية للكونجرس في الثالث من شهر نوفمبر سوف يكون لها تداعيات خطيرة، خاصة إذا احتفظ الحزب الجمهوري بالأغلبية مجددا في مجلسي النواب والشيوخ، عندها ستكون يد الرئيس الأمريكي ترامب متحررة من أي قيود برلمانية؛ لكن إذا نجح الحزب الديموقراطي في الفوز بأغلبية محدودة في المجلسين، سوف يجعل ذلك ترامب مقيدا، وهو الأمر الذي يتطلع له العالم في ظل إغلاق مضيق هرمز وحصار الموانئ الإيرانية واختناق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة، وخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة.

من القضايا المحورية التي ركزت عليها محاضرة وزير الخارجية إقرار ميثاق عدم الاعتداء بين الدول الثماني عند إقرار الإطار الأمني الإقليمي، وهذه مسألة في غاية الأهمية، لأنها سوف تؤدي إلى خلق الثقة والمصداقية والتفرغ للتنمية والتعاون الاقتصادي بين الدول الثمان التي تمتلك مقدرات وإمكانات كبيرة سوف تنعكس على اقتصاديات تلك الدول وشعوبها، وسوف يخلق مناخ السلام والتعاون الذي كان موجودا على مدى قرون بين شعوب المنطقة.

لقد عرج معاليه على حروب المنطقة منذ عام ١٩٨٠ وهي الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها من حروب وصراعات لا يزال بعضها حاضرا، كما هو الحال مع الحرب في اليمن، وأمام هذا السرد التاريخي لحروب المنطقة، فإن خيار الحوار والأمن الإقليمي الذاتي بين الدول الثماني هو الأفضل والوحيد الذي يخرج المنطقة من المأزق الذي تعيشه منذ نصف قرن.

إذن الأمن الإقليمي الذي يقوم على عاتق الدول الثماني هو الضمانة الصحيحة، ونأمل أن يكون اجتماع طهران بين باكستان والسعودية وتركيا وإيران هو بداية التفكير بالأمن الإقليمي بين دول المنطقة في ظل خطط خارجية، خاصة من قبل الكيان الإسرائيلي وآخرين لتمزيق المنطقة من خلال إدخالها في حروب طاحنة لا تنتهي، وخلق عداوات بين الحكومات والشعوب، عبر زرع الفتنة والإشاعات والأخبار المضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مما يخلق الكراهية بين الشعوب؛ وهذه مسألة في غاية الخطورة، حيث تتعمق فكرة المؤامرة بين الناس تجاه بعضهم البعض.

وقد بادرت بلادنا سلطنة عمان إلى وضع حد للمناكفات عبر شبكات التواصل الاجتماعي من خلال بيان النيابة العامة حول تجريم السب والشتم للرموز والدول الشقيقة والصديقة، وأيضا الشعوب، وهي خطوة إيجابية نتمنى من كل الدول العربية أن تحذو حذوها.

لقد شكلت المحاضرة القيمة التي ألقاها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية أمام جمع أكاديمي وبحثي وإعلامي مهم في جامعة كامبريدج آفاقا حيوية للتمعن في أحوال المنطقة، وأعطت المحاضرة تقييما وتحليلا تاريخيا وسياسيا حقيقيا للوضع في المنطقة وأبرزت الآليات الضرورية لإيجاد وتحقيق الأمن الإقليمي الذاتي بعيدا عن التدخلات الخارجية، مع سرد أوضاع المنطقة وما مر عليها من حروب، مما يتوجب تغيير المعادلة الأمنية في المنطقة وفق أسس سليمة وواقعية تصب في مصلحة الدول الثماني ومقدرات شعوبها، وأيضا استيعاب الدروس التي مرت على المنطقة خلال الحرب الأخيرة وتداعياتها الخطيرة على الأمن الجماعي لدول المنطقة، مما يعني أخذ العبر وإطلاق حوار بين دول المنطقة.. حوار جاد ينطلق من المصلحة الجماعية بهدف تحقيق السلام والاستقرار وتعزيز الثقة والمصداقية حتى يمكن ضمان الاستقرار والسلام لصالح الأجيال الحالية والقادمة.

كل التحية والتقدير لمعالي السيد وزير الخارجية على تلك المحاضرة القيمة التي اتسمت بالشفافية والمصداقية.