لم ينشأ الفن في الأصل من أجل السياسة، وإنما من أجل تعبير الإنسان عن نفسه وعن عالمه الذي يعيش فيه؛ وهكذا كان حال الفن منذ نشأته في العالم البدائي للإنسان.
ولكن هذا العالم الإنساني أصبح أكثر تعقيدًا بمرور الزمان، سواء من الناحية الاجتماعية أو السياسية؛ ومن ثم يمكن القول بأن صلة الفن بالسياسة قد نشأت مع بزوغ فكرة الدولة نفسها ونظامها السياسي في الحضارات القديمة.
ذلك أنه طيلة هذا الزمان وحتى الآن أصبح الفن يُستخدَم كأداة في خدمة السياسة، ولقد تجلى ذلك في صور عديدة، منها على سبيل المثال: تمجيد الدولة أو تبرير نظام الحكم أو تمجيد الحاكم نفسه، ونحن نجد هذا بوضوح في الفن المصري القديم وغيره، ولكننا نجد ذلك أيضًا فيما بعد حتى يومنا هذا.
ويمكننا أن نجد تأكيدًا على هذه الصلة في كتابات كبار الفلاسفة القدماء عن الفن والجمال: وها نحن نجد أن أفلاطون، على الرغم من تأملاته الميتافيزيقية المجردة في معنى الجمال في محاورة « فايدروس»، يرى في كتابه أو محاورته الرئيسة بعنوان «الجمهورية» أن الموسيقى ينبغي أن تكون في خدمة الدولة من خلال تعليم الشباب المقامات الموسيقية التي تستحث فيهم روح الشجاعة والحماس، واستبعاد المقامات التي تستحث فيهم روح الليونة والدِعة؛ وذلك كي لا تقع أثينا تحت رحمة أعدائها! (والعدو المقصود هنا هو أهل سبرطة الأشداء).
وحتى في العصر الحديث نجد أن فلاسفة من أمثال ماركس يبررون الاستخدام السياسي للفن، ولذلك نرى ماركس يربط الفن بالأيديولوجيا السياسية: إذ إن الفن الحقيقي عنده هو الفن الذي يعبر عن نضال ومصالح الطبقة العاملة في مقابل الفن البورجوازي الذي يعبر عن اهتمامات الطبقة البورجوازية ويُرضي ذوقها الجمالي.
والحقيقة أن كل اتجاه يوظف الفن لأغراض سياسية- كالأيديولوجيا أو الدعاية السياسية، إلخ- هو اتجاه يسيء فهم ماهية الفن التي تكمن في القيم الفنية والجمالية. وليس معنى ذلك أن الفن يكون منعزلَا عن السياسة، فالواقع أن السياسة- شأنها شأن عالَم الإنسان الاجتماعي والديني، إلخ- تظل دائمًا مجالًا خصبًا للفن، ولكن المهم هنا هو أن يعبر الفن عن السياسة بطريقة جمالية، أعني: من خلال آليات الفن في التعبير عن القيم الفنية والجمالية.
ولهذا، فإننا نقدِّر بعض مواقف فلاسفة مدرسة فرانكفورت، الذين رغم تأثرهم بماركس، فإنهم استطاعوا الجمع بين السياسي والجمالي في نظرياتهم عن دور الفن في نقد الواقع السياسي والاجتماعي.
والواقع أن الصلة بين الفن والسياسة هي إذن صلة تتجلى في كل أشكال الفن، فحتى الموسيقى الخالصة pure music (أو الموسيقى التي تستخدم الآلات الموسيقية وحدها) لم تكن تخلو من ارتباط ما بالسياسة: فها هو العظيم بيتهوفن في سيمفونيته الثالثة المعروفة باسم Eroica (أي البطولة) يعبر عن روح البطولة والثورة كما تجلت في نابليون؛ ولذلك فإنه كتب اسم نابليون على المخطوطة الموسيقية الأصلية باعتبار ذلك إهداءً له، ولكنه قد حذف اسم نابليون فيما بعد حينما وجد أن نابليون قد نصَّب نفسه إمبراطورًا؛ وبالتالي لم يعد معبرًا عن الروح التي كتب بها سيمفونيته: روح الثورة والحرية والتحرر من العبودية؛ ولذلك أهدى هذه السيمفونية إلى ذكرى هذه الروح.
ولكن من المهم الالتفات هنا إلى أن بيتهوفن قد عبر عن هذه الروح بلغة الموسيقى الجمالية التي تتخطى القواعد التقليدية في الموسيقى لتعبر عن هذه الروح من خلال التمرد على هذه القواعد والتعبير بلغة الموسيقى عن حالة الصراع والتنافر والتحولات في الحركات الموسيقية.
وهكذا يمكن القول إن بيتهوفن قد عبر عما هو سياسي بطريقة جمالية غير مباشرة؛ ولذلك فإن تعديل إهدائه للسيمفونية يعبر عن حقيقة الأمر هنا: فالفرد هنا (الذي هو نابليون) ليس سوى مناسبة لتأمل الروح التي كان يجسدها بلغة الموسيقى.
وعلى النحو نفسه، يمكن أن ننظر في سائر الفنون التي تتجلى فيها بوضوح تلك الصلة بين الفن والسياسة.
لنتأمل ذلك بالتطبيق على فن الأغنية في عالمنا العربي بوجه خاص، باعتباره الفن الشائع الأيسر فهمًا لدى القارئ، والذي يمكن من خلاله إيضاح رؤيتنا؛ ففي مجال الأغنية العربية يمكننا أن نميز بين التوظيف السياسي للأغنية، وبين الأغنية التي يكون فيها الفن معبرًا عن مواقف سياسية ووطنية من خلال لغة الفن وجمالياته.
وفي هذا الصدد يمكنني القول إن أسوأ أغاني عبد حافظ هي تلك التي تغنى فيها بطريقة مباشرة دعائية زاعقة بالزعيم جمال عبد الناصر وبثورة 1952، في حين أن من أعظم أغانيه تلك المعروفة باسم «موال النهار» التي تعبر عن روح الصمود والصحوة التي تلت روح الانكسار واليأس بعد هزيمة 1976 (وهي تعبر عن انبثاق الروح الثورية لدى الشعب، وتدعم في النهاية زعامة عبد الناصر من دون ذكر اسمه).
وعلى النحو ذاته يمكن أن ننظر إلى رائعة فيروز بعنوان «زهرة المدائن» التي تتغنى بحالة الأمل في استعادة القدس بعد احتلالها في عام 67.
خلاصة القول إن السياسة تمثل موضوعًا خصبًا لكل أشكال الفن، ولكن المهم هو أن يعبر الفن عما هو سياسي بطريقة جمالية، أي من خلال لغة الفن غير المباشرة وغير الخطابية أو الدعائية.