إعادة النظر في سبل العيش المستدامة

27 أكتوبر 2026
27 أكتوبر 2026

عندما يواجه تحول الطاقة ظروفا اقتصادية عصيبة في أي بلد، يُـصبِح التعامل مع التأثير غير المتكافئ المترتب على هذا التحول أشد صعوبة وأكثر إلحاحا. في إندونيسيا، التي وُصِف اقتصادها مؤخرا بأنه قنبلة موقوتة، ظل تعدين الفحم لفترة طويلة المحرك الرئيسي للناتج المحلي الإجمالي في بعض المقاطعات والأقاليم.

وتثير مـلاحقة هدف تحول الطاقة في مثل هذه الأماكن السؤال السياسي الشائك: كيف ندعم التنويع الاقتصادي وتعزيز النمو الاقتصادي في هذه المناطق في حين نعمل أيضا على مكافحة تغير المناخ؟.

الإجابة قد تبدو واضحة: الحد من التعرض للصدمات الاقتصادية الناجمة عن التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري يتطلب توسيع مصادر الدخل. لكن الكلام أسهل من الفعل. إذ يستلزم تحول الطاقة العادل تحولا أوسع يشمل خلق فرص عمل مجزية، وسد الفجوات في رأس المال البشري، والتخفيف من حدة الفقر.

الأمر الأكثر أهمية أن هذه الجهود يجب أن تكون محلية بدرجة كبيرة لكي تراعي مَواطن القوة الفريدة التي تتمتع بها كل منطقة والاحتياجات المحددة لكل مجتمع محلي.

تُجسّد قرية بولاو بانجونج، الواقعة في موارا إينيم، إحدى المقاطعات الأكثر اعتمادا على الفحم في إندونيسيا، في محافظة سومطرة الجنوبية، هذا الضعف بشكل صارخ. وفقا لبحث أجرته منظمة أصدقاء الأرض في سومطرة الجنوبية والمركز الإندونيسي للقانون البيئي، يعمل 56.7% من سكان القرية كعمال مناجم، بما في ذلك العمالة المؤقتة.

عندما بدأ استخراج الفحم في أوائل تسعينيات القرن العشرين، تخلّى المجتمع المحلي إلى حد كبير عن الزراعة، التي كانت المحرك الاقتصادي الرئيسي في ذلك الوقت. والآن، مع اقتراب انتهاء عقود شركات التعدين وشروعها في تنفيذ إجراءات الكفاءة، أصبحت سبل معايش القرويين مهددة، ولكن هذه المرة دون بديل جاهز.

من الممكن أن يعود اقتصاد القرية في مرحلة ما بعد الفحم إلى الزراعة ويتبنى السياحة القائمة على الطبيعة. لكن التحول إلى هذه القطاعات يتطلب نظاما بيئيا سليما، الأمر الذي يجعل إجبار الشركات على الوفاء بالتزاماتها باستصلاح الأراضي التي كانت تستخرج منها الفحم ضرورة أساسية.

علاوة على ذلك، لأن سكان القرية تخلوا عن الزراعة قبل عقود من الزمن، فسوف يحتاجون إلى التدريب على تقنيات الزراعة المستدامة والفرص لتطوير المهارات اللازمة لسبل عيش بديلة أخرى، مثل التسويق الرقمي.

بعض العوائق التي تحول دون خلق سبل عيش جديدة في بولاو بانجونج هي عوائق بنيوية، مثل وضع الأراضي القانوني الغامض، وهي مشكلة قائمة منذ أمد بعيد في مختلف أنحاء إندونيسيا.

لكن التحدي الأكبر، سواء هنا أو في أي مكان آخر، يتمثل في الافتقار إلى القنوات الرسمية اللازمة لتطوير مبادرات محلية فعّالة. يجب أن تخدم مَواطن القوة التي تتمتع بها كل قرية كأساس للتحول الاقتصادي القائم على المجتمع المحلي.

ولكن من المؤسف أن عملية صُنع السياسات والضوابط التنظيمية في إندونيسيا، والتي تتجه من أعلى إلى أسفل، وخاصة في قطاع الطاقة، تعوق الجهود الرامية إلى تعظيم مَواطن القوة المحلية.

تعمل الحكومة الإندونيسية على توجيه عملية التخطيط للانتقال من خلال تقديم توجيهات عامة، والتي ينبغي نظريا أن تتولى خطط المقاطعات والأقاليم تفصيلها، فتحدد السمات الفريدة التي تتمتع بها كل منطقة.

ومع ذلك، لا تقدم خطة التنمية الإقليمية المتوسطة الأجل في جنوب سومطرة للفترة 2025-2029 توجيهات واضحة حول كيفية تنفيذ التحول الاقتصادي، بل تكتفي بالإشارة إلى أن الجهود الرامية إلى الابتعاد عن الاقتصاد القائم على الفحم لا تزال دون المستوى الأمثل.

وتقر الخطة بأن الموارد الطبيعية يجب أن تلعب دورا، لكنها لا تشرح كيفية استخدامها على النحو الذي يلبي احتياجات كل قرية وكيف تتجنب الإضرار بالنظم البيئية.

هذه المشكلة ليست محصورة في إندونيسيا. الواقع أن حكومات أخرى كثيرة تعاني من ثغرات مماثلة في سياساتها المتعلقة بتحول الطاقة. ويكمن الحل في أن يعمل صُـنّاع السياسات على تمكين نهج أكثر انطلاقا من القاعدة إلى القمة من خلال التركيز على هدفين.

أولا، يتعين على صُنّاع السياسات إشراك المجتمعات المحلية المتأثرة بشكل مباشر. ذلك أن إسناد تخطيط التحول إلى الحكومات المحلية ومنح المجتمعات المحلية دورا حقيقيا في عملية صنع القرار من شأنه أن يساعد المسؤولين والشركات على تصميم تدخلات مخصصة توسع فرص العمل لصالح العمال المعرضين لخطر خسارة وظائفهم.

يجب أن يبدأ دمج المبادرات التي تقودها المجتمعات المحلية في هذه السياسات بإجراء تقييمات محلية. وقبل الموافقة على أي خطة، ينبغي للحكومة إجراء مسح تشاركي لسبل العيش، ووضع الأراضي، ومهارات قوة العمل، ومَواطن القوة المحلية. في بولاو بانجونج، هذا النوع من المسح كفيل بتسليط الضوء على إمكاناتها الزراعية والسياحية.

ثانيا، ينبغي لصُنّاع السياسات استكشاف إمكانية إنشاء صندوق إقليمي قادر على إعادة توجيه الإيرادات الحكومية المتأتية من التعدين وإنتاج الوقود الأحفوري نحو دعم عمليات التحول القائمة على المجتمعات المحلية.

من النماذج التي يمكن اتباعها هنا صندوق ألاسكا الدائم، والذي تستثمر حكومة الولاية بموجبه جزءا من عائدات النفط والتعدين لصالح كل سكان ألاسكا الحاليين والمستقبليين في الأمد البعيد.

تتولى إدارة هذا الصندوق السيادي شركة مملوكة للدولة، وهو يساعد في تمويل الخدمات العامة مثل التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية الأساسية. بوسع صُـنّاع السياسات، في كل من البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، استخدام مثل هذه الآلية لضمان انتقال اقتصادي مستدام من خلال العمل بشفافية والسماح للمجتمعات المحلية بتوجيه العائدات نحو الأولويات التي تختارها.

الوقت ليس في صالح إنشاء صناديق وقْف إقليمية. ويتعين على صُـنّاع السياسات في إندونيسيا وغيرها من الدول أن يتحركوا قبل أن يتوقف تدفق عائدات التعدين والوقود الأحفوري. كخطوة أولى، يمكنهم تنفيذ مشاريع تجريبية في المناطق المتأثرة ــ مثل موارا إينيم ــ لإظهار ما يمكن تحقيقه. إن الانتظار لفترة أطول مما ينبغي ينطوي على خطر ترك هذه المجتمعات وقد أصبح لديها خطة ولكن دون رأس مال لتنفيذها.

غريتا أنينداريني خبيرة استراتيجية أولى في المركز الإندونيسي للقانون البيئي.

خدمة بروجيكت سنديكيت