اصطناع الواقع «2»
26 أكتوبر 2026
26 أكتوبر 2026
اعتاد البشر على أن تتدخل اللغة والثقافة والتجارب السابقة في تشكيل فهمهم لواقعهم، وعلى أن تتدخل المؤسسات ذات السلطة في توجيه ما يصلهم من معلومات.
غير أننا على أعتاب تحول جديد يضيف إلى هذه المؤثرات عنصرًا لم تعرفه البشرية من قبل، إنها خوارزميات لا تكتفي بتقديم المعرفة، بل تشارك في التأثير على العمليات الذهنية التي نفهم بها واقعنا.
ويقدم بحث نشرته مجلة Nature Human Behaviour مثالًا على هذا التحول.
فقد أجرى الباحثان موشيه جليكمان وتالي شاروت سلسلة تجارب شملت أكثر من ألف مشارك لدراسة تأثير التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في الأحكام الإدراكية والعاطفية والاجتماعية.
وأظهرت النتائج أن الخوارزميات المتأثرة بانحيازات تستطيع زيادة انحيازات البشر الذين يتفاعلون معها، بل إن بعض المشاركين لم يدركوا حجم هذا التأثير، والأكثر إثارة أن العلاقة لم تكن أحادية الاتجاه؛ فالخوارزمية قد تتعلم انحيازات بشرية ثم تضخمها، قبل أن تعيدها إلى البشر في صورة أحكام تبدو مستقلة عنهم، وهكذا تتشكل دائرة يتبادل فيها الإنسان والآلة التأثير، وتتحول فيها المعرفة من نتاج للفهم إلى عامل يعيد تشكيل الفهم ذاته.
وإذا كان الإدراك هو الخطوة الأولى في فهم الواقع، فإن الذاكرة تمثل الصلة التي تربط هذا الفهم بتجارب الإنسان الماضية. ولذا تكتسب ورقة بحثية أولية أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أهمية في سياق هذه الفكرة، كان السؤال الأساسي لهذه الورقة هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إقناع الإنسان بأنه يتذكر شيئا لم يحدث أصلا؟، وكشفت التجربة التي شملت مئتي مشارك أن استخدام محاور مدعوم بالذكاء الاصطناعي - بحيث يطرح أسئلة مضللة حول مشهد جريمة شاهده المشاركون - أدى إلى توليد ذكريات زائفة تزيد على ثلاثة أضعاف ما ظهر في المجموعة الضابطة التي لم تتعرض للتضليل من الذكاء الاصطناعي.
فإذا أخذنا بالاعتبار أن طبيعة ذاكرة البشر لا تقتصر على كونها مجرد سجل يعود إليه الإنسان عندما يريد استدعاء الماضي؛ بل إنها مادة يعاد بناءها باستمرار، وبهذا الواقع فإنه يمكن للخوارزميات أن تتدخل في عملية إعادة بناء الذاكرة، وهذا الأمر يفتح سؤالًا يتجاوز مسألة التأثير في الرأي؛ فماذا لو امتدت قدرة الخوارزمية من تفسير ما يراه الإنسان إلى التأثير فيما يعتقد أنه رآه بالفعل؟ عندها لن يتعلق الأمر بإعادة فهم الواقع فحسب، بل بإعادة تشكيل المادة التي يبني منها الإنسان ذاكرته وفهمه لماضيه.
وكما أن اللغة بطبيعتها تحمل ثقافة مجتمعها، فإن للغة التي نخاطب بها الخوارزمية أثر مماثل في تشكيل فهم الواقع من خلال البرمجيات، ففي دراسة نشرتها مجلة Nature Human Behaviour عام 2025، وجد باحثون أن النموذج نفسه أظهر أن التوجهات الثقافية تتباين باختلاف لغة الاستخدام، إذ مالت استجاباته باللغة الصينية إلى قدر أكبر من الترابط الاجتماعي والتفكير الشمولي، مقارنة باستجاباته بالإنجليزية التي أظهرت ميلًا نسبيًا نحو الاستقلالية والتفكير التحليلي، وظهرت أنماط مشابهة في نموذج صيني آخر، وتوحي هذه النتائج بأن الخوارزمية لا تقدم فهمًا منفصلًا بالضرورة عن الأفق اللغوي والثقافي الذي تعمل ضمنه، بل قد تعيد إنتاج بعض أنماطه، مما يجعل لغة حوارنا مع الخوارزميات أكثر من مجرد أداة تواصل معها.
هناك مجال أكثر تعقيدًا في فهمنا للواقع أضحى عرضة لتأثير الخوارزميات، إنه مجال الأحكام الأخلاقية، ففي دراسة نشرتها Scientific Reports عام 2025، كان السؤال الرئيس هو «ماذا لو عرضنا على الناس نصيحتين أخلاقيتين، إحداهما كتبها فيلسوف مرموق، والأخرى أنتجها نموذج لغوي للذكاء الاصطناعي - دون إخبارهم بهوية الكاتب - هل سيعتبرون نصيحة الإنسان أكثر حكمة ومصداقية؟ أم أنه يمكنهم أن يفضلوا نصيحة الآلة؟» وللإجابة على ذلك ولّد باحثون من جامعة نورث كارولينا ومعهد الين للذكاء الاصطناعي نصائح أخلاقية لمعضلات باستخدام نموذج GPT-4o ثم طلبوا من المشاركين مقارنتها بنصائح كتبها الفيلسوف كوامي أنتوني أبياه في عموده بصحيفة «نيويورك تايمز» يتناول فيها ذات المعضلات الأخلاقية.
وجد الباحثون أن المشاركين قيّموا نصائح النموذج بدرجات أعلى قليلًا من حيث المعايير المتمثلة في الموثوقية والتفكير والصواب الأخلاقي، إلا أن النسبة العددية أظهرت أن 74% من الأسئلة حصلت على تقييم أعلى لصالح نصائح GPT-4o، ولا يعني ذلك بأية حال أن الخوارزمية أصبحت أكثر حكمة من الفيلسوف، فالنتائج تقيس تصورات المشاركين لا حقيقة التفوق الأخلاقي، لكنها تكشف عن استعداد الإنسان لمنح الآلة سلطة معرفية في مجال ظل مرتبطًا بالحكمة والخبرة والتأمل القيمي، ولعل ذلك يفتح سؤالًا حول ما إذا كانت الخوارزمية ستصبح شريكًا في تفسير المبادئ الأخلاقية التي توجه سلوك البشر.
وليس المقصود من ذلك أن تأثير الخوارزميات سلبي بالضرورة، فقد أظهرت دراسة الدوائر الراجعة نفسها أن التفاعل مع خوارزمية دقيقة يمكن أن يحسن أحكام الإنسان، كما وجدت تجربة منشورة في Communications Medicine عام 2025 أن توصيات الذكاء الاصطناعي حسنت دقة بعض قرارات الأطباء في حالات سريرية افتراضية، ولذلك فإن الإشكالية ليست في مشاركة الخوارزميات للإنسان في فهم الواقع، بل في الشروط التي تحكم هذه المشاركة، وقدرة الإنسان على إدراك مصادر التأثير فيها ومراجعة نتائجها.
وهكذا فإننا أمام تحول لا يقل أهمية عن انتقال المعرفة من المخطوط إلى المطبعة، ومن الكتاب إلى وسائل الإعلام الرقمية، غير أن الاختلاف هذه المرة لا يتعلق بوسيلة وصول المعرفة وحدها، بل باحتمال انتقال الخوارزميات إلى داخل العملية الذهنية التي يتشكل بها فهم الإنسان، وإذا خاض البشر عبر تاريخهم صراعات طويلة حول حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، فإنهم يواجهون اليوم سؤالًا يتجاوز تلك المعضلات، يتعلق بحرية تكوين المعنى ذاته؛ إذ قد يحتفظ الإنسان بقدرته على اختيار ما يعتقده، بينما تتشكل مقدمات اعتقاده على نحو متزايد بفعل خوارزميات لا يعرف كيف تعمل، ولا يدرك الآفاق التي يمكن أن تفتحها لفهمه، كما يجهل تلك التي تغلقها دون إدراكه.
