دبلوماسية الملك تشارلز والشعر

25 أكتوبر 2026
25 أكتوبر 2026

في عالم يحتفي بالاقتصاد والجغرافيا السياسية والتكنولوجيا، يبدو الأدب لوهلة أقل قدرة على التأثير في العلاقات الدولية؛ غير أن مناسبات دبلوماسية محملة بالطاقة الشعرية عبر نصوص ما زالت تملك حياة سياسية وثقافية تتجاوز زمن كتابتها بكثير تؤكد أهمية الأدب والثقافة.

ولا يمكنني تجاوز رمزيات خطاب الملك تشارلز الثالث في استقباله جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ أعزه الله ـ الذي لم يكن مجرد كلمة بروتوكولية لمناسبة رسمية، بل كان ممارسة متقدمة لدبلوماسية رمزية وثقافية، وهو ما تجلى واضحا في استخدامه اللغة العربية واستدعائه للتراث الديني والأدبي.

إن من أكثر اللحظات دلالة في الخطاب استشهاد الملك تشارلز بالشاعر العماني الكبير أبي مسلم البهلاني؛ هذا الاستحضار لم يكن اقتباسا أدبيا عابرا، بل اقتباس مُحمّلٌ عدة رسائل متضمنة الاعتراف بالعمق الحضاري والثقافي العماني، واحترام الهوية الوطنية العمانية من داخل مرجعيتها الثقافية، والانتقال من لغة المصالح السياسية إلى لغة الوجدان والرمزية الثقافية، وتقديم عمان للعالم باعتبارها حاضنة لقيم السلام والحوار التي يمثلها شعرها وتراثها.

وفي أدبيات القوة الناعمة يعد استدعاء رموز الثقافة الوطنية للطرف الآخر من أقوى أدوات بناء الثقة والاحترام المتبادل، أما استشهاد الملك تشارلز بالحديث النبوي «لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك» فهو اقتباس لم يأتِ لإظهار معرفة ثقافية فحسب، وإنما ترسيخٌ لصورة ذهنية محددة عن المجتمع العماني تجمع بين التسامح والحكمة والاعتدال وحسن استقبال الآخر المختلف.

وفي علم الذكاء الاجتماعي، يُعد هذا النوع من الخطاب شكلا من أشكال «تقدير الهوية» Identity Recognition حيث يشعر الطرف الآخر بأن قيمه الأساسية محل اعتراف وتقدير.

إن ربط الملك بين الإرث العماني والسياسة العمانية المعاصرة مشيدا بدور عمان في الحوار وتهدئة التوترات الإقليمية وبناء الجسور بين الأطراف المختلفة في الشرق الأوسط من منظور القوة الناعمة يؤدي إلى تعزيز المكانة الدولية لعمان، دعما وترويجا لصورة «الوسيط الموثوق»، إضافة إلى ترسيخ «الرأسمال المعنوي» لعمان في النظام الدولي.

أما اختيار التحدث بالعربية وإلقاء بعض العبارات الشعرية والتراثية بلغتها الأصلية فيحمل قيمة رمزية كبيرة؛ حيث تمثل مخاطبة الآخر بلغته في الدبلوماسية الثقافية احتراما لهويته، وتقليصا للمسافة النفسية، فضلا عن إظهار الاستعداد للتواصل خارج المركزية الثقافية الغربية المتعودة.

جمع الملك في خطابه بين التاريخ والسياسة والشعر والدين واللغة في نسيج واحد، وكان استشهاده بالشعر العماني أكثر من مجرد لمسة أدبية، بل رسالة سياسية وثقافية عميقة مفادها أن عمان لا تُعرف فقط بموقعها الاستراتيجي أو علاقاتها الدولية، بل أيضا بإرثها الثقافي وقيمها الحضارية التي جعلت منها أرضا للحكمة والسلام والتسامح في المخيلة الدولية.

إن أهم ما في الخطاب أنه لم يمدح عمان بما تملك بل بما تمثل رمزيا، وهذه هي أعلى درجات القوة الناعمة. وإن كانت الخطابات الرسمية تستخدم عادة مفردات «الاستقرار» و»الحوار» و»التعاون» فإن تشارلز لم يتحدث عن السلام بلغة السياسي، بل بلغة الشاعر؛ وهنا تظهر براعة توظيف القوة الناعمة؛ حيث لم يرد السلام في بيان سياسي يمثل موقفا دبلوماسيا متغيرا، بل في بيت شعري باعتباره جزءا من الهوية الثقافية الراسخة. الرسالة الضمنية كانت: السلام بالنسبة إلى عمان ليس تكتيكا سياسيا، بل قيمة متجذرة في وجدانها الثقافي.

تُعد اللغة والأدب من أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرا واستدامة، لأنهما لا يخاطبان المصالح المباشرة للدول بقدر ما يخاطبان المخيلة والذاكرة والوجدان. وقد أشار الباحث الأمريكي «جوزيف ناي» صاحب مفهوم «القوة الناعمة» إلى أن الثقافة والقيم والرواية الوطنية هي مصادر رئيسية للنفوذ غير القسري.

وفي هذا السياق يمثل الشعر أحد أكثر الأشكال كثافة في التعبير عن الهوية الثقافية. يمكن ـ في العرف الدبلوماسي ـ لأي زعيم مدح دولة أخرى بكلمات عامة، لكن اختيار شاعر من تراثها الوطني هو انتقال من دبلوماسية الدولة إلى دبلوماسية الثقافة، وهذه بالضبط هي اللحظة التي تتحول فيها اللغة والأدب إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، وتقديرا لهذه الأداة لا بد من الاهتمام بالموروث الأدبي مع الحرص على بناء تراكمية مستدامة عبر تصنيع موروث معاصر يحظى بالعناية والتسويق عالميا، لأن الأدب يفقد قوته الشعبية عندما لا يدرك الجمهور مرجعيته، وإن كان العمانيون كلهم يعرفون أشعار أبي مسلم، فإن الجمهور العربي أو العالمي قد لا يعرفه، مما يقطع أواصر التأثير توصيلا وتواصلا. وهنا، تظهر مفارقة القوة الناعمة؛ فكلما كان الرمز أكثر محلية كان أكثر تأثيرا داخليا وأقل وضوحا خارجيا. ولا ننسى أهمية الترجمة أداة للتسويق الثقافي، رغم ما قد يفقد الشعر من موسيقاه ودلالته الدلالية في الترجمة، ليتلقى المستقبل الأجنبي الرسالة السياسية دون تذوق القيمة الجمالية نفسها التي يدركها أبناء اللغة الأصلية.

ختاما: لا تعرف الأمم والحضارات بمنشآتها وحسب، بل بموروثها من معانٍ قادرة على عبور الزمن؛ فالشعر والأدب يمثلان الذاكرة العميقة للأمم والوعاء الذي تُحفظ فيه قيمها ورؤاها وصورتها لدى الآخرين.

إن رعاية الإبداع الأدبي ليست شأنا ثقافيا هامشيا، بل استثمار حضاري طويل الأمد في رأس المال الرمزي للأمة؛ حيث لا تكتفي النصوص العظيمة بتوثيق عصرها، بل تتحول إلى جسور حوار وتفاهم بين الشعوب والأجيال. وحين تستدعي المنابر الدولية شاعرا من تراث أمة ما، فإنها تستحضر معها تاريخا من القيم والمعاني؛ لذلك فإن بناء إرث أدبي راسخ اليوم هو بناء لجسور ثقافية تمتد إلى المستقبل، وتمنح الأمم حضورا دائما في الوعي الإنساني يتجاوز حدود السياسة وتقلبات اللحظة التاريخية.

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية