إلهان عمر: المرأة التي تقضُّ مضجعه

25 أكتوبر 2026
25 أكتوبر 2026

تصدّرت النائبة الديمقراطية الأمريكية إلهان عبد الله عُمر عناوين الأخبار في الولايات المتحدة بعد مداهمة نفّذتها السلطات الأمريكية على منزلها على خلفية تحقيق موسع بشأن أوراق تتعلق بهجرتها إلى الولايات المتحدة، كما ادّعت السلطات الأمريكية.

ويركز التحقيق على ما إذا كانت إلهان -المولودة في الصومال، والتي تمثّل دائرة انتخابية بولاية مينيسوتا منذ عام 2019- أو أفراد أسرتها قد قدّموا معلومات كاذبة عند دخولهم الولايات المتحدة كلاجئين في منتصف التسعينيات، أو خلال إجراءات حصولهم على الجنسية. والهدف النهائي -حسب مصدر مطلع لوكالة رويترز- هو «تجريد إلهان من الجنسية الأمريكية وترحيلها»، وهي أفكار طرحها كلٌّ من الرئيس دونالد ترامب ووزير الأمن الداخلي.

وللوهلة الأولى قد تبدو القضية إجراءً قانونيًّا؛ إذ نفى الرئيس ترامب أيَّ علاقة له بعملية المداهمة تلك، لكنه في المقابل شنّ هجومًا حادًا عليها واصفًا إيَّاها بأنها «فاسدة تمامًا، وهي شخصية فظيعة قادمة من بلد لا يمكن اعتباره بلدًا»، وهو الهجوم الذي كرّره في تجمع انتخابي في ولاية أوهايو.

هذا التناقض بين النفي الرسمي والهجوم الشخصي هو ما دفع إلهان إلى اتهام إدارة ترامب باستهداف خصومها السياسيين، وتسخير أجهزة إنفاذ القانون لترهيبهم، وهي التي تقول: إنه استهدفها على مدى عشر سنوات بأكاذيب وحملات تشويه لإسكاتها.

ولم يمر هذا المشهد دون رد فعل؛ فأثارت المداهمة انتقادات واسعة من قيادات الحزب الديمقراطي الذي تنتمي إليه إلهان؛ إذ اعتبروا توقيتها مثيرًا للريبة، خصوصًا أنّها جرت قبل نحو ثلاثة أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. وهنا تكمن المفارقة التي تدفعنا للشك بأنّ القضية ليست شخصية.

فلا يمكن أن يقال: إنّ قضية إلهان عمر قضية شخصية معزولة؛ لأنّ عملية مداهمة منزلها حدثت وسط أجواء انتخابية محمومة، وفي ظلّ خصومة سياسية معلنة وممتدة لسنوات.

لذا فإنّ إعادة فتح ملف يتعلق بجنسية شخصية سياسية بارزة في هذا التوقيت بالذات لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً قانونيًّا بحتًا، بل هو فعل سياسي بامتياز.

ويزداد هذا التفسير وجاهة عندما نتذكر من هي إلهان عمر في الخارطة السياسية الأمريكية؛ فهي واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل، ومن أشد منتقدي الرئيس دونالد ترامب وسياساته، كما أنها تمثّل رمزًا بالنسبة لكثير من المهاجرين والأقليات الدينية والعرقية، ولهذا فإنّ أيَّ إجراء يستهدفها لا بد أن يُفسَّر سياسيًّا.

وهنا أصل إلى قناعة لا أجد مفرًا منها في كلِّ الأحوال: لا أعتقد أنّ هناك فرقًا بين الحكومة الأمريكية وأيِّ حكومة من حكومات العالم الثالث؛ فما الانطباع الذي قد يتشكل لدى الرأي العام عندما يرى المواطنُ أنّ أجهزة الدولة تُستخدم لتصفية الحسابات السياسية؟ وما الرسالة الموجهة للمهاجرين الذين يلجؤون إلى الغرب لاعتقادهم أنه واحة من واحات الحرية؟

ويقودنا هذا التساؤل إلى سؤال أكبر: ماذا تركت أمريكا لدول العالم الثالث التي عادةً ما تلجأ إلى إلصاق تهم أخلاقية للخصوم؟ فحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك بوست»؛ فإنّ العملاء الفيدراليين حصلوا على أدلة الحمض النووي وجواز سفر النائبة خلال التحقيق، وأنّ هذه الأدلة قد تمثل عنصرًا مهمًا في التحقيق بشأن مزاعم زواج إلهان عمر من شقيقها؛ لمساعدته على الحصول على البطاقة الخضراء، وهي التهم التي نفتها مرارًا. فهل هذه هي أمريكا التي تقدِّم نفسها قدوة في سيادة القانون؟

إنّ خطورة قضية إلهان عمر أنها لا تقف عند حدودها الشخصية، بل تنعكس مباشرة على قضايا الهجرة والجنسية؛ فالولايات المتحدة بُنيت تاريخيًّا على موجات متعاقبة من المهاجرين، وأيّ نقاش حول سحب الجنسية من مواطن متجنس يقلق ملايين الأمريكيين المجنسين الذين يرون في الجنسية حقًا مكتسبًا حسب القوانين المعمول بها.

والمؤكد أنّ تعميم الاتهامات على جاليات أو مجموعات عرقية بأكملها بسبب قضية فردية - إن صدقت - يمثل سقوطًا خطيرًا في الأخلاق، ويكشف زيف التغنّي بالحرية والمساواة. وأيُّ محاولة لربط ملف شخص واحد بجالية كاملة -كما يحصل الآن مع قضية النائبة إلهان- تعمّق من الإحساس بالظلم.

ولذلك إذا لم تثبت الاتهامات على عائلة إلهان عمر -وهي غالبًا لن تثبت؛ لأنّ إلهان نفسها نفت ارتكاب أيَّ مخالفة واصفةً المداهمة بأنها من أعمال «الترهيب السياسي»- فستتحول القضية إلى مثال جديد على حجم التداخل بين السياسة والقانون في الولايات المتحدة، ودليل على أنه لا فرق بين أمريكا وأيّ دولة أخرى في الإبقاء على سلطة القانون مستقلة وأعلى من السلطة السياسية.

وهذا التداخل ليس جديدًا؛ فكما هو معلوم فإنّ الرئيس ترامب ظلّ يستهدف إلهان عمر منذ فترة طويلة بعبارات شخصية تنطوي على تحيّز وعنصرية، وهاجم مرارًا أصولها العرقية وديانتها الإسلامية، وهاجم كذلك الجالية الصومالية كلها في مينيسوتا، وهذا بدوره أدى إلى تجدّد المخاوف من أنّ إدارة ترامب تستخدم أجهزة إنفاذ القانون الاتحادية لمعاقبة خصومه السياسيين، لا سيما قبل انتخابات التجديد النصفي التي تخوضها النائبة للاحتفاظ بمقعدها.

ولمن لا يعرف من هي هذه المرأة التي شغلت بال الرئيس ترامب، بل أقضت مضجعه؟! كانت في الثانية عشرة من عمرها عندما وصلت عائلتُها إلى الولايات المتحدة عام 1995 بعد فرارها من الحرب الأهلية في الصومال وقضاء سنوات في مخيم للاجئين في كينيا، وحصلت على الجنسية الأمريكية عام 2000. وشكلت هذه الخلفية عاملًا أساسيًّا في صعودها السياسي، وتحولها إلى هدف مستمر لانتقادات معارضيها من اليمين.

لكن حكاية إلهان -وإن بدت قصة فردية- تلامس في نظري تجربة إنسانية أوسع عاشها ويعيشها كثير من المهاجرين العرب في بلاد الغرب. فكم من إنسان غادر وطنه مدفوعًا بحلم مشروع في حياة أكثر أمنًا وكرامة! وكم من مهاجر ظنّ أنه يفر من الضيق، فإذا به يواجه مشكلات أخرى من الغربة والتهميش والوحدة، حتى ليصدق على بعضهم المثل العربي القديم: «كالمستجير بالرمضاء من النار»! فظل كثيرون منهم لا يستطيعون العودة، ولا هم نالوا الطمأنينة التي حلموا بها كاملة. وكان من نتيجة ذلك التشتت أن ظهرت فئةٌ من المهاجرين تهاجم أوطانها ليل نهار بسبب خيبة قديمة فيما انسلخت فئةٌ أخرى عن دينها وقيمها وعاداتها وتقاليدها، لتنال الرضا، أما الفئة الأخرى فهي التي رأت ضرورة العودة إلى أصلها رغم أنها القلة إلا أنها موجودة. وأذكر أني التقيتُ في زنجبار رجل أعمال فلسطينيا هاجر إلى ألمانيا، فقال لي: إنه يفكّر جديًّا في نقل أعماله إلى سلطنة عُمان، وقد بدأ في الإجراءات، وعندما سألته لماذا؟ قال حفاظًا على أبنائه؛ لأنّ كلَّ القوانين والمناهج تخرجهم من الدين.

قد يرى البعض أنّ الفرص التي أتيحت للمهاجرين إلى الغرب لم تتح لهم في أوطانهم، وهذه حقيقة لا غبار عليها، ولكن لا يمكن أن نغفل حقيقة أخرى موازية، وهي أنّ هذا الغرب هو السبب الرئيسي لمشكلات العالم، ومنها الصومال نفسه الذي خرجت منه إلهان.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.