بدأت الاحتجاجات في الصيف الماضي، حين ندد الطلاب بما اعتبروه ظلمًا في نظام الامتحانات الوطني. لكنها اتسعت منذ ذلك الحين لتتحول إلى مواجهة حول نزاهة الانتخابات الهندية.
يطعن كثيرون ممن حُذفت أسماؤهم في قرارات الشطب، في عملية غالبًا ما تكون شاقة، لكن خطر الحرمان الجماعي من حق التصويت لا يزال قائمًا.
خرج عشرات الآلاف، معظمهم من الشباب، إلى شوارع دلهي، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى مدن رئيسية أخرى. يطالب المتظاهرون باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات الهندية، مشككين في نزاهة المؤسسات التي يُفترض أن تتمتع بالاستقلال.
كما يحملون رئيس الوزراء ناريندرا مودي المسؤولية المباشرة، متهمين إياه بـ «سرقة الديمقراطية». وتمثل هذه الاحتجاجات، بما تنطوي عليه من رفض للمسار الذي تسلكه البلاد، أكبر تحد لسلطة مودي منذ توليه منصبه عام 2014.
أما أحزاب المعارضة الرئيسية، التي أخفقت حتى الآن في إزاحة مودي عبر الانتخابات البرلمانية الوطنية، فقد توحدت في جبهة بقيادة راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر، وقدمت عرضًا قويًا خلال مسيرة حاشدة في دلهي يوم 12 أكتوبر.
غير أن القوة الحقيقية للاحتجاجات تنبع من الزخم السياسي الهائل للشباب. فقد تحدى الطلاب حظر التظاهر، وواجهوا الإجراءات الأمنية المشددة، وتحملوا الاعتقال لمواصلة تحدي سلطة الحكومة.
من جانبها، تنظر الحكومة إلى هذه المواجهة بوصفها معركة وجودية، وهو ما يتجلى في مساعيها لاحتواء الاحتجاجات.
فقد نشرت أكثر من 40 ألف عنصر أمني، وأغلقت محطات المترو والقطارات، وطوقت وسط دلهي، وعلقت خدمة الإنترنت عبر الهاتف المحمول، واعتقلت أكثر من 7 آلاف شخص. كذلك، دافعت بشدة عن رئيس مفوضية الانتخابات، ورفضت الدخول في حوار مع المعارضة أو الشباب المحتجين بشأن مطالبهم.
لا يواجه مودي خطر السقوط، ولن تتكرر بالضرورة في الهند تجربة الاحتجاجات الشبابية الأخيرة في بنجلاديش ونيبال المجاورتين، التي نجحت في الإطاحة بحكومتي البلدين.
لكن الحكومة الهندية تواجه تحديًا أكثر دقة: فقدان سلطتها المطلقة. فالقادة ذوو النزعة السلطوية، مثل مودي، يميلون إلى إظهار سلطتهم الشخصية بوصفها غير قابلة للمنازعة. ومنذ توليه السلطة عام 2014، عزز حزبه، حزب بهاراتيا جاناتا (BJP)، قبضته على الحكم وركز السلطة على نحو غير مسبوق.
تجد الحكومة نفسها اليوم أمام تحد من نوع مختلف؛ إذ يواجهها شباب ينتمون إلى طبقات اجتماعية وخلفيات دينية وطائفية متنوعة، يصعب تجاهلهم أو وصمهم بسهولة بأنهم «معادون للوطن».
ويجعل هذا التحدي قبضة الحكومة المحكمة على السلطة تبدو أكثر هشاشة. سيتوقف مستقبل الديمقراطية الهندية على ما إذا كانت هذه المواجهة ستفتح المجال أمام مشاركة ديمقراطية أوسع.
تستند شرعية الدولة الهندية الحديثة إلى الانتخابات والامتحانات. فمنذ استقلالها عام 1947، حافظت الهند على سمعتها في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وظلت مصداقية مفوضية الانتخابات ركيزة أساسية للثقة بالديمقراطية. تعتمد البلاد أيضًا على امتحانات وطنية تنافسية للتوظيف في القطاع العام والقبول الجامعي، تمثل بالنسبة إلى ملايين الشباب فرصة لتحسين أوضاعهم وتحقيق التقدم.
في مجتمع يعاني تفاوتًا اجتماعيًا حادًا، تتجسد في الانتخابات والامتحانات فكرة المساواة في الفرص؛ فالانتخابات تمنح المواطنين حق اختيار حكامهم، فيما تتيح الامتحانات للاجتهاد والتفوق الأكاديمي منافسة النفوذ والثروة والروابط العائلية.
رغم أن العمليتين لم تكونا مثاليتين، ظلت نزاهتهما عمومًا موضع ثقة، حتى أصبحتا من أهم ركائز الوعد الديمقراطي الهندي.
لكن تصرفات الحكومة الهندية خلال العام الماضي أثارت تساؤلات بشأن نزاهة كلتا العمليتين؛ ففي عام 2024، أحاطت بالامتحان الوطني الرئيسي للقبول في كليات الطب فضيحة واسعة النطاق، بعد الكشف عن سلسلة من المخالفات، شملت تسريب أسئلة الامتحان مسبقًا. أثارت الحادثة احتجاجات وتساؤلات جدية بشأن مصداقية نظام الاختبارات، كما وضعت الهيئة الوطنية للاختبارات تحت مجهر التدقيق.
وهذه الهيئة المركزية، التي أُسندت إليها في عهد مودي مسؤولية تنظيم عدد من الامتحانات المهمة، كان يفترض أن يؤدي تركيز هذه المهمة في يدها إلى تحسين الكفاءة والانتظام. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ أدى هذا التمركز إلى تركيز المسؤولية عن الإخفاقات على مستوى الحكومة الاتحادية. وفي يوليو، تصاعدت الاحتجاجات المناهضة للحكومة، في ظل استياء واسع من طريقة إدارة نظام الامتحانات.
في السياق نفسه، قررت مفوضية الانتخابات خلال العام الماضي إجراء ما يُعرف بـ «المراجعة المكثفة الخاصة»، وهي عملية تهدف إلى تدقيق قوائم الناخبين وضمان دقتها.
ويقع هذا الإجراء ضمن صلاحيات المفوضية، لكن آخر مراجعة مماثلة كانت قد أُجريت بين عامي 2002 و2004. أثارت العملية الحالية جدلًا واسعًا بسبب مخاوف من أنها تفرض أعباءً مفرطة على المواطنين لإثبات أهليتهم للتصويت، فضلًا عن غياب الشفافية بشأن أسباب إضافة الأسماء إلى القوائم أو حذفها منها.
كذلك، أثار استخدام برامج جديدة مخاوف من تسهيل شطب أسماء الناخبين لأسباب شكلية، في تجاوز للإجراءات المعمول بها، وأحيانًا لتوصيات المسؤولين المحليين الذين يتولون التحقق من البيانات ميدانيًا.
وفقًا لمنتقدي رئيس المفوضية، جيانيش كومار، فقد تصرف بصورة منفردة في سعيه إلى تعديل سجلات الناخبين، متجاوزًا الإجراءات المعتادة. فمنذ يونيو 2025، صنفت المفوضية نحو 130 مليون اسم تمهيدًا لشطبها من القوائم.
رغم أن عددًا كبيرًا من حالات الشطب يتعلق بأسماء مكررة أو بأشخاص متوفين أو غادروا البلاد، وجد ملايين الهنود أنفسهم مهددين بفقدان حقهم في التصويت، ومضطرين إلى خوض إجراءات شاقة للطعن في قرارات الشطب وإثبات أهليتهم.
في هذا السياق، أسفرت الاحتجاجات عن نتيجة إيجابية واحدة على الأقل: فقد بدأت المفوضية اتخاذ خطوات لتهدئة منتقديها من خلال تسهيل إجراءات الطعن للمستبعدين.
اتهم غاندي مفوضية الانتخابات باستخدام المراجعة الخاصة لقوائم الناخبين أداةً للتلاعب بالانتخابات؛ ففي ولاية البنغال الغربية، شُطبت تسعة ملايين اسم، وحُرم ملايين المواطنين من التصويت في انتخابات مارس بسبب عدم البت في طعونهم.
وأسفرت الانتخابات عن وصول حزب بهاراتيا جاناتا، بقيادة مودي، إلى السلطة في الولاية للمرة الأولى. وحتى دون استهداف الناخبين عمدًا، تنذر أوجه القصور في العملية بحرمان الملايين من حقهم الانتخابي.
وزادت المحكمة العليا الأزمة سوءًا حين أقرت بإمكان تصويت أصحاب الطعون المعلّقة في الانتخابات المقبلة، متجاهلةً أن ذلك لن يعوّضهم عن فقدان حقهم في التصويت في الانتخابات الحالية.
تفاقم الاستياء من المحكمة العليا في مايو، بعدما شبّه رئيسها، سوريا كانت، محامين شبابًا مطالبين بالتغيير بـ«الصراصير»، ما أدى إلى تأسيس «حزب الصراصير جاناتا». وسرعان ما تحولت المبادرة الساخرة إلى حركة حشدت الشباب، وأسهمت في الضغط الذي انتهى باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان في يوليو، وهي تطالب الآن باستقالة جيانيش كومار، رئيس مفوضية الانتخابات.
كما كشفت الأزمة تراجع الثقة بالمؤسسات، وأطلقت موجة سخرية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي رغم محاولات وقفها.
لم تقتصر أهمية السخرية على الهجاء السياسي، بل أسهمت في كسر حاجز الخوف الذي أحاط بالديمقراطية الهندية، وسط ملاحقة المعارضة قانونيًا. ومن خلالها، استعاد الشباب صوتهم وعبروا عن رفضهم للسلطة.
يشكل هؤلاء الشباب تحديًا، لأنهم لا يرتبطون بإرث أحزاب المعارضة التقليدية، ولأن مطالبهم بنزاهة الانتخابات والامتحانات تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والحزبية.
لا تزال الحركة تصطدم بواقع سلطة الدولة وقوتها، وهو ما تجلى بوضوح في شوارع دلهي خلال شهر أكتوبر. فقد حاولت السلطات منع المتظاهرين من الوصول إلى بعض الأماكن العامة.
لكن هذه الإجراءات دفعت مزيدًا من الشباب إلى النزول إلى الشوارع، للمطالبة بحقهم في الاحتجاج واستعادة حقهم في استخدام الفضاءات العامة. نشرت الحكومة آلافًا من عناصر الأمن في العاصمة، وتشير المؤشرات إلى أن مودي سيواصل نهجه المتشدد في التعامل مع الاحتجاجات.
يعتبر مودي في المطالبة باستقالة كومار تهديدًا لمنظومة الولاء داخل حزبه، لا مجرد قضية تتعلق بمسؤول واحد. ويعكس تمسكه بكومار حرصه على الحفاظ على ولاء الحزب وتماسكه أكثر من ارتباطه بقضية مراجعة قوائم الناخبين نفسها.
بنى مودي صورته السياسية على مواجهة ما يعده إهانات باستعراض القوة، لذا يصعب عليه التراجع أمام السخرية العامة. وقد تُفسر إقالة كومار باعتبارها اعترافًا بالخطأ، وتشجع المعارضة وتؤجج الاحتجاجات، بما قد يعزز فرصها في إزاحة مودي خلال الانتخابات البرلمانية عام 2029.
مع ذلك، لا تزال التداعيات الانتخابية للاحتجاجات غير محسومة؛ فالغضب الشعبي لا يتحول تلقائيًا إلى أصوات انتخابية. وقد تحاول مفوضية الانتخابات احتواء الأزمة بالسماح للناخبين الذين لم يُبت في طعونهم بالمشاركة في التصويت، أو بتقديم تنازلات إجرائية تخفف المظالم الأكثر إلحاحًا.
وقد يستفيد حزب بهاراتيا جاناتا أيضًا من تشرذم المعارضة، فضلًا عن صعوبة توحيد مواقف الناخبين في بلد شاسع كالهند، حيث تتباين دوافعهم وتصوراتهم للمخاطر السياسية. أما الاختبار الانتخابي الرئيسي المقبل، في ولاية أوتار براديش، فمن المقرر أن يُجرى في مارس 2027.
سيتيح الفوز لحزب بهاراتيا جاناتا التمسك بحجة أن نفوذه السياسي لا يزال راسخًا، في حين ستجعل الهزيمة احتواء التداعيات السياسية للأزمة الراهنة أكثر صعوبة.
في ظل هذه الاحتمالات، قد تلجأ الحكومة إلى تصعيد مواجهة المعارضين في أنحاء البلاد، اعتقادًا منها بأنها قادرة على احتواء الغضب الشعبي والحد من مظاهر التعبير عنه.
يراهن حزب بهاراتيا جاناتا على أن يؤدي تصاعد الاضطرابات في دلهي إلى تصوير الحركة على أنها من صنع مثيري الشغب والفوضويين، بما يدفع الهنود إلى الالتفاف حول رئيس الوزراء.
لكن الخطر الأكبر الذي يهدد الحكومة الهندية يكمن في تجاهل أسباب السخط الشعبي الحقيقية؛ ففي بنجلاديش ونيبال، كان عمق الاستياء الشعبي واضحًا لكل من أراد أن يراه، والأمر نفسه ينطبق على الهند.
فعلى الرغم من معدلات النمو المعلنة، يشعر الشباب الهنود بقلق متزايد إزاء مستقبلهم الاقتصادي. بلغت بطالة الخريجين 23%، فيما تباطأ نمو الوظائف المكتبية إلى 1% فقط هذا العام، ولا يعمل نحو ربع الهنود الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، ولا يدرسون أو يتلقون تدريبًا مهنيًا.
تتراجع ثقة الشباب بالمؤسسات الهندية، من الانتخابات والمحاكم إلى الهيئات المستقلة، وسط عجز الحكومة عن معالجة مخاوفهم وضعف قدرة المعارضة على حشد التأييد. ومع ذلك، يواصل الشباب النضال من أجل ديمقراطيتهم، مستندين إلى طاقتهم وطموحهم وإيمانهم بقدرتهم على صنع مستقبل مشترك.