قد يكون هذا أخطر إرث من ترامب: عالم منقسم إلى ثلاثة
25 أكتوبر 2026
25 أكتوبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي
في السنتين الأخيرتين من ولاية أي رئيس أمريكي بعد فقدان الكونجرس، وتهاوي أرقام التأييد الشعبي كالحجر الساقط، وبدء حزبه في التفكير في من يليه، قد يستشعر شاغل المكتب البيضاوي بتضاؤل سلطته. يتوقف التشريع المحلي، وبخاصة في عصر يوشك فيه التوافق بين الحزبين ألا يكون له وجود، ولكن مع توالي الأيام وصولا إلى النهاية، ومع شروع الرئيس في التفكير في إرثه، تبقى له سلطة في جانب واحد في وظيفته، ألا وهو بقية العالم.
في الأسابيع الأخيرة من رئاسته سنة 1992 بعث جورج بوش الأب ثمانية وعشرين ألفا من القوات الأمريكية إلى الصومال للمساعدة في إنهاء مجاعة. وفي حالة بيل كلينتن كانت له محاولة مغالية في الطموح لتحقيق السلام في الشرق الأوسط بإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. واستعاد باراك أوباما العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، وقام بزيارة تاريخية إلى هافانا، فضلا عن دفعة أخيرة ناجحة للاتفاقية النووية الإيرانية.
في خلال عشرة أيام سوف يدخل دونالد ترامب طور أفوله. وهو أقرب إلى الموقن من خسارته السيطرة على مجلس النواب ومن غير المستحيل أن يواجه مجلس شيوخ ديمقراطيا أيضا. وسوف يتبدد أي أمل له في إجازة أي سياسة محلية ـ دون أن يعني ذلك أنه اكترث بالأمر كثيرا في سنتيه الأوليين، بل سيواجه سلسلة تحقيقات قد تفضي مرة أخرى إلى عملية لعزله.
أما على المسرح الدولي فسوف تكون القصة مختلفة. وخلافا لبوش الأب وكلينتن وأوباما لن تكون مطامحه سلمية؛ فكما كانت السنتان الأوليان من ولايته الثانية وبالا قد تكون السنتان الباقيتان أضل سبيلا.
مفهوم أن الولايات المتحدة سوف تستأنف ـ فور أن تنتهي انتخابات التجديد النصفي ـ حربها غير القابلة للانتهاء بنصر مع إيران؛ فهي تقوم بالفعل بمناورات مع الجيش الإسرائيلي، وتسحب الدبلوماسيين من المنطقة. كما أن عملية بيع ترامب لأوكرانيا جارية في الوقت الراهن؛ ففي الأسابيع الماضية قال ترامب: إن «روسيا بصراحة كانت جيدة فيما يتعلق بأوكرانيا» بينما التقى مبعوثه ستيف ويتكوف بفلاديمير بوتين في موسكو، وأثنى عليه في لقاء متلفز قائلا: إنه «إنساني، وإني أحيي فيه ذلك، وأثني عليه، وأجدد له الشكر».
وإضافة إلى حرب طائشة في الشرق الأوسط واسترضاء في أوروبا يبزغ شبح نظام عالمي جديد سوف يجتهد ترامب من أجل تحقيقه خلال سنتيه الأخيرتين؛ فقد اقترح بوتين قمة تجمعه هو وترامب والصيني تشي شينبنج، وتعقد في الصين خلال الشهر القادم.
من شأن هذا اللقاء غير المسبوق إذا ما تم أن تكون له عواقب مدمرة على بقية العالم؛ فللثلاثة مطامح لتغيير طريقة حكم العالم تقوم جوهريا على تقسيمه إلى مجالات نفوذ. وليس بوسع قمة واحد أن تحول فكرة إلى واقع، ولكنها سوف تلقي بنا على طريق بالغ الخطورة؛ ففي أوروبا سوف يكون لها أثر يتجاوز أوكرانيا إذا ما رفضت الولايات المتحدة المساعدة في حماية البلاد المهددة من روسيا. وفي شرق آسيا من شأن سحب الولايات المتحدة غطاءها الأمني أن يتسبب في مشكلات هائلة لتايوان وكوريا الجنوبية واليابان، وكذلك لأستراليا.
ولقد تكلمنا كثيرا عن نهاية الغرب خلال العامين الماضيين، ولكننا الآن في لحظة يبدو فيها أن كثيرا من هذا المخاوف يتبلور.
واضح لنا منذ وقت طويل أن إدارة ترامب تطمح إلى تقسيم العالم إلى مجالات، وتقف في صف الطغاة على حساب الديمقراطيات. ففي العام الماضي وجهت استراتيجية الأمن الوطني نقدا عميقا لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وشرق آسيا، ولكن ما لم تقله هو الذي كان صادما أشد الصدمة؛ إذ أعفيت كل من روسيا والصين من النقد المباشر. ففي ست فقرات تصف فيها الوثيقة تهديد تايوان لم تذكر الصين مرة واحدة. وفي مواضع أخرى من الوثيقة حظيت الصين بثناء فعلي بوصفها «ثرية وقوية، وتستعمل ثروتها وقوتها لصالحها بشكل كبير». والقسم المتعلق بحرب روسيا في أوكرانيا لم يذكر الطريقة التي بدأت بها الحرب، ولا أشار إلى أن بوتين ينبغي أن يمنى بالهزيمة، بل ركز على كيفية مساعدة الولايات المتحدة لأوروبا وروسيا في إصلاح العلاقة بينهما. ناقشت الوثيقة المؤلفة من ثلاث وثلاثين صفحة أهمية سيطرة الولايات المتحدة على نصف الكرة الأرضية الغربي، لكنها أوضحت أنه ما دامت الولايات المتحدة تنعم بسيطرة اقتصادية فإنها لا تبالي كثيرا بحماية أقسام أخرى من العالم؛ إذ نصت على أن «شؤون البلاد الأخرى تعنينا فقط إذا ما كانت أنشطتها تهدد مصالحنا تهديدا مباشرا». وذهبت إلى أن حلفاء أمريكا لأمد بعيد «قد أغرقونا في صراعات وخلافات هي أساسية بالنسبة لمصالحهم، لكنها هامشية بالنسبة لمصالحنا أو منقطعة الصلة بها».
يمثل هذا بالنسبة لبوتين نجاحا ظل يعمل من أجله قرابة ثلاثة عقود؛ فطالما رأى الدعم الأمريكي للديمقراطية في شرق أوروبا ووسط آسيا «تدخلا» في فناء روسيا الخلفي، والآن لديه رئيس أمريكي يوافقه الرأي. كما أن ترامب قد رفع من شأن بوتين إلى ما لا يستحقه الاقتصاد والقوة التكنولوجية الروسيان.
رحب شي أيضا بانسحاب الولايات المتحدة الخطابي عن شرق آسيا، وبخاصة أنه يتيح للصين قدرا أكبر من السيطرة البحرية على شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي. وقد تحسّن الرأي العام العالمي بشأن الصين مع تراجعه بشأن الولايات المتحدة. ولقد قالت كرستيا فريلاند وزيرة الخارجية الكندية هذا الأسبوع: إنه «لم يكن رئيس أنفع للصين من دونالد ترامب».
والأمر لا يتعلق بمحض السيطرة على الأراضي؛ فالحكومات الثلاث ترى فرصة لزيادة العلاقات الاقتصادية. بالنسبة للولايات المتحدة والصين تتعلق القضايا الأهم بمستقبل السيطرة على سلاسل التوريد الاقتصادية والمنصات التكنولوجية، وتبقى موارد روسيا من الوقود الأحفوري عاملا مهما. والثلاثة لاعبون أساسيون في سباق الفضاء القادم من حيت السيطرة التجارية أو العسكرية. وفي حال شروع هذه البلاد الثلاثة في العمل معا على حساب أوروبا وبقية العالم فإنها سوف تغير طبيعة الجغرافيا السياسية تغييرا جذريا. لقد كان الحديث قبل عقد من الزمن عن عالم متعدد الأقطاب قائما على فكرة أن الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي هي الكتل الأشد قوة، وبطريقة ما حلت موسكو محل بروكسل.
وحتى الآن حاولت بقية الغرب ـ إجمالا ـ أن تتأقلم مع ما يجري. لا يزال الناتو قائما على الورق، وقد تكون قمم مجموعة السبعة ومجموعة العشرين فوضوية، لكنها لا تزال تنعقد. ويشير المتفائلون في وزارة الخارجية بأن ترامب حضر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبأن إدارته لا تزال منخرطة بعمق في أنشطة المنظمة اليومية.
ولقد تحدث مارك كارني عن «شرخ»، ونبَّه إلى أن عالم ما بعد الحرب الباردة القديم لن يكون له رجوع، لكن برغم الكلمات الحماسية من إيمانول ماكرون، وتجدد النقاش حول كيفية حماية أوروبا نفسها بغير الولايات المتحدة، فثمة إحساس بأن الجميع في انتظار أن تنتهي ولاية ترامب. وتأتي قمة القوى العظمى لتزيد من صعوبة تجاهل هذا.
في الوقت الذي يسعى فيه رؤساء الولايات المتحدة إلى النجاح في السياسة الخارجية خلال أشهرهم الأخيرة، يبين لنا التاريخ أن هذا النجاح نادرا ما يتحقق. فمحادثات كلينتن في كامب ديفيد انهارت بعد أن عجز إيهود باراك وياسر عرفات عن التوصل إلى اتفاق. وقد يقول بوش: إن تدخله الأوليّ في الصومال خفف من حدة المجاعة، لكنه انتهى إلى مذلة؛ إذ أدت غارة فاشلة على أحد أمراء الحرب إلى وفاة ثمانية عشر جنديا أمريكا وعدة مئات من الصوماليين. وقد نجحت سياسة أوباما في كوبا وإيران، لكن سرعان مع نقضها دونالد ترامب.
سوف يحظى ترامب بجلسة التصوير التي يريدها ـ ولعله لا يريد سواها ـ، لكن ما من ضمان لأن تصبح ثلاثيته الكريهة هذه بناء جيوسياسيا دائما. لقد أدت سياسة ترامب الخارجية إلى تقسيم حركة ماجا المناصرة له، وأصابت المحافظين بصدمة. حتى أن مجلس تحرير ذي وول ستريت جورنال وصف القمة المقترحة بأنها «قد تكون أسوأ فكرة في ولاية ترامب الثانية». وقد يكون فانس أو روبيو ـ في حال تولي أي منهما الرئاسة ـ أقل استعدادا للمراهنة على الطغاة، ومؤكد أن أوسوف أو أوكاسيو كورتيز ـ في حال تولي أي منهما الرئاسة ـ لن يراهن عليهم.
لكن عدم فوز ترامب لا يعني أن الولايات المتحدة لن تخسر؛ فسوف يصل إلى شنتشن وهو في أضعف لحظات رئاسته. فهو رئيس مغادر للحكم في الثمانين من العمر عاجز عن إجازة أي تشريع، ومهدد بسنتين مضطربتين من التحقيقات في فساده المزعوم. وسوف يكون في مواجهته حاكمين في مطلع السبعينيات من العمر يعتقدان أن الشيء الوحيد الذي يحول بينهما وبين حكم أمتيهما لعقدين إضافيين هو الموت ولا شيء سوى الموت، بل إنهما بناء على مناقشتهما ـ التي أذيعت خطأ ـ حول أدوية إطالة العمر في العام الماضي قد يكونان معتقدين بإمكانية أن يستمرا في الحكم لأمد أطول.
في حالة انعقاد القمة فإنها سوف تعيد بوتين من العزلة، وتعزز وضع شي بوصفه زعيما عالميا لا يمكن تجاهله. وسوف تصبح صورة القادة الثلاثة علامة على هذه الحقبة التي تمزق فيها النظام الدولي القائم على القواعد إربا، وبدأ عهد مضطرب جديد لتكوين نظام جديد.
ستيف بلومفيلد رئيس التحرير الدولي السابق لصحيفة أوبزرفر
الترجمة عن الجارديان
