قدرة أوروبا على المنافسة تستلزم صمودها مناخيًا
25 أكتوبر 2026
25 أكتوبر 2026
لا يوجد مجال للاختيار بين الاستثمار في القدرة على الصمود والاستثمار في القدرة التنافسية؛ فقد أصبح الأمران على نحو متزايد شيئا واحدا. لقد تحولت المخاطر المناخية إلى مخاطر اقتصادية ومسألة أمن اقتصادي.
والبيانات لا تترك مجالا للشك؛ فقد تسببت الظروف الجوية القاسية والأحداث المرتبطة بالمناخ في خسائر اقتصادية بلغت 822 مليار يورو (920 مليار دولار أميركي) في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي بين عامي 1980 و2024. وقد وقع ربع هذه الخسائر خلال السنوات الخمس الأخيرة.
والعواقب التي تخلفها هذه الحال على قدرة أوروبا التنافسية وأمنها الاقتصادي واضحة؛ فشبكات الكهرباء المتضررة من الفيضانات، والمصانع المتعطلة بسبب الحرارة الشديدة، والمزارع التي تعاني من نقص المياه، والمستشفيات التي تواجه ارتفاعا شديدا في درجات الحرارة ليست مجرد مشكلات بيئية؛ فهي تضعف الإنتاجية، وتعطل سلاسل التوريد، وتزيد التكاليف.
لهذا السبب تجعل أوروبا من القدرة على الصمود سمة أساسية في التصميم، فتضع المخاطر المناخية في الحسبان منذ البداية عند تشييد البنية الأساسية، وتخطيط التوسع الحضري، وتنفيذ الاستثمارات التجارية.
لهذا السبب أيضا تعتزم مجموعة بنك الاستثمار الأوروبي -بالبناء على سنوات من الاستثمار في المرونة المناخية- توفير ما لا يقل عن 30 مليار يورو للتكيف مع المناخ بين عامي 2026 و2030، وهو ضعف المبلغ الذي جرى تخصيصه خلال السنوات الخمس السابقة.
وسوف تساعد خطة التكيف الجديدة التي وضعها بنك الاستثمار الأوروبي في تحويل هذا الطموح إلى استثمارات من خلال بناء قنوات مشاريع أقوى، ودعم تكنولوجيات التكيف الأوروبية، وتسهيل الوصول إلى ــ واستخدام ــ المعلومات المالية والمناخية. ومن البنية الأساسية المائية المرنة إلى الزراعة الذكية مناخيا، تحمي هذه الاستثمارات المواطنين والشركات في حين تعمل على تعزيز أسس الاقتصاد الأوروبي.
لا شك أن الاستثمار في المرونة والقدرة على الصمود قبل حدوث الظواهر الجوية القاسية أكثر فعالية من تَـكَـبُّـد تكاليف التعافي بعدها. فكل يورو يُستثمر في الوقاية والتكيف مع تغير المناخ يوفر 10 يورو من الأضرار والإصلاحات. لهذا السبب يجب أن تكون البنية الأساسية مصممة لتتناسب مع مناخ المستقبل، وليس فقط مناخ اليوم.
وهنا تعد الطاقة مثالا جيدا. لا يعتمد أمن الطاقة في أوروبا على سِعة الطاقة النظيفة التي نبنيها، بل يتوقف أيضا على مدى قدرة نظام الطاقة لدينا على تحمل موجات الحرارة، أو الفيضانات، أو حرائق الغابات.
وتعتمد مرونة شبكات المياه، والنقل، والاتصالات على الأمر ذاته.
يجب أن تكون المجتمعات قادرة على صيانة الخدمات الأساسية والاستجابة بفعالية عند وقوع أحداث مرتبطة بالمناخ.
في أثينا يساعد التمويل من بنك الاستثمار الأوروبي في تحديث خدمات معالجة مياه الصرف الصحي لأكثر من أربعة ملايين نسمة في حين يعمل على تعزيز قدرة المدينة على الصمود في مواجهة الجفاف. وفي بولندا دعمت الخدمات الاستشارية التي يقدمها بنك الاستثمار الأوروبي عمليات تقييم مدى تعرض شبكة الطرق الوطنية للتأثيرات المترتبة على تغير المناخ. وفي فرنسا نعمل على دعم تحديث المستشفيات من خلال تجديد المباني القائمة وإنشاء مرافق جديدة أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأعظم قدرة على تحمل موجات الحرارة.
توضح هذه الأمثلة نقطة مهمة: التكيف ليس مسألة إنفاق مزيد من الأموال ببساطة، بل يدور حول الاستثمار بشكل أفضل. لتحقيق هذه الغاية سوف تساعد خدمات الاستشارات التابعة لبنك الاستثمار الأوروبي العملاء في إعداد مشاريع التكيف، ودعم البنوك الشريكة في تحديد وتقييم الاستثمارات المؤهلة للحصول على التمويل الأخضر من مجموعة بنك الاستثمار الأوروبي.
تبدأ قرارات الاستثمار الأفضل ببيانات أفضل. وبالتعاون مع خدمة كوبرنيكوس المعنية بتغير المناخ، نتيح لعامة الناس معلومات محددة حسب الموقع بشأن المخاطر المناخية، ونقاط الضعف، وتدابير التكيف المحتملة.
كما يمثل سد فجوة المرونة في أوروبا فرصة لبناء الريادة الأوروبية في سوق عالمية سريعة التوسع. وسوف يكون الطلب متزايدا على التكنولوجيات التي تعزز المرونة المناخية ــ بدءا من التبريد والري الموفر للمياه وصولا إلى مراقبة المناخ، والطاقة الاحتياطية، والعمليات الصناعية المقاوِمة لتغير المناخ.
الواقع أن تطوير ونشر هذه التكنولوجيات على نطاق ضخم كفيل بتعزيز قوة قاعدة أوروبا الصناعية، وخلق فرص التصدير، والحد من الاعتماد على التكنولوجيات الـحَرِجة ومورديها من أماكن أخرى.
ونحن نتعهد بمساعدة المبدعين الأوروبيين على تطوير هذه الحلول وتوسيع نطاقها من خلال ربطهم بالتمويل، والضمانات الائتمانية، والمشورة.
لا تقف الحجة لصالح اكتساب المرونة المناخية عند حدود أوروبا؛ إذ تواجه البلدان المعرضة للتأثيرات المترتبة على تغير المناخ بعضا من أكبر احتياجات التكيف، لكنها تكافح غالبا لتحويلها إلى مشاريع قابلة للتمويل. وسوف يولي بنك الاستثمار الأوروبي اهتماما خاصا للدول الجزرية الصغيرة النامية وأقل البلدان نموا. وبالتعاون مع المفوضية الأوروبية سوف نساعد في تحويل أولويات التكيف الوطنية إلى مشاريع قابلة للاستثمار.
يجب على أوروبا أن تواصل خفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري وتسريع الاستثمار في الطاقة المنخفضة الكربون والنقل المستدام في حين تتأهب للتعامل مع التأثيرات المناخية التي تحولت بالفعل إلى حقيقة لا يمكن تجنبها.
هذه الأهداف تعزز بعضها بعضا؛ فتدابير كفاءة الطاقة تقلل من فواتير الكهرباء والانبعاثات بينما تحمي الناس من الحرارة الشديدة.
يجب أن تكون الاستثمارات التي ننفذها اليوم جاهزة لتحمل مناخ الغد. وبناء القدرة على الصمود كفيل بتعزيز قدرة أوروبا التنافسية، ودعم فرص العمل، وحماية الصحة والطبيعة، وإتاحة فرص جديدة للتكنولوجيات والأسواق. إن أوروبا القادرة على المنافسة يجب أن تكون أوروبا القادرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
أمبرواز فايول نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي.
خدمة بروجيكت سنديكيت
