سفينة الرجل الأبيض وسيارته
25 أكتوبر 2026
25 أكتوبر 2026
الثلاثاء، 2 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
(1)
عصرًا، وأنا أقود السيارة موصلًا آني إلى منزلها كنت أتفكر في الأميال القليلة والحيوات الكثيرة التي تفصل بين الهواء، والسماء، والسيارات، والجسور، والأشجار، والابتسامات، والبقَّالات، ومحال بيع الورود والزهور، وبالونات الاحتفالات الملوَّنة، وبين الزنازين الواقعة في الجانب الشرقي من الشارع السابع.
حين يفكر المرء في هذا بالتَّعمق الكافي فإن الجنون يغدو احتمالًا غير بعيد بالمرة.
كل شيء كذبة كبرى، وعنف بالغ وركيك.
كل ما نفعله (ويفعلونه) هو قمع الجنون، منعه، لأنه لو حدث...
الأربعاء، 3 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
كل حريَّة، أبسط حريَّة، بما في ذلك التَّمشي حول مربَّع البنايات التي تقع شقّة سكني في إحداها في وقتٍ أبكر من هذه الليلة لَفِعْلُ انتصار على السُّلطة. طبعًا، هذه الحريَّة لا تكفي، لكنها هامَّة وجوهريَّة. حين يفكر المرء في نضالات الأمريكيين السُّود من أجل أن «يحق» لهم ارتياد المطاعم، وركوب حافلات النقل العام، والشرب من نفس ثلاجات المياه التي يشرب منها البيض، أو حين يفكر المرء بالنضالات التي خاضها العُمانيون كي «يحق» لهم ارتداء النَّظارات الشمسية، وعدم الاضطرار لحمل فوانيس بعد غروب الشمس في مُدَيْنَةٍ محاطة بالجبال وسور مقفول البوابة، واقتناء أجهزة الراديو، والحصول على جوازات سفر، فإن الحرية تتبدى باعتبارها فكرة بسيطة جدًا، وباهظة جدًا.
ينبغي التَّفكر في ذلك.
الخميس، 4 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
تتقيَّح أمريكا في صندوق بريدي، ويتفصَّد صديدها النَّتن: طنُّ رسائل من مكاتب قانونيَّة ومحامين ينبئونني فيها بأنه «نمى إلى علمهم» (هكذا، بمحض المصادفة، بالتأكيد)! أنه ألقي القبض عليَّ مؤخرًا بسبب «مشكلة مع القانون» (هؤلاء قوم صريحون لا يريدون أن يضحكوا عليك، بل يفضِّلون مصارحتك بحقيقة الموقف، ولذلك فإنهم لا يستخدمون تقنية «الاستبداليَّة اللبقة» (euphemism) في تسمية الأشياء، بل إن حصافتهم تجعلهم ينظرون إلى الأمور من موقع حكمة يسهِّل عليك فهم المُلِمَّات والتَّعاطي معها؛ فقد كتب إليَّ أحدهم قائلًا بلغة تعزية: «في بعض الأحيان تحدث أشياء سيئة لأناس طيبين»، ولعمري فإن هذا المنطق الأمريكي خيرٌ من كل ما نُقل عن سقراط. وأنهم -- أي أولئك المحامون -- يتعاطفون معي كثيرًا، ويقدِّرون قلقي (يا الله، ما أرق قلوبهم)!، ويخافون على مستقبلي (يا إلهي، ما أنبلهم)!، وأنهم على أتم الاستعداد «للمساعدة» (وهل هناك شهامة أكبر من هذه)؟!، وأنهم، كذلك، في بالغ الاستعداد «لتقسيط» المبلغ الذي يتوجب عليَّ دفعه، والذي «في معظم الحالات» لن يكون كبيرًا، وهو، في كل الأحوال أقل بكثير من المبالغ التي يتقاضاها نفر من زملائهم السيئين. ذكروا في رسائلهم مؤهلاتهم العالية وخبراتهم الطويلة العريضة الكفيلة بضمان حكم البراءة حتى لقتَّال القتلى ورئيس عصابة مصَّاصي الدِّماء شخصيًَّا، لدرجة أني حدست أن بعضهم كانوا أعضاء في فريق الدفاع عن الكابتن الأمريكي رِتشرد جي آشبي الذي يرجع له الفضل اليوم في صدور حكم البراءة بحق ذلك الطيَّار الحربي الذي سحق عشرين متزلجًا على الثلج في إيطاليا في الثالث من مارس/ آذار من العام المنصرم. ولا شك أن بعض هؤلاء المحامين الأجلاء القديرين هو من قدَّم مداخلات ومرافعات أدت بالضرورة إلى اقتناع القاضي، في هذا اليوم تحديدًا، بتخفيض مدة عشر سنوات سجن من محكوميَّة الدِّكتاتور البنمي البائس والمضحك مانويل نورييغا مكافأة له على تعاونه مع الحكومة الأمريكية حين كان في السُّلطة في بلاده، حيث عمل موظَّفًا يتقاضى راتبًا معلومًا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مقابل خدماته. أما أحد أولئك المحامين الجهابذة فإنه يفخر، في إغراءاته لي بأن يتولى قضيتي، أن جورج بش الابن قد اختاره ضمن فريق مهم لإعادة كتابة قانون ولاية تكسَس. ومحامٍ آخر بعث لي بطاقة شبيهة ببطاقات «الفيزا» و«الماستركارد»، لكنها بطاقة تعريفيَّة صادرة من مكتبه وعليها اسمي (بهجاء حروف صحيح تمامًا) كي أطلبه هاتفيًَّا وقتما أشاء إن احتجت، أو احتاج أيٌّ من أفراد عائلتي لأي «مساعدة» (أظن أنني سأختار هذا المحامي القدير؛ فشكل البطاقة جميل ورزين للغاية، هذا إضافة إلى أن صاحب القلب الكبير هذا لم ينسَ أفراد عائلتي الذين لم يُعِرهم المحامون الآخرون أدنى التفاتة، فيا لهم من أفظاظ غلاظ القلوب)!
كم على أي أحد أن يكون ملحًا لهذه الأرض الفاجرة؟
الجمعة، 5 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
(1)
تواصل أمريكا تقيؤها في صندوقي البريدي: مزيد من رسائل المحامين، وعروض «المساعدة»، والتعبير عن «القلق بشأني».
(2)
ظهرًا، في مركز المدينة، مع [...] لقضاء أعمال تخصها. تناولنا الغداء في مطعم مكسيكي، ووجدتنا، بالمصادفة، قرب LOVEJOYS في الرابعة مساء، ساعة يفتح بابها في كل يوم. كنَّا أول من يدخلها. طلبنا قهوة. وحين بدأ الرُّواد يتوافدون طلبت من [...] أن نغادر المكان على الفور.
(3)
عند الغروب، أقرأ إن منظمة العفو الدولية تتهم أمريكا بانتهاك حقوق الإنسان؛ حيث تتعرض نزيلات السجون الأمريكية للاغتصاب، هذا ناهيك عن الألفاظ النابية، والمعاملة المهينة عمومًا، وحيث تُسَهِّل القوانين السجنيَّة وصول المساجين الذكور إلى أماكن يشاهدون منها السَّجينات عاريات.
(4)
مساء، مكالمة من سالم آل تويَّه، صديقي الموجوع.
(5)
ليلًا، كنت في غاية الضَّجر وغير قادر على الدراسة، ولذا ارتأيت مشاهدة فيلم على الفيديو. لكن جاءتني رسالة إلكترونية من جون داوننغ أرفق بها بحثًا سيقدمه في مؤتمر بالمغرب الذي سيسافر إليه في صباح الغد، ويطلب ملاحظاتي عاجلًا [...]. كنت في مزاج سيئ للغاية، وارتأيت شراء بعض الأغراض من سوبرماركت HEB القريب. لدى وصولي بالسيارة إلى البوابة عند مخرج البناية التي أقطن فيها تمهيدًا للدخول في شارع Hart Lane رأيت سيارة شرطة وهي تدخل إلى المجمَّع السكني ببطء شديد ارتبتُ فيه؛ فقد كان يبدو الأمر وكأنه تسلُّل. كانت سيارة الشرطة البيضاء تزحف «مثل أفعى» (وهذه صورة تحتفظ بها من قراءتي رواية «ولَّى عهد الراحة» لتشِنوا أتشيبي التي تصف فيها إحدى الشخصيات سفينة الرجل الأبيض، وهي تمخر عباب البحر، بأنها تفعل ذلك مثل أفعى تزحف على العشب، ولا أعرف لماذا قرنتُ السيَّارة بالسَّفينة).
لم أدخل إلى الشارع، بل أدرت سيارتي نحو اليمين لأكون من جديد في المجمع السكني. تعقبت سيارة الشرطة من مسافة احترازيَّة، وتوقفت في الموقف الخاص بسيارتي، وأطفأت الأضواء. أنا الذي أراقبهم هذه المرة، ويجب على كل مواطن صالح في أي مكان من العالم ألا يتهاون أبدًا في مراقبة الشرطة وإبلاغ الرأي العام فورًا بأيٍّ من مخالفاتها. كانت سيارة الشرطة البيضاء قد توقفت أمام المبنى المجاور الذي يقع وراء المبنى الذي أسكن فيه في نفس المجمع. لبثت في سيارتي في الموقف البعيد نسبيًا أرقب ما يحدث وقد صمَّمت على ألا أبرح مكاني حتى يغادروا. في أثناء لبثي أردت أن أشعل سيجارة، فمددت يدي إلى جيب البنطلون الأيمن الذي أضع علبة السجائر فيه عادةً، ولم أجدها، فمددتها إلى الجيب الأيسر الذي من عادتي أن أضع فيه المحفظة، وهناك وجدت علبة السجائر. لقد وضعت علبة السجائر في الجيب الأيسر ظنًَّا مني، في العجلة وتشتت الذهن، أنها المحفظة. إذًا، فقد كان واردًا أن أسوق سيارتي في الشارع، ليس من دون رخصة قيادة فحسب، بل من دون وجود أي إثبات للهويَّة! حسن جدًا أني شاهدت «سفينة» الرَّجل الأبيض قبل فوات الأوان. ترجَّلت من السيارة وصعدت إلى الشقة وأخذت المحفظة. وحين عدت إلى سيارتي كانت سيارة الشرطة قد انصرفت.
لقد وثقت دومًا بـ«البارانويا». وما حدث الليلة، بمفارقته، دليل موضوعي تمامًا على صحتها وصحيَّتها: عاشت الأشياء غير الطبيعية!
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
