أن تنأى بنفسك..
23 أكتوبر 2026
23 أكتوبر 2026
نرتبط بكل ما يدور حولنا في الحياة ببعدين مهمين: البعد الفيزيائي (البيولوجي المباشر) والبعد المعنوي الذي (تحتكره النفس) فتسمح بشيء منه ليعبر عن ذاتها، وتحتكر الكثير لتجد فيه المساحة الآمنة للتحرر من كثير من القيود في عالم الفيزياء، وما بين البعدين علينا أن نكون حذرين في أن نقع في كثير من الإشكاليات التي نواجهها مع أنفسنا، ومع الآخرين من حولنا.
أتفق كثيرا؛ مع من يقول لا يمكن للمرء أن يعزل نفسه عن محيطه؛ مع أن العزلة توفر لك مساحة كبيرة في النأي بنفسك عن الوقوع في كثير من المشاكل، ولكن حلا لهذه الإشكالية، يمكن للفرد أن يوسع المساحة الفاصلة بينه وبين الآخرين من حوله، فهو بذلك لا ينفصل انفصالا منقطعا عن محيطه، ولا هو مغرق نفسه في كل شاردة وواردة بما يدور حوله، حيث يمسك العصا من منتصفها، وبذلك يمكن أن يحقق شيئا من هذا التنائي بالنفس عن الوقوع في براثن الأخطاء، أو الضرر بالآخرين من حوله؛ لأن كثيرا من اجتهادات الناس لا تستحق أن تستنزف لها عواطفك ومشاعرك لأجل إرضائهم، فأنت أيضا عندك قضاياك ومشاكلك التي عليك أن تواجهها بنفسك، لا بالآخرين من حولك، و»خير الأمور يا فتى أوسطها».
يأتي المكون الأخلاقي كأهم ميزان في الثبات، أو الضياع في شأن أن ننأى بأنفسنا عن كثير من الإشكاليات التي تحيط بنا، مع أن هذا المكون هو ذاته بتكون من ذات البعدين (الفيزيائي/ المعنوي)؛ لأنه في لحظة انتشاء - كما يحدث كثيرا - ننسف بهذا المكون ونقع في المحظور، وفي لحظة تحفظ متزنة نرتقي ببعديه (الفيزيائي/ المعنوي) إلى مصاف الأنفس التي تتسامى بهذا المكون؛ الذي يحول دائما دون الانزلاق نحو التموضعات المحظورة، وهو ما يسمى بـ (ضبط النفس) حيث يرى فيه عدالة السلوك، وقوة الشخصية، وهو من العوامل المهمة في النأي بالنفس عن كثير من الإشكاليات التي يمكن أن يقع فيها الفرد.
ينقل عن المفكر الإسلامي على عزت بيجوفيتش -الرئيس البوسني السابق - قوله: «كل قوة في الكون تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي» والسؤال: هل هذه المعادلة صعبة؟ ما يحدث أن ما بين الثقة ونقيضها (الشك) خيط رفيع، وكلاهما خاضعتان لنفس المبدأ (الفيزيائي/ المعنوي) ففي لحظة ما نُقَيِّمُ أنفسنا على أننا على ثقة تامة مما نحن مقبلون إليه سواء فعل، أو قول، وفي لحظة مغايرة يتلبسنا الشك والريبة والتردد، فنعود إلى حيث المربع الأول، ونهادن أنفسنا على أننا لسنا في حاجة لأن ندخل هذا المعترك أو ذاك، وعلى قول المثل الشعبي: «ابعد عن الشر وغنِّ له» مع أن صواب القول ينص على: «الساكت عن الحق شيطان أخرس» وإن اصطدم هذا المبدأ بمقولة: «لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك».
يقول سقراط - كما يروى -:» الإخلاص فعل خفيّ، لا رقيب عليه إلا الضمير!!» - انتهى النص - والضمير شعور معنوي بامتياز، ويكون أثره المادي في حالة أن تكون بين خيارين أحلاهما مر، فإما أن تذهب لما تهواه الأنفس (والنفس أمارة بالسوء) وإما أن تنحاز إلى شخصيتك وسمعتك ومكانتك حيث بعدك المادي الحاضر بين الوسط الذي تعيش فيه، وهنا يبدو من الصعوبة بمكان الاستسلام المطلق لقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى: «ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم»
فالمصانعة في كثير من حالاتها تتناقض مع الضمير، وتورد النفس موارد الهلاك، بل وتفضي في نهاية الأمر إلى الذل، واستهانة الآخرين بذات الفرد، حيث يوصف بأنه «مع كل ناعق» ليس له مرجعية يتكئ عليها، وتوفر له شيئا من الحماية المادية، أو المعنوية، أو كلاهما.
وأجَّلُ الختام يقول الله عز وجل: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا- سورة الفرقان: 63.
