اذكروا محاسن متقاعديكم

24 أكتوبر 2026
24 أكتوبر 2026

المُتقاعد أو «الميتُ قاعدًا»، هو شخص فائض عن الحاجة، منتهي الصلاحية، يقضي جُلّ يومه في عراكات وشجارات لا تنتهي، تبدأ مع الزوجة، وتمتد لتشمل الأبناء والجيران، وممن يصادفهم في الطريق، ومع «الهواء السابح في الفضاء».

هكذا يُعرِّف البعض المتقاعد ظلمًا وتندرًا، وتُلصق به صفات لا تليق بشخصه وبماضيه المهني، وتُؤلَّف فيه الحكايات والأفلام بغرض السخرية، فهو -بحسبهم- إنسان مزعج يصحو باكرًا، ويبدأ يومه بإيقاظ زوجته دون هدف، ثم يشرع في مناكفتها، ويُطفئ المكيفات عن النائمين، وفي الخارج لا يسلم من شره أحد.

يُنعت المتقاعد بأنه «نسوانجي»، و«مراهق كبير»، و«شوقر دادي» لا يُفتقد أثره في المولات التجارية، ومصدر لكثير من المشكلات ببلدته. فراغه الكبير يدفعه للظهور على منصات التواصل الاجتماعي، فيظهر مثيرًا للشفقة، منفصلًا محتواه عن الواقع، وصيدًا سهلًا لسهام التنمر؛ فهذا يطالب بالبحث له عن وظيفة في الصحراء، وذاك يقترح أخذ الهاتف من بين يديه.

يعيش المتقاعد حالة من الشعور بالإقصاء، بدايةً بسقوطه من ذاكرة مؤسسته، حيث يجد نفسه بلا أوامر تُنفذ، ولا نصائح تُقبل، ولا أفكار يطرحها فتُفعّل، مرورًا بعدم تفهم أسرته والمجتمع المحلي لحالته النفسية، مما يدفع ببعضهم للدخول في صدامات متوالية لا تهدأ.

يُعاني المتقاعد من الشعور بالإهمال، لكن أحدًا لم يسأل نفسه يومًا: لماذا يصل به الحال إلى هذه الدرجة من الإحباط؟ أين هي المؤسسات والجمعيات والأندية المؤهلة لاحتوائه؟ لماذا لا تُصمم للمتقاعدين برامج متخصصة تساعدهم على اجتياز صدمة ما بعد التقاعد بسلاسة؟

إن من أهم الإشكالات التي يُعاني منها كثير من المتقاعدين «الفراغ»، بسبب غياب الاهتمامات، إضافةً إلى افتقاد ميزات تعينه على الحياة بصورة أفضل، كالتأمين الصحي، والإعفاء من بعض الضرائب، ودعم معاشات التقاعد، والحصول على التخفيضات التي تخص خدمات أساسية، كالكهرباء والماء، وتلك التي تتصل بالتسوق وارتياد أندية اللياقة البدنية وتذاكر السفر.

النقطة الأخيرة..

يقول الأديب والمفكر المصري نجيب محفوظ:

«التقاعد فرصة لتأمل الرحلة، وليس للتوقف عن المسير.. الروح لا تتقاعد».

عُمر العبري كاتب عُماني