عندما تلقّينا خبر اعتزام الإدارة الأمريكية إعدام نضال مالك حسن، الضابط السابق في الجيش الأمريكي، والمدان بقتل 13 شخصا في قاعدة فورت هود عام 2009، رميا بالرصاص وبثّ عملية إعدامه على الهواء مباشرة، حدّقنا في وجوه بعضنا بعضا، ونحن نجلس في صالة بيتنا، وارتسمت على وجوهنا ملامح من البلاهة، أو ربما الصدمة، لم أعد أستطع التمييز بينهما.
ثمة شيء يقمع الصدمة في داخلنا، كما لو أنها استجابة غير منطقية، أو لم تعد مشروعة بعد كل ما شهدناه خلال ثلاث سنوات من الإبادة، وسنوات من التهجير القسري في أنحاء العالم، واختطاف مهاجرين قضوا عقودا من حياتهم في البلاد وأنجبوا أبناءهم فيها، ثم ترحيلهم دون محاكمات وبعد إعلان أحزاب نازية رغبتها في الحكم.
وبعد السجون التي يُودَع فيها طالبو اللجوء، بينما يحاولون إثبات أنهم قادمون من مناطق منكوبة، وأن حياتهم مهددة بالخطر، فيما يكون الذين يهددون حياتهم هم أنفسهم من يُفترض أن يتولّوا حمايتهم والبتّ في مصائرهم. لا أستطيع عدّ الفظائع، لكنني أراقب تراكمها حتى يصبح السهو عنها حتمياً.
كتبتُ عن الكيفية التي أصبحت بها الوقاحة جزءاً بنيوياً من الممارسة السياسية، لا أسلوباً طارئاً عليها، ولا سلوكاً عارضاً أو غير منهجي. بل على العكس من ذلك، فبقدر ما يجري تصميم الإجراءات الفظيعة والشريرة، والتخطيط لها وتنظيم تنفيذها، يجري توظيف الوقاحة بالقدر نفسه من القصد والمنهجية.
بعد لحظات من سماع خبر الإعدام العلني قلتُ: هل علينا أن نستدعي ميشيل فوكو، ليضرب كفاً بكف، ساخراً من المصير الذي آلت إليه أطروحته عن تاريخ العقاب والسجون والمؤسسات التأديبية؟ ماذا تبقّى من ذلك التحول التاريخي الذي تتبّعه، من التعذيب والإعدام بوصفهما مشهداً علنياً تستعرض فيه السلطة سيادتها على الأجساد؟ وتذكرتُ أن عليّ فهم منطق السلطة، وقدرتها على التحول عندما تفقد السيطرة، تتلوى وتتشكل من جديد.
لكنني قررتُ أن أختبر نفسي عند كتابة هذا المقال. تُرى، ما الذي كنتُ أشعر به حينها؟ هل كان ثمة قدر من السخرية، وإن كانت قاتمة؟ هل كان ثمة فرح خفيّ مصدره أن الأشياء تنكشف يوماً بعد يوم، وتطفو على السطح، فيسهل علينا تمييزها، وتتأكد معها خرافاتنا عن المؤامرة؟ هل كان ثمة شعور بالفرح نابع من رغبة تدميرية يغذّيها الغضب الأخلاقي مما آلت إليه أحوالنا؟ ربما لن أستطيع التصريح بذلك علناً، ومع ذلك، هأنذا مستعدة للمحاولة الآن، بينما أكتب/أختبر نفسي من خلال الكتابة. بعد قليل من التفكير، يبدو أنني مذعورة.
كبرتُ على عدم تفضيل الأدب الديستوبي. لم تغرني الروايات التي تصمّم عالماً تحكمه شيفرة واحدة، مهما بلغت براعتها في بناء ذلك العالم وإحكام قوانينه. أحببتُ بعضها بسبب طريقة كتابتها، لكنني ظللتُ أنفر من عوالمها.
ربما سيتحسّس بعضكم مسدسه إذا سمع أنني لا أحب ساراماغو مثلاً في بعض أعماله. قرأتُ له «العمى» و«انقطاعات الموت»، وكان هنالك قدر من الضيق يترافق مع التفكير المجازي الذي يحيل القارئ إلى فهم فكرة مجردة من قبيل أننا عميان بطريقة ما، وعلينا أن نواجه ذلك، لكن ربما سنصبح وحدنا من يستطيع النظر وإدراك ما يحدث من خراب.
في رواية «نحن» للروسي يفغيني زامياتين، نجد عالماً محكماً إلى حدّ أن الحياة فيه تخضع لتنظيم شامل، حتى إن الخصوصية مستحيلة، ويصبح اختراع أي قدر من المشاعر الخاصة أو الغموض فعلاً ينطوي على التمرد.
وفي «شرطة الذاكرة» لليابانية يوكو أوغاوا، تختفي الأشياء من العالم، وتختفي معها ذكرياتها من أذهان الناس، فيما تتولى سلطة مراقبة ما ينبغي أن يُنسى، وملاحقة أولئك الذين ما زالوا قادرين على التذكر.
ثمة شيء يزعجني في هذه العوالم التي تُصمَّم لتكون محكومة بمنطق واحد، ثم تُترك الشخصيات لتعيش داخل نتائجه.
ومع ذلك، أحببتُ رواية «المعالجة بالماء» لصوفي ماكينتوش، التي تدور حول ثلاث شقيقات يعشن مع والديهن في مكان معزول عن العالم، يخضعن لطقوس علاجية قاسية يُفترض أنها تحميهن من أخطار العالم الخارجي، ومن الرجال على وجه الخصوص.
أحببتُ الطريقة التي تظل بها حقيقة ذلك العالم غامضة، فلا نعرف إلى أي حدّ يمكن الوثوق بما تقوله الشخصيات عنه، وما إذا كانت الأخطار التي يُفترض أن العزلة تحميهن منها موجودة بالفعل، أم أنها جزء من نظام السيطرة الذي نشأن في ظله.
هنا لا يُقدَّم العالم الديستوبي بوصفه حقيقة مكتملة، وإنما بوصفه معرفةً مرتبكةً ومحدودةً، تتشكل داخلها مشاعر الشخصيات ورغباتهن ومخاوفهن.
أفكر الآن أنني أعيش في واحدة من تلك الروايات الديستوبية، في عالم محكم، تُسيّره قواعد بسيطة، يصبح فيه الأحمق قائداً للعالم، ويجري التطبيع مع ذلك كله، على اعتبار أننا بلغنا اللحظة القصوى، ولم يعد أمامنا سوى أداء أدوارنا، فاقدين للعزيمة والفاعلية.
كأن يُقال لك إن أباك قتل أمك، فتنظر ببلاهة أيضاً وتقول: وماذا يعني ذلك؟ هذا طبيعي، ماذا بعد؟ هل ثمة خبر أكثر جدةً؟ وهل بقي شيء يمكن أن يفاجئنا أصلاً؟ لقد أصبحنا نخون بعضنا بعضاً على الملأ، ونتخلى عن بعضنا على مرأى من الجميع، كما لو أن اتفاقاً ضمنياً قد انعقد على أن على كل فرد أن ينقذ نفسه، وأن المنافسة الشرسة، مهما كانت نتائجها على الآخرين، هي السلوك الأكثر عقلانية وقابليةً للفهم.
وفي مفارقة أخرى، جاء إعلان جائزة نوبل للسلام في التاسع من أكتوبر 2026 ليعيد طرح السؤال نفسه. فقد اختارت اللجنة القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، التي أمضت عقوداً في الدفاع عن حقوق الإنسان وتطوير آليات العدالة الدولية، وترأست لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
وفي تعليقها على فوزها، استحضرت بيلاي ردود الفعل على تقرير اللجنة، مستغربةً أن تُقابل نتائجه بالإشادة بشجاعتها، وسألت: «لماذا يحتاج المرء إلى الشجاعة ليقول الحقيقة؟». وفي اليوم نفسه، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نشر انتقادات حادة لاختيارها، قبل أن يهاجم اللجنة بنفسه، فيما أعلنت واشنطن فرض عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية.
يبدو لي أن سؤال بيلاي يعبّر أيضاً عن الارتباك نفسه الذي ظل يلاحقني وأنا أكتب هذا المقال، وعن تلك اللحظة التي نلوّح فيها بأيدينا، كمن يحاول لفت الانتباه إلى أمر ظاهر أمام الجميع، ونسأل: أليست هذه هي الحقيقة البديهية؟ لماذا نحتاج إلى الشجاعة لقولها؟ وكيف أصبح الاعتراف بما يحدث أمام أعيننا موقفاً استثنائياً يستدعي الإشادة، فيما يُعامل إنكار الحقيقة أو الالتفاف عليها بوصفه سلوكاً عادياً ومفهوماً، بل وربما أكثر عقلانية؟ أفكر في أن الوقاحة التي تحدثت عنها ليست منفصلة عن هذا التحول، فهي لا تكتفي بإعلان الفظائع على الملأ، وإنما تجعل من الاعتراف بها فعلاً محفوفاً بالمخاطر، ومن قول الحقيقة بطولة أخلاقية.
كأننا وصلنا إلى عالم لا يعود فيه السؤال عما إذا كانت الأشياء تحدث بالفعل، وإنما لماذا ينبغي لنا أن نقول إنها تحدث، وماذا سنجني من قول ذلك، وما الثمن الذي قد ندفعه؟
الأكثر إثارة للرعب أن هذه الأسئلة، بكل ما تنطوي عليه من حسابات، تبدو لنا معقولة تماماً، بينما أتمسك بذعري مثل القابض على الجمر.