مكة وأدب الرحلات
19 أكتوبر 2026
19 أكتوبر 2026
مثّل الحج والعمرة أهم الدوافع التي أسهمت في ظهور أدب الرحلة العربية، نظرا لرغبة الحُجّاج في وصف تجاربهم الشخصية وسرد معارفهم للأمكنة والأمصار التي مروا بها، ولذلك كانت الأراضي المقدسة: مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس، من أهم الوجهات التي يشدّ إليها المسلمون الرحال من مختلف الوجهات، ونتج عن ذلك تدوين العديد من الرحلات، ومن أبرزها رحلة المغربي محمد بن عبدالله اللواتي الطنجي ( 1304-1368) المعروف بابن بطوطة، الذي يُعد أول من سرد رحلته عن الحج في كتابه المعروف «تُحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأمصار»، والتي كتبها في نهاية العام 1353م، بإيعاز من السلطان أبي عنان فارس (1329-1348) أحد سلاطين الدولة المرينية في المغرب الأقصى، وسردها على الكاتب الأندلسي ابن جزي الكلبي (1294-1340)، والذي كتبها في غضون سنتين في مدينة فاس عاصمة دولة بنو مرين حينئذ.
تزخر الذاكرة الشفهية بالعديد من القصص عن الرحلات الفردية التي انطلقت من ظفار إلى الأراضي المقدسة، وكانت جل الرحلات مشيا على الأقدام، إذ لم تكن وسائل النقل متاحة ولا الظروف مهيأة لأداء فريضة الحج، ونظرا لصعوبة المهمة فقد استغرقت رحلة الحج من ظفار إلى مكة عامين، كما تقول الروايات الشفهية، التي تروي أيضا توافد مجموعات من الشرق ينزلون بالبر العُماني ثم يسلكون طرقا برية إلى مكة، وقد أطلق عليهم الحجاج، ونظرا لملابسهم البيضاء، فقد أطلق عليهم تسمية الحجاج، وأغلب الظن أنهم من الهند أو من شرق آسيا.
ضمن إطار موضوع الرحلات إلى مكة، أود الإشارة إلى الرحلة التي قام بها مؤخرا الرحّال بخيت بن سالم بن محمد العمري ووثقها تحت عنوان «رحلة ليست ككل الرحلات»، والتي انطلقت في 1 يناير 2024 من مدينة صلالة وانتهت في مكة، واستغرقت الرحلة حوالي (52) يوما.
تكمن قيمة الرحلة التي قام بها الرحّال بخيت العمري والتي شاركه فيها الرحال عبدالله هبيس الكثيري، في أنها أول رحلة على الأقدام تنطلق من ظفار إلى مكة في الألفية الثالثة، علاوة عن توثيق سيرها بالصور والتفاصيل وذكر المناطق التي مر بها الرحالان، وكرم وضيافة الأهالي في كل المدن والقرى المذكورة في الرحلة.
كانت الرحلة التي بدأت بفكرة تقدم بها العمري إلى المديرية العامة للثقافة والرياضة والشباب بمحافظة ظفار خلال العام 2023م، تحديا ومغامرة في حد ذاتها نظرا للظروف الجيوسياسية في المنطقة، لكن بعض الصعاب تغلبها العزائم، وتتحقق الأماني ببلوغ الغايات المطلوبة.
كنتُ مطلعا على رحلة بخيت العمري منذ أن كانت فكرة طرحها صاحبها على موسى بن عبدالله القصابي مدير عام المديرية العامة للثقافة والرياضة والشباب بمحافظة ظفار. وانطلاق الرحّال من مقر المديرية الكائن بمجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه.
تطرح رحلة «رحلة ليست ككل الرحلات» عدة أفكار لإقامة ندوات وبرامج ثقافية كندوة «الحج في الكتابات العمانية»، إضافة إلى خطط لرحلات استكشافية تنطلق من مدينة صلالة إلى مكة مرورا بالعديد من المدن والمحافظات اليمنية والسعودية، لتعميق أواصر الصداقة والعلاقات، وإعادة إحياء طرق القوافل البرية المنطلقة من ظفار، والمعروفة بطرق اللبان.
