عُمان بعيونهم
عبارة كارليل، وهو من أبرز كُتّاب بريطانيا في القرن التاسع عشر، قالها في زمن ازدهار التدوين الأوروبي عن الشرق، وتحمل في مضمونها دعوة للكتّاب والأدباء والرحالة إلى الكتابة والتدوين؛ لأن ما يُكتب سوف يبقى شاهدًا على تاريخ الإنسانية وجغرافيتها وعادات أهلها وتجاربهم.
وقد ازدهرت كتابات الرحالة والكتّاب الأوروبيين، ومنهم البريطانيون، عن الشرق خلال القرن التاسع عشر، واستمرت في القرن العشرين حين أخذ كثير منهم يجوبون البلدان العربية، ويدونون مشاهداتهم فيها. ولعل هذا يفسر جانبًا من وفرة الكتب والمراجع الأوروبية عن المنطقة العربية في تلك الفترة.
وبالعودة إلى ما كتبه البريطانيون عن عُمان نجد أن كتاباتهم تنوعت بين الوصف العام للبيئة والتضاريس وحياة السكان، والتدوين الرسمي كما في «دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية» الذي أعده جون غوردون لوريمر، وصدر قسمه الجغرافي والإحصائي عام 1908، ثم قسمه التاريخي عام 1915، وبين كتب الرحلات التي سجل أصحابها تجاربهم في التجول داخل عُمان أو عبور الربع الخالي، وهذا ما أحببت التركيز عليه في هذا المقال.
ولن أخوض في سرد الكتاب وتفاصيله؛ لمعرفتي أن كثيرًا منكم قد اطلع عليه أو قرأه، لكن ما يشدني فيه أن وصف الصحراء لا يطغى على وصف أهلها. فتقرأ عن مشقة الطريق وقلة الماء، وتتعرف أيضًا على رفاقه، ومنهم سالم بن كبينة وسالم بن غبيشة، وعلى المعرفة التي مكنتهم من السير في أرض قد تبدو للقادم إليها متشابهة المسالك.
وقلت حينها إن للكتاب قيمة حضارية ومعرفية تتجاوز حكاية الرحلة نفسها بما حفظه من تفاصيل عن البلاد وأهلها في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي. ولئن كان ثيسجر قد أخذ قارئه بأسلوبه الأدبي الشيق فإن توماس اقترب في كتابه من التوثيق والتحليل العلمي، وهو اختلاف يمنح قراءة الكتابين معًا متعة ومعرفة أوسع.
واستمرت الرحلة نحو شهر، انتقل خلاله الفريق بين بيئات عُمانية متنوعة؛ بهدف التعريف بما تزخر به البلاد من تنوع طبيعي، وتسليط الضوء على جهود حماية البيئة والاستدامة، وإشراك الشباب في التعرف على هذه الثروات والمحافظة عليها.
وهكذا عاد إيفانز إلى طريق قديم، لكنه حمل معه أسئلة الحاضر عن مستقبل البيئة ودور الإنسان في حمايتها. وتأتي جهود الباحثين العُمانيين من الأكاديميين والمهتمين، وجهود الجمعيات المعنية بالعلاقات بين سلطنة عُمان وبريطانيا، والمبادرات التاريخية والثقافية المشتركة، لتعيد تسليط الضوء على هذا الإرث من خلال ترجمة الكتب ودراسة ما كتبه ودوّنه الرحالة البريطانيون عن عُمان، وإقامة الندوات والنقاشات حوله.
ومن الأمثلة على ذلك دراسة الدكتور هلال الحجري للكتابات البريطانية عن عُمان خلال الفترة من 1800 إلى 1970 التي تناول فيها صورة البلاد وأهلها وثقافتها في كتب الرحلات والمذكرات والرسائل. وهي جهود تساعد القارئ على فهم هذه الكتابات والظروف التي أنتجتها، وتفتح المجال لقراءة التاريخ المشترك من زوايا متعددة.
كما أسهمت إصدارات هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية عن العلاقات العُمانية البريطانية في إتاحة دراسات ووثائق تعين على فهم مراحل هذه العلاقة. وكلها أعمال تمنح التاريخ حضورًا متجددًا، وتتيح لأجيال اليوم التعرف على ما جمع البلدين عبر القرون.
