عن الإبادة

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026

كان الطيران الحربي المعادي قد استولى على سماء القطاع مع حلول الظهيرة، لكننا لم نفكر في استخدام كلمة «إبادة» في البداية. إذ كان أقصى شيء يمكن التفكير فيه هو الحرب، الحرب بمعناها العام والكارثي الذي نستعيده من مشاهد الحروب المكررة على غزة المحاصرة منذ ولدنا. وهكذا سرعان ما بدأنا نقارن المشهد الأولي بالحرب الأخيرة التي اندلعت في مايو عام 2021، لأنها كانت أسهل الصور الجاهزة للخيال وأقربها. فحتى الساعات الأولى من ذلك اليوم، كانت الحرب كلمة تفي بالغرض.

وحينما سمعنا بالإبادة أول مرة بعد صبيحة السابع من أكتوبر 2023، اعتقدنا لوهلة أن التعبير ليس سوى تحضير بلاغي لما سوف نراه. وكان هذا الاعتقاد في حد ذاته كارثة تكشف مدى تأخر الإدراك عن مزامنة الحاضر. وفي الحقيقة، كان على المرء أن يتناول القاموس على الفور كي يتثبت من تعريف مصطلح «الإبادة الجماعية» فترتفع عنه غشاوة الكلمات المتداولة في مقاربة ما يجري. شيئًا فشيئًا بدأ المشهد يتعسَّر على الخيال، لا على الإدراك وحده. وحين استفقت في اليوم التالي أدركتُ أن الأمس كان اليوم الأشد توترًا في تاريخ علاقتي الشخصية بالقضية الفلسطينية ومسألة الصراع مع الكيان الصهيوني، وأعتقد أن الوَقْع نفسه ينطبق على أشخاص آخرين أعرفهم.

بعد أسبوع بالضبط كتبتُ في جريدة عُمان مقالًا تحت عنوان مباشر: «هناك إبادة جماعية تحدث»! كنتُ قد أدركتُ المعنى: إنها الإبادة! وهذه الكلمة ليست بلاغية بالمرة، بل هي التوصيف القياسي للمشهد تحت سماء غزة.

ولإدراك الحاضر كما ينبغي كان لا بدَّ من الاستناد إلى سياق متصل يقول فيما يقول إن الإسرائيليين شنوا عدة حروب على غزة المحاصرة خلال العقدين الأخيرين. ففي حياتي الصغيرة فحسب شهدت على التلفزيون عدة حروب على غزة نسيت أن أحصيها لكثرتها وقد اختلطت الفوارق بينها. غير أن الواضح اليوم أن كل تلك الحروب كانت تمارين تحضيرية للإبادة.

في أواخر أكتوبر، تحدث نورمان فنكلستين في مقابلة مع الكاتب والصحفي الأمريكي كريس هيدجز عن الإبادة الجماعية في غزة. ونورمان، لمن يعرف أسلوبه وطريقته في الكلام، هو محاجج ذَرِب مدافع عن السياق، ويستمد قوته من وعيه العميق والأصيل بالسياق. وعندما يتعلق النقاش بدراسة مسألة غزة بالذات، فإنه لا يحق لأحد أن ينازعه الأهمية بعد كتابه «غزة: بحث في استشهادها» الذي صدر عام 2018. الشاهد من هذه المقابلة، أنه بعد سرد مطول عن حالة غزة منذ النكبة وصولًا إلى مرحلة الحصار، توقف نورمان فنكلستين للحديث عن المجازر الدورية التي ترتكبها إسرائيل منذ عام 2008، ثم قال بأسى: «...والواقع أن عددها يزيد كثيرًا على خمس مجازر. لكنني سأقول لك الحقيقة يا كريس: لا أستطيع حتى أن أتذكرها جميعًا، لكثرتها. لقد حاولت حفظها في ذاكرتي، لكنني لم أستطع»! هذا ما يقوله باحث مهم عُرف بتخصصه في موضوع غزة بالتحديد، فما بالك بنا وبالملايين المتجمهرة التي تتعرض عقولها كل يوم للمحو بفعل تكرار المشهد الإبادي!

ظلت إسرائيل تتمرن على إبادة الفلسطينيين في غزة منذ عشرين عامًا، وظلت تختبر بتمادٍ مدى قدرتها على التلاعب بالقانون الدولي. لم يعترض عليها أحد طيلة عشرين عامًا، لم يعترض عليها أحد بقوة تكفي لمنعها من التمادي. وحينما كان جيشها يستريح من القتل، فإنها تمارس الإبادة بمعنى آخر للكلمة؛ وهو منع الولادة، فإما القتل أو الحرمان من الميلاد.

أثمة مفارقة غريبة لو عرفنا أن يهوديًا ناجيًا من المحرقة هو أول من صاغ مفهوم «الإبادة الجماعية» (genocide)؟ لقد ناضل اليهودي البولندي، رافائيل ليمكين، لتأسيس هذا المفهوم قانونيًا خلال أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يُنجز مهمته العظيمة حين أقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة المفهوم القانوني بعد الحرب العالمية الثانية، حتى قيل إنه لم يسبق لشخص بمفرده أن يمارس كل هذا الضغط والتأثير في تاريخ الأمم المتحدة منذ تأسيسها، كما فعل ليمكين.

تشير دراسة مهمة لبيري س. بيتشكي* إلى أن ليمكين كان قد درس فقه اللغة إلى جانب دراسته للقانون. والجدير بالذكر أنه، وقبل ابتكاره لمفهوم «الإبادة الجماعية» في القانون، كان قد اقترح خلال الثلاثينيات اعتماد مصطلح «البربرية» (barbarity) ومصطلح «التخريب» (vandalism) للملاحقة القضائية على نطاق عالمي، إلا أنه أخفق في تحقيق الاعتراف المنشود بالمصطلحين. لقد تعلم من ذلك الفشل مسألة شديدة الحساسية والدقة في العلاقة بين القانون واللغة؛ وهي «ألا يعتمد على الكلمات الموجودة بالفعل لتعريف جرائم جديدة».

وبدورنا علينا أن نتعلم من ليمكين أنه لا يمكن أن ندين الجريمة بالكلمات الثابتة والجامدة والبليدة نفسها. إن الجريمة تفجعُ اللغة، تخرسها وتُعطلها، إن لم يكن لدى اللغة أهلها طاقة كافية لامتصاص الصدمة وتقديم إدانة أشدّ وقعًا وتأثيرًا وكلمات جديدة. ولذا أعتقد أن مفهوم «الإبادة الجماعية» بعد غزة بات بحاجة إلى إعادة تعريف أو إلى ابتكار جديد، وذلك بعد أن جرَّب الإسرائيليون ما لم يكن في الحسبان وما لم يخطر على بال المُشرّع. لقد كانت غزة مناسبة لنكتشف أن القانون هو لغة قبل كل شيء؛ غير أن الإبادة العلنية المتلفزة وامتياز مجرميها فوق العدالة الدنيوية هو ما يجعل من القانون مجرد لغة لا غير. ومع الوقت تصبح الإبادة كلمة اعتذارية... مصطلحًا للتطهر من ذنب الفرجة العاجزة.

مرجع:

* بيري س. بيشكي، «وضع ليمكين: نحو فهم بلاغي لمفهوم الإبادة الجماعية» (Lemkin’s Situation: Toward a Rhetorical Understanding of “Genocide”)، مجلة بروكلين للقانون (Brooklyn Law Review)، المجلد 77، العدد 2، 2012، ص 551-625.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني