«الغزالي» يصدح في «مسقط»

14 أكتوبر 2026
14 أكتوبر 2026

عندما غنى المطرب ناظم الغزالي (1921-1963م) أغنيته الشهيرة «طالعة من بيت أبوها» التي كتب كلماتها: جبوري النجار، ولحّنها: ناظم نعيم، ببغداد في عام 1957م، هل خطر بباله أن هذه الأغنية ستُغنّى بعد حوالي سبعين سنة على مسرح دار الأوبرا السلطانية مسقط، وتحديدًا في الحفل الذي أقامته بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها مساء الاثنين الموافق ١٢ أكتوبر الجاري؟ ربما لو قيل له هذا بوقتها لاعتبره ضربًا من الخيال، لكن في الفن لا توجد حقائق مطلقة ونهائيّة، ولا تكهّنات، ولا يخضع للتخمينات، كلّ شيء ممكن، وما نراه اليوم ملء السمع والبصر قد لا يجد له مكانًا في ذائقة الناس غدًا، لكنّ أغنية (ناظم الغزالي)، الذي عُدّ أوّل سفير للأغنية العراقيّة، عبرت حدود التوقّعات، وقاومت الزمن، وسارت بموكبها من القرن الماضي، لتطلّ على القرن الحالي بثقة، والجميل أنّها في حفل «الأوبرا السلطانية» جرتْ على حناجر فريق الإنشاد الأوبرالي، والفرقة الشرقية، وكورال أطفال دار الأوبرا السلطانية، وانسابت بعذوبة، لتعزف على أوتار القلب، وقد زادها ألقًا وحضورًا عزف الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية بقيادة الموسيقي العماني حمدان الشعيلي الذي يُعدّ أول موسيقي عماني يحصل على مؤهّل الماجستير في قيادة الأوركسترا، وقد عمل مع مغني الأوبرا بلاسيدو دومينغو، والهندية آشا بوسلي، وعلي الحجار، ومروان خوري، فتفاعل الجمهور مع الأغنية، وردّدت شفاههم كلماتها المكتوبة بالدارجة العراقية:

طالعة من بيت أبوها

رايحة لبيت الجيران

فات ما سلّم عليه

يمكن الحلو زعلان

وهي كلمات تنطوي على عاطفة جيّاشة، ومفارقة فيها براءة وعفوية، وهذا دليل على أن الفن الحقيقي، القريب من الروح، البسيط، النابع من وجدان الإنسان وواقعه، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويفرض حضوره، ليبقى خالدًا، ولم تقف هذه الأغنية وحدها في احتفال الجمال، فقد تضمّن الحفل مجموعة من الأغاني التراثية، كانت مسك ختام لبرنامج امتدّ أكثر من ساعة، ومن بين هذه الأغاني الموشّح الأندلسي (لمّا بدا يتثنى)، فتمايلت الأجساد طربًا مع إيقاعات ومعاني هذا الفن الذي نشأ في الأندلس، واقترن بها في القرن التاسع الميلادي، في لحظة من لحظات الازدهار الحضاري والفني والثقافي، فمثّل ثورة على الشكل التقليدي للقصيدة العربية، وقد تميّزت ألفاظ هذا الموشّح الذي يُنسب للسان الدين بن الخطيب (1313-1374م)، الشاعر والكاتب والوزير، بجمالها وعذوبتها، وقد عبّرت كلماته عن كلّ هذا:

لمَّا بدا يتثنَّى

حِبِّي جماله فتننا

أومى بلحظة أسرنا

غصنٌ سبى حين مال

وعدي ويا حيرتي

من لي رحيم شكوتي

في الحب من لوعتي

إلا مليك الجمال

فأسبغ جمالًا على جمال الحفل الذي بدأ بكلمة مصوّرة ألقاها صاحب السمو السيد كامل بن فهد آل سعيد نيابة عن مجلس إدارة الدار، تلاها فيلم وثائقي استعرض أبرز المحطات الفنية للدار، ومن خلال مقاطع فيديو قصيرة قدّم الفيلم (بانوراما) جعلتنا نسترجع أشهر العروض الأوبرالية التي قُدّمت على خشبة الدار، منذ افتتاحها الرسمي الأول الذي جرى يوم 12 أكتوبر 2011م بالعرض الأوبرالي (توراندوت) لبوتشيني، وكان آخر أعمال المخرج الإيطالي فرانكو زيفيرلي الذي التقيت به، مع مجموعة من الصحفيين، بعد عرض (توراندوت) في الدار قبل وفاته عام 2019م، وقد حدّثنا يومها عن سعادته، وهو يرى عمله يُعرض في هذا الصرح الفني (دار الأوبرا السلطانية مسقط) الذي بُني ليكون جسرًا ثقافيًا بين عُمان والعالم، وكذلك اشتمل الفيلم على لقطات من حفلات غنائية، وعروض مختلفة، وفعاليات، وأنشطة قدّمتها الدار لجمهورها، منذ تأسيسها، على مدى (خمسة عشر عامًا من الإلهام)، وبعد انتهاء الفيلم، استمعنا إلى مقطوعات موسيقية لموتسارت مستوحاة من السيمفونية رقم (25)، وسيباستيان باخ وهانس زيمر وعمر خيرت وفيرني وآخرين، جعلتنا نحلّق في عوالم الخيال، واستمتعنا بمقطوعة (رويال سوينغ) التي ألّفها حمدان الشعيلي بتكليف من دار الأوبرا السلطانية مسقط احتفاءً بالذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها، وقد روت المقطوعة مسيرة الدار، وأبرز محطاتها عبر حوار الآلات الموسيقيّة، وكان صوت الجاز قد أضفى على أسماع الحضور الذي امتلأت به المقاعد شعورًا بالبهجة ظلّ يلازمه طويلًا بعد انتهاء حفل ستبقى تفاصيله ماثلة في الذاكرة.