No Image
عمان اليوم

حمدة الشامسي: استقلال المرأة لا يعني ألا تحتاج أحدا.. بل أن تملك خيارها

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026
من العمل الاقتصادي إلى تمكين النساء

لطالما استوقفني عمود حمدة الشامسي في جريدة «عمان»، ذلك العمود الذي يصعب الجزم بتصنيف واحد له، هل هو اقتصادي أم اجتماعي؟ وربما لا تستطيع الكتابة عن الاقتصاد بهذه المساحة من الشعور والدوافع الإنسانية والاجتماعية إلا امرأة شغلت مناصب في المجال الاقتصادي، ثم اقتربت أكثر من واقع النساء من خلال عملها مستشارة مالية وصاحبة مبادرات عدة في تمكين المرأة، وخلال هذه الرحلة لم تساعد حمدة نساء كثيرات على تغيير قراراتهن المالية فحسب، بل امتد أثرها إلى الطريقة التي ينظرن بها إلى أنفسهن وإلى المال وما يمنحه لهن من خيارات، وهو أثر يمكن تلمسه في قصص متابعاتها وشهاداتهن عن أشياء بدأت بقرار مالي صغير وانتهت بتغيير أكبر في حياتهن، لذلك أردنا في هذا الحوار أن نقترب من حمدة الإنسانة، ومن المرأة خلف كل هذه الأدوار، لنعرف ما الذي صنع رؤيتها للمال والنساء، ولماذا اختارت أن تجعل تمكين المرأة ماديا وإنسانيا جزءا من طريقها.

بعيدا عن لقب «المستشارة المالية»، من هي حمدة الشامسي كما تحب أن يعرفها الناس؟

أحب أن يعرفني الناس أولا كحمدة الإنسانة، قبل حمدة المستشارة أو حمدة التي شغلت مناصب معينة، فأنا امرأة عمانية عشت حياة ثرية بالتجارب، اختبرتني الحياة واختبرتها وتعلمت كثيرا من العمل ومن الناس ومن المواقف التي مررت بها، وما زلت أتعلم إلى اليوم وأحب القراءة والكتابة والحوارات الثرية والسفر، ويشدني دائما أن أفهم الإنسان خلف السلوك الذي أراه، وربما انعكس هذا الفضول على رحلتي المهنية التي أخذتني من العمل في مؤسسة حكومية إلى مجال التمكين والتأثير، ومع كل مرحلة أشعر أنني أعرف نفسي أكثر، لكنني في الوقت نفسه أصبحت أكثر استعدادا لأن أقول «لا أعرف، دعوني أتعلم».

بين الأدوار التي تعيشها المرأة في الأسرة والعمل والمجتمع، كيف استطعت أنت أن تصنعي مساحتك الخاصة دون أن تفقدي نفسك وسط هذه الأدوار؟

بصراحة، لم أكن دائما أعرف كيف أفعل ذلك، فقد مررت بمراحل كان العمل يأخذ مساحة كبيرة جدا من حياتي، ومراحل كانت الأسرة فيها هي الأولوية، ومراحل شعرت فيها أنني أعطي أكثر مما أستطيع، لكنني تعلمت مع الوقت أن المرأة لا تستطيع أن تستمر في العطاء من دون أن تعود إلى نفسها، ومساحتي الخاصة أصبحت بالنسبة لي القراءة والكتابة والعمل الذي أؤمن به والصديقات والأشياء الصغيرة التي تجعلني أشعر أنني حمدة، وليس فقط زوجة أو أما أو موظفة أو مستشارة، وربما هذا أحد الدروس التي تعلمتها متأخرا نسبيا، أن وجود وقت ومساحة خاصة بي ليس أنانية، بل على العكس وجدت أنني عندما أهتم بنفسي أكون أكثر قدرة على أن أكون حاضرة فعلا مع الأشخاص الذين أحبهم.

كانت هناك امرأة في حياتك تركت أثرا عميقا في شخصيتك أو في الطريقة التي ترين بها نفسك والعالم؟

ليست امرأة واحدة وإنما مجموعة من النساء، فكل مرحلة من حياتي جاءت بنساء تركن أثرا مختلفا بداخلي، وكل مجال أيضا كانت له مؤثراته، ومع الزمن اكتشفت أن النساء اللواتي يؤثرن فينا لسن بالضرورة مشهورات أو صاحبات مناصب، فأحيانا امرأة نعيش معها أو نلتقي بها في مرحلة من حياتنا تترك فينا شيئا يستمر معنا لسنوات طويلة. وفي الآونة الأخيرة تأثرت كثيرا بالنساء اللواتي يشاركن في جلسات القراءة الأسبوعية التي أديرها وتعلمت منهن الكثير، وبت أؤمن أن جزءا من مسؤوليتنا كنساء أن نكون نحن أيضا ذلك الأثر الجميل في حياة امرأة أخرى، حتى لو لم نعرف أبدا أننا كنا سببا في تغيير شيء في حياتها، وهذا ما أحاول أن أفعله من خلال ما أقدمه وأكتبه، والأهم من خلال الطريقة التي أعيش بها حياتي.

اخترت أن يكون عملك قريبا من النساء وعلاقتهن بالمال، لماذا المرأة تحديدا؟ وما الذي اكتشفته عنها خلال هذه الرحلة؟

لأنني عشت سنوات طويلة في بيئات عمل تضم الكثير من النساء وكنت قريبة من قضاياهن، ثم وجدت أن المال حاضرا في كثير من القرارات التي تتخذها المرأة حتى عندما لا نتحدث عنه بشكل مباشر، ومع الوقت اكتشفت أن المشكلة ليست دائما نقص المعرفة، فأحيانا تعرف المرأة تماما ما ينبغي أن تفعله ماليا لكنها لا تستطيع فعله، لأن خلف القرار خوفا أو شعورا بالذنب أو اعتقادا تربت عليه، فقد تجد امرأة تستطيع إدارة ميزانية مؤسسة لكنها تتردد في الحديث عن راتبها أو حقوقها المالية، وأخرى تكسب جيدا لكنها لا تشعر بالأمان، وثالثة لديها المال لكنها تخاف أن تنفق على نفسها، وهنا بدأت أرى أن علاقتنا بالمال ليست علاقة حسابات فقط، وإنما وراء كل قرار مالي قصة ومشاعر وتجارب سابقة، وهذا ما قادني إلى الاهتمام بالذكاء المالي العاطفي في الأصل.

ما الذي يعنيه لك أن تكون المرأة «مستقلة»؟ وهل الاستقلال بالنسبة لك مالي فقط أم شعور أوسع بالقدرة على الاختيار؟

بالنسبة لي، الاستقلال لا يعني أن تقول المرأة: «أنا لا أحتاج أحدا»، فهذه ليست الاستقلالية التي أؤمن بها، نحن نحتاج بعضنا بعضا والأسرة والشراكة والعلاقات جزء من الحياة، لكن الاستقلال بالنسبة لي يعني أن أعرف نفسي وأعرف وضعي المالي وأفهم حقوقي والتزاماتي، وأن أستطيع المشاركة في القرارات التي تخص حياتي، والأهم أن يكون لدي خيار، فقد تختار المرأة أن تعتمد ماليا على زوجها ولا بأس في ذلك، لكن المشكلة أن تكون بلا معرفة أو بلا خيار، أو أن يمنعها الخوف من اتخاذ قرار عندما تحتاج إليه، لذلك لا أرى الاستقلال المالي دعوة لأن تعيش المرأة وحدها أو بمعزل عن الآخرين، وإنما أن تعيش وهي تعرف أنها قادرة على الاختيار واتخاذ القرار عندما يتطلب الأمر ذلك.

من خلال قصص النساء اللاتي قابلتهن، ما الذي تعلمته عن العلاقة بين المال وكرامة المرأة وشعورها بالأمان؟

تعلمت أن المال بالنسبة للمرأة قد يعني أشياء مختلفة تماما عن مجرد الرقم الموجود في حسابها، فقد يعني الأمان أو القدرة على المغادرة من موقف مؤذ، وقد يكون قدرتها على علاج نفسها أو تعليم أبنائها أو اتخاذ قرار دون خوف، وأحيانا يعني ببساطة ألا تشعر بأنها عبء على أحد، لكنني تعلمت أيضا ألا أختزل كرامة المرأة في المال، فالمال في النهاية أداة وليس مقياسا لقيمة الإنسان ولهذا أقول دائما إن هدفي ليس أن أجعل المرأة أكثر ثراء فقط، وإنما أن أجعل علاقتها بالمال أكثر وعيا وهدوءا، وأن تعرف ماذا تملك وماذا تحتاج وماذا تريد، والأهم أن تفهم لماذا تتخذ قراراتها المالية بالطريقة التي تتخذها.

كيف تغير مفهوم النجاح لديك مع العمر والتجربة؟ وما الذي أصبح يعنيه لك اليوم؟

تغير كثيرا، ففي بداية حياتي كان النجاح بالنسبة لي مرتبطا بالإنجاز، أن أعمل وأتحمل المسؤولية وأصل إلى مواقع معينة وأثبت نفسي، لكن مع العمر بدأت أكتشف أن الإنسان قد يحقق أشياء كثيرة جدا ثم يقف ويسأل نفسه: وماذا بعد؟ اليوم أصبح النجاح بالنسبة لي أكثر هدوءا، أن يكون لحياتي معنى وأن أترك أثرا طيبا، وأن أستمتع بما وصلت إليه بدلا من أن أكون دائما في حالة سعي إلى الشيء التالي وأن أعيش في النهاية حياة تشبهني، وأعتقد أن هذه من أجمل الأشياء التي يمنحنا إياها العمر، أن نتوقف قليلا عن محاولة إثبات أنفسنا للآخرين ونبدأ في سؤال أنفسنا: هل أنا راضية عن الإنسانة التي أصبحتها؟

وأخيرا، ماذا تقول حمدة اليوم للمرأة التي تؤجل أحلامها باستمرار لأنها تشعر أن الجميع يجب أن يأتي قبلها؟

أقول لها، لا تنتظري أن تنتهي مسؤولياتك حتى تبدئي حياتك، لأن المسؤوليات غالبا لا تنتهي وسيأتي دائما شخص يحتاجك أو ظرف يتطلب منك الحضور أو مهمة جديدة، وأنا لا أقول لها ضعي نفسك قبل الجميع، وإنما ضعي نفسك أيضا ضمن القائمة، اهتمي بعائلتك وكوني أما وزوجة وابنة وأختا وصديقة، لكن لا تنسي أنك أيضا إنسانة لها أحلام واهتمامات واحتياجات، ولا تنتظري الظروف المثالية فأحيانا نعتقد أن الحلم يحتاج إلى وقت كبير أو مال كثير أو فرصة استثنائية، بينما قد يبدأ بعشر دقائق في اليوم أو بكتاب أو بدورة أو بمحادثة أو حتى بخطوة صغيرة جدا، وهناك شيء تعلمته أنا شخصيا وأحب أن أقوله لكل امرأة وهو «لا تؤجلي حياتك إلى الوقت الذي يصبح فيه الجميع بخير، لأن ذلك الوقت قد لا يأتي أبدا، عيشي معهم ولكن عيشي أيضا لنفسك».