عمانيات صانعات للابتكار من واقع الاحتياج
17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026
لا تأتي الابتكارات دائمًا من مختبرات مجهزة أو من مسارات أكاديمية متخصصة، فقد تنطلق الفكرة من موقف عابر أو حاجة يعيشها شخص قريب أو سؤال لا يجد صاحبه إجابة واضحة. وفي تجارب عدد من المبتكرات العُمانيات، جاءت البداية من ملاحظة مشكلة حقيقية، ثم تحولت هذه الملاحظة إلى بحث وتجربة ومحاولات متكررة قادت إلى حلول تسعى إلى جعل حياة الآخرين أكثر سهولة وأمانًا واستقلالية.
وفي احتفاء سلطنة عُمان بيوم المرأة العُمانية، ترصد «عُمان» تجارب بعض من المبتكرات العُمانيات، اختارت كل واحدة منهن مشكلة مختلفة لتبحث لها عن حل، فكانت «لُغة» جسرًا للتواصل مع الأشخاص الصم، وتوجهت أخرى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، فيما جاءت العصا الذكية استجابة لمعاناة قريبة من صاحبتها، وولد «نَديم» من الحاجة إلى وسيلة تساعد الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد على التعبير عن احتياجاتهم ومشاعرهم.
ليان الرحبي.. من حكاية إلى "لُغة"
بدأت قصة المبتكرة ليان بنت سعيد الرحبي مع مشروع «لُغة» من شيء بسيط، كما تصفه، حين استمعت إلى بودكاست يتناول قصة حقيقية في العالم العربي. في البداية بدت لها الحكاية مجرد قصة تستمع إليها ثم تمضي، غير أن اقترابها من عالم الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية كشف لها واقعًا أعمق، وجعلها تدرك أن ما كانت تسمعه يرتبط بحياة يعيشها كثيرون، فيما تغيب تفاصيلها عن شريحة واسعة من المجتمع.
ومن هنا بدأت تتشكل لديها أسئلة حول الحواجز التي يمكن أن يصنعها المجتمع حين تتعطل وسائل التواصل، ومدى قدرة التكنولوجيا على أن تكون جسرًا يربط الإنسان بمن حوله. وتوضح الرحبية أن معرفتها الأكاديمية في المحاسبة والتدقيق والمالية لم تكن مرتبطة بمجالات الابتكار أو الهندسة أو التقنية، وهو ما جعلها تنظر إلى المشكلة من زاوية إنسانية قبل أن تبحث عن الحل التقني، ومن هذه الزاوية ولدت فكرة «لُغة».وتقول الرحبية إن الإنسان ظل نقطة البداية في تجربتها؛ ففي «لُغة» كانت تفكر في الأشخاص الصم وفي التفاصيل الصغيرة التي قد تتحول إلى عوائق حقيقية في التعليم والعمل والخدمات، حتى الأحاديث اليومية.
وبعد نحو ثلاثة أعوام ونصف، لا تنظر الرحبية إلى «لُغة» كفكرة وصلت إلى محطتها الأخيرة، فهي تراها قصة مفتوحة ما زالت تحمل مساحة للنمو والتطوير.
وتكمن القيمة الأعمق بالنسبة لها في أن العالم لم يعد كما كان قبل «لُغة»، فقد أصبحت ترى الحاجة خلف المشكلة، والإنسان خلف الحاجة، والإمكان خلف ما يبدو مستحيلًا.
نهيه الحمداني.. التقنية لتعزيز الاستقلالية
أما المبتكرة نهيه بنت ناصر الحمداني، فقد بدأت فكرتها في تطوير «نظارات سينسيغلاس» لتمكين المكفوفين وضعاف البصر عبر تطبيق ذكي مدمج خلال سنوات الجامعة، حين لاحظت التحديات اليومية التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية وضعاف البصر في التنقل والوصول إلى المعلومات والتعامل مع البيئة المحيطة. وما قد يبدو أمرًا بسيطًا للآخرين، مثل قراءة نص أو معرفة وجود عائق أو الانتقال بين المرافق، يمكن أن يمثل تحديًا حقيقيًا لهم، وهو ما دفعها إلى التفكير في حاجة تقنية تعزز استقلاليتهم وسلامتهم.
لم تنتقل الحمدانية مباشرة إلى مرحلة بناء الحل، فقد بدأت بفهم المشكلة بصورة أعمق، من خلال الاستبانات والمقابلات الشخصية مع الفئة المستهدفة. وبعد جمع البيانات وتحليلها، حولتها إلى متطلبات عملية، ثم طورت حلًا تقنيًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدة المستخدمين على إنجاز بعض مهامهم اليومية بطريقة أكثر سهولة وأمانًا.
وتصف الحمدانية تجربتها بأنها علمتها الصبر والاستمرار رغم التحديات، ومنحتها خبرة وثقة أكبر بالنفس وإحساسًا بالمسؤولية تجاه توظيف التقنية لخدمة المجتمع. وتقول: «إن مصدر اعتزازها يرتبط بكون المشروع محاولة حقيقية لتحسين جودة الحياة وتعزيز السلامة والاستقلالية للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وهي قيمة تتجاوز حدود المشروع كفكرة تقنية».
تسنيم الفارسي.. من معاناة الجد إلى عصا ذكية
من تجربة شخصية قريبة، جاءت فكرة المبتكرة تسنيم بنت سعيد الفارسي، فقد كانت ترى معاناة جدها الذي يعاني من فقدان البصر ويواجه صعوبة في أداء بعض أنشطته اليومية بصورة مستقلة. ومع عدم إمكانية وجود شخص إلى جانبه طوال الوقت، حتى في حال توفر المرافق لفترة من الزمن، برزت الحاجة إلى حل يمنحه قدرًا أكبر من الاستقلالية والأمان، ويساعده على التنقل، ويتيح له طلب المساعدة عند الحاجة وفي حالات الطوارئ.
وخلال مشروع تخرجها، أرادت الفارسية استثمار ما درسته في مجال الروبوتات والأتمتة لمعالجة مشكلة تراها عن قرب. وكانت الفكرة الأولى تتمثل في مستشعر قابل للإزالة يُثبت على الحذاء لرصد العوائق، ثم قادها البحث والتفكير في سهولة الاستخدام وفائدة الحل إلى تطوير الفكرة نحو عصا ذكية رأت فيها وسيلة أكثر عملية.
وطورت الفارسية عصا ذكية قادرة على اكتشاف العوائق وإرسال تنبيهات في حالات الطوارئ وتوفير موقع المستخدم عند الحاجة. وبدأت بتصميم النموذج الأولي واختباره، ثم واصلت تطويره تدريجيًا حتى وصلت إلى نموذج وظيفي.
وتقول الفارسية: «إن القيمة الحقيقية للتجربة ارتبطت بما اكتسبته على المستوى الشخصي، وبالسعادة التي شعرت بها وهي ترى فكرة تتحول إلى جهاز حقيقي. وقد عملت على المشروع بحب وشغف لأن فكرته كانت قريبة منها، وكانت تأمل أن تكون له فائدة مستقبلية حقيقية وأن توظف ما تعلمته في دراستها بصورة نافعة».
لم تخلُ الرحلة من الضغط والقلق والتعب، وتشير إلى أن أبرز ما أضافته الرحلة إليها الثقة بالنفس؛ فكل مشكلة تمكنت من حلها كانت تفتح أمامها مساحة جديدة من القدرة على الإنجاز، فيما منحها دعم المقربين طاقة للاستمرار، وكانت تذكر نفسها دائمًا بأنها قادرة على إكمال الطريق.
زينب المحاربي.. مساحة أوضح للتعبير
أما المبتكرة زينب بنت خميس المحاربي، فقد بدأت حكاية «نَديم» من حاجة لدى بعض الأطفال على طيف التوحد إلى وسيلة أسهل وأوضح للتعبير عن احتياجاتهم ومشاعرهم، خاصة في الحالات التي تصبح فيها القدرة على التواصل اللفظي محدودة.
وكانت خطوتها الأولى التعمق في فهم المشكلة بدلًا من الانتقال مباشرة إلى التصميم، فبحثت في احتياجات الأطفال والأسر والفجوات الموجودة في أدوات التواصل، ونظرت إلى التقنية باعتبارها وسيلة مساندة يمكن أن تخدم الطفل والأسرة. وتطورت الفكرة تدريجيًا حتى أصبحت «نَديم» أداة تتيح للطفل اختيار صورة تعبر عن حاجة أو شعور أو رغبة، ثم تحولها إلى رسالة يمكن لمقدم الرعاية فهمها. وفي كل مرحلة كانت تعيد النظر في مدى خدمة الحل للطفل والأسرة، ومدى سهولة استخدامه في الحياة اليومية.
ولا تزال «نَديم» في مرحلة التطوير، فيما أسهم تفاعل الناس واهتمامهم بفكرة المساعدة على التواصل في تشجيع المحاربي على مواصلة العمل وتحسين المشروع.
غيّرت «نَديم» نظرة المحاربية إلى المشكلات، فأصبحت ترى أن الابتكار يبدأ من فهم الحاجة الحقيقية، وأن الفكرة الصغيرة تستطيع أن تتحول إلى شيء ذي معنى عندما تنطلق من واقع الإنسان. ورغم الوقت والجهد اللذين احتاجتهما التجربة، خاصة مع دراسة الطب، فقد منحتها ثقة أكبر وصبرًا أوسع.
ابتكار يحمل أثرًا إنسانيًا
تلتقي تجارب المبتكرات الأربع عند نقطة تبدأ من الإنسان وتنتهي عند محاولة تحسين حياته. فالمشكلة التي دفعت ليان الرحبي إلى التفكير في «لُغة» كانت حاجز التواصل مع الأشخاص الصم، فيما انطلقت نهيه الحمداني من التحديات اليومية التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وجاءت فكرة تسنيم الفارسي من تجربة جدها وحاجته إلى مزيد من الاستقلالية والأمان، بينما توجهت زينب المحاربي إلى احتياجات الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم، فما بين «لُغة» التي تبحث عن جسر للتواصل، والحلول التقنية التي تسعى إلى تعزيز استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، والعصا الذكية التي تحمل في فكرتها حاجة إنسانية قريبة، و«نَديم» الذي يمنح الطفل مساحة للتعبير، تتشكل قصص أربع مبتكرات عُمانيات يثبتن أن الفكرة حين تولد من حاجة حقيقية يمكن أن تجد طريقها إلى الحل، وأن الابتكار يبدأ أحيانًا من سؤال بسيط.
