تصوير: انتصار الحبسي
«سعدة الشقصي».. رحلة كفاح في تنشئة أبنائها
17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026
من صلابة المعاناة إلى رفعة النجاح
تميزت المرأة العُمانية منذ القدم بقدرتها على الجمع بين حكمة التنشئة وصلابة المواجهة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، وقد تمكنت من إعداد نشء يُشاد بهم وجيل استطاع تحمل المسؤولية وتكوين أسرة عُمانية راسخة، حيث استخدمت أساليب التربية بالحكمة والتعليم بالقدوة، وفي جلسة دافئة التقت «$» بالوالدة سعدة الشقصي من سكان ولاية الحمراء، حيث كانت تجلس بمحياها البشوش وتحكي تجاعيد يديها كفاحها وصبرها وشغفها بتعليم أبنائها ورعايتهم في زمن لم تكن فيه الحياة هنيئة، ولكنها كانت مليئة بالرضا والبركة.
في البداية ابتسمت الوالدة «سعدة» وتنفست بهدوء وهي تسترجع شريط الذكريات قائلة: «لم تكن الحياة كما نراها اليوم، فقد كانت خالية من التكنولوجيا، بلا أجهزة ولا هواتف، كانت حياتنا حركة لا تهدأ إلا وقت النوم، كنت أحطب وأنظف وأطبخ وأقضي حوائج البيت بنفسي، حملتها بكل حب ورضا»، وتابعت الوالدة حديثها وعيناها تلمعان بشغف: «عندما رزقني الله عز وجل بأربعة أبناء، جعلت تربيتهم وتوجيههم هدفي الأسمى وشغلي الشاغل، كنتُ شديدة الحرص عليهم؛ فعندما كنت أخرج لأدير شؤون الحياة، كجمع الحطب من أعالي الجبل أو حمل الماء من الفلج، كنت أوصلهم لبيت الجيران يجلسون معهم لحين عودتي إلى المنزل من باب الاطمئنان، أو تركتهم يجلسون في البيت، فلم أكن أتركهم يخرجون أو يلعبون خارج المنزل بدوني، بل أعود لأجدهم يجلسون في المنزل بأمان».
وتابعت الوالدة حديثها بوصف الحال آنذاك: «كان زوجي يخرج إلى عمله في الصباح الباكر، ولا يعود إلا في نهاية اليوم ليلًا، وكان ضعيف النظر، فتقاسمتُ معه العبء؛ فقمتُ بدور الأم والأب معًا في ذلك الوقت، أشرفت على خدمة المنزل وتدبير شؤونه، واستطعتُ بفضل الله أن أُرَبّي أولادي تربية صالحة، ومع كل ذلك العناء والتربية، لم أكتفِ بالعمل فقط، بل كنتُ ألوذ بالدعاء لأبنائي في كل وقت وحين، وعند إيوائي إلى الفراش، وأن يجعلهم الله عز وجل من الصالحين، وأن يعوضني خيرًا فيهم، ويوفر عليهم ما كان ينقصنا في ذلك الوقت، ويوسّع لهم».
متابعة حثيثة للتعليم
حرصت الوالدة سعدة على متابعة تعليم أبنائها بنفسها، فكانت تذهب إلى المدرسة وتسأل المدرسين عن مستوى أبنائها التعليمي وأخلاقهم، وتتحدث بفخر وفرح: «وكم كانت سعادتي لا تُوصف حين كان المعلمون يخبرونني بأنهم متميزون، كنتُ أرجع إلى البيت وأنا غارقة في فرحة تُنسيني كل تعبي، وأرى في نجاحهم ثمرة ذلك التعب»، ولم تكتفِ هذه الأم بمتابعة أبنائها في المدرسة، بل كانت تتابعهم حتى في المنزل بكل حرص، فحين ترى أحدهم يغالب النوم أثناء الدراسة، تهرع لإيقاظه وتشجيعه لمتابعة حل دروسه، واسترسلت في حديثها قائلة: «كان أبنائي ينهضون الساعة الخامسة صباحًا، يذهب البنون إلى المسجد القريب ويستحمون ويتجهزون ويؤدون صلاة الفجر، وأرافق أختهم إلى الفلج وتتجهز، ومن ثم أحضر لهم الإفطار، وبعدها يذهبون للمدرسة، وعند عودتهم يتناولون الغداء، ومن ثم يفتحون «شنطهم» المدرسية ويقومون بحل واجباتهم ودروسهم، وفي فترة العصر كنت أرسلهم لمساعدتي في تدبير شؤون المنزل، حيث كنت أعطيهم المخاريف الصغيرة (للرقاط) لتجميع المتساقط من الرطب والتمر تحت النخيل من المزارع، وعند عودتهم في فترة المغرب يتناولون العشاء، ثم يكملون دراستهم تحت نور السراج الضئيل إلى وقت النوم، وهكذا كانت تمضي أيامنا ببركة وسعي».
غرس القيم
وكان الذكاء الحقيقي للأم يبدأ من أسلوب تربيتها، فلطالما غرست الوالدة «سعدة» في أبنائها القناعة منذ الصغر، فعلمتهم ألا يروا حاجة مع الفقر، وألا يشعروا بالنقص عند عدم توفر الشيء، متابعةً حديثها بفخر: «إذا لم تتيسر النقود للمدرسة، وكان ذلك حال أغلب الأيام لضيق العيش حينها، لم تكن الغيرة تأخذهم أو يتساءلون: لماذا غيرنا معهم ونحن لا؟ بل كانوا يذهبون بقلوب راضية وقانعة، وكنت أضع في كل حقيبة منهم قطعة من الخبز ليتصبروا بها حتى عودتهم من المدرسة، وكنت دائمًا أقول لهم: «ارضوا بالواقع وتسلحوا بالعلم والأخلاق، فهي التي ترفع شأنكم وقدركم»، وكنت أردد دائمًا في مسامعهم أن يكونوا عزيزي نفس واثقين من أنفسهم، وكنت أجلسهم معي دائمًا وأعلمهم حسن الحديث والأدب، وأنصحهم بمرافقة الصالحين والخيرين من الناس، وأن يصونوا ألسنتهم من الكلام القبيح ليحافظوا على أنفسهم من كل عيب أو مكروه».
وتستطرد قائلة: «كنت دائمًا أحثهم على الاحترام، وأن يكونوا مسالمين ومتحابين ويسامحون بعضهم ويتشاورون فيما بينهم ويتفاهمون بود، وإذا ما وقع عراك وشجار بينهم، أصلحت بينهم، ثم أجلسهم وأذكرهم دائمًا بأن الكبير يجب أن يعطف على الصغير ويحترمه، والصغير عليه أن يوقر الكبير وينصت له، كما علمتهم ضرورة احترام حدود الآخرين، بعدم دخول بيوت الجيران بدون إذن، وألا يشاركوهم أكلهم أو يتطفلوا على خصوصياتهم، ورسخت فيهم مد يد العون للغير، فكانوا إذا رأوا أحدًا يحتاج إلى مساعدة في الطريق سارعوا لمعاونته بأدب ورأفة دون تردد، وشددت عليهم بعدم رفع الصوت عند الحديث، وفي لحظات الشدة والمرض، لم أغفل عنهم لحظة، فكنت أقدم لهم العلاج التقليدي المتعارف عليه في ذلك الزمان، وكنت أتحرى وأسأل عن العلاج المناسب».
الاستثمار الحقيقي هم الأبناء
ولم تكتفِ الوالدة سعدة بالكلام والنصح، بل كانت تراقب تصرفات أبنائها أثناء ذهابهم إلى المدرسة أو المسجد، فكانت تراقب تصرفاتهم وسلوكهم عن بُعد، حتى تتجنب حدوث أي مكروه أو أي تصرف سيئ يمس شأنهم أو شأن أسرتهم، وفي نهاية سردها تنفست الصعداء وقالت بأريحية وامتنان: «مضت الأيام والسنون، وقرت عيني برؤيتهم ناجحين مكملين دراستهم، واستقلوا بأسرهم ووصلوا لمناصب طيبة تثلج الصدر، تغمرني السعادة اليوم حين أرى ثمرة سهري وتعبي وصبري لتلك الأيام»، ووجهت الوالدة «سعدة» رسالة صادقة للأمهات بأن تصبر على مشاق التربية، وأن الاستثمار الحقيقي والأبقى للأم هو تربية أبنائها تربية صالحة مسلحة بالأخلاق والعلم، فهم ثمرتها التي تعود عليها وعلى أسرتها ووطنها بالخير والبركة.
