الزَّبَد والنافع
ومن وراء هذا الفريق هيئة علمية عميقة، تكوّنت من أسماء فاعلة ونشطة منها شكري المبخوت من تونس، أستاذ الأدب العربي بجامعة الإمارات، وجوخة الحارثي من سلطنة عُمان، الأستاذة الزائرة بجامعة أكسفورد، وطاهرة أستاذ الأدب العربي بجامعة شيكاغو، أصيلة الهند.
تمثّل الإنجاز في تكوّن فريق علميّ يحتاج إلى تمويل حصل عليه وسخّره لتنشيط حقول في مجال دراسة المخطوطات والنصوص الأدبية في التراث العربي مفيدة عمليّة نافعة، لا تبقى طيّ الرفوف مثل أغلب بحوثنا العلميّة، وإنّما هي أطلقت للعموم ومجانًا.
وتمثل قيمة هذا الإنجاز العلميّة في أنّه متأسّس على مواقف وآراء محكّمة وأنّه منفتح دوما على ممكن الإضافة والتحسين والتدقيق، فالمنصّة تقبل دوما إعادة تدقيق أعمالها، وتلقّي المساهمات الجديدة في تعريف أو تحديد مفاهيم جديدة.
شخصيّا عندي موقف حذر جدّا من اهتمام المستعربين بأدبنا، وأحمل فكرة المؤامرة دومًا، غير أنّ في المستشرقين أعلاما أفادوا الأدب العربي والحضارة العربية بعمق، وأنجزوا للأدب العربي ما لم يُنجزه أبناؤه، وأحدّد في هذا المقام المدرسة الألمانية، وعلى رأسها العلَم الفارق فؤاد سزكين في مؤلّفه الضخم «تاريخ التراث العربي الإسلامي»، الذي أفاد تاريخ الأدب العربي بشكل جذري عميق، وتواصلت أعمال المدرسة الألمانية في أوجه مختلفة ومجالات متعددة، حضارةً وإسلاميّات وأدبا ولغة وتاريخا.
نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى تصنيف أدبنا وتحديد مجالاته. وقد دارت محاور الورشة التي سهرت عليها ونظّمتها الجامعة الحرة ببرلين، وأقامت لها خيطا بيْنيًّا يجمع الفنيين المبرمجين وأصحاب الأدب، ذلك أنّ فريق العمل تكوّن من خبراء في الترجمة وفي البرمجيات من الضالعين في اللغة العربيّة حتّى لا تفقد المنصّة في صورتها العربيّة وجهها ومظهرها، باعتبار أنّ أغلب البرمجيّات تقبل الكتابة من اليسار إلى اليمين لا من اليمين إلى اليسار.
الورشة تضمنت سبع جلسات علمية مفهومية، عملت على طرح إشكاليات تجنيسية عديدة وطرحت إشكاليات عميقة، فما الفرق الشكلي والمضموني بين النادرة والخبر والمنامة والرسالة والخطابة وغيرها من صنوف التأليف العربي القديم.
لم أرد من هذا المقال التعريف بالمنصة التي فُتحت لكلّ مهتمّ بالأدب العربي مجانًا، ولا عرض نشاطها وجديّتها فحسب، بل أردت أن ينظر أصحاب النشاط في الجامعات العربية إن وُجدوا في طريقة نافعة يصرفون فيها مخصّصاتهم الضئيلة لتنشيط الأدب العربي وبعثه من ممكن مماته، لك أنّ ما ينفع الناس يبقى في الأرض، فهل وقفنا لنفكر ما الذي أبقيناه؟
