No Image
رأي عُمان

عُمان وكازاخستان.. شراكة توسّع الخيارات

03 أكتوبر 2026
03 أكتوبر 2026

بين الفرص التي يجري بحثها بين سلطنة عُمان وكازاخستان، يلفت الانتباه مشروع نقل الصادرات الكازاخستانية، ومنها القمح، عبر الموانئ العُمانية. وراء هذا المقترح مصلحة تجمع بلدا في قلب آسيا يحتاج إلى تنويع منافذه التجارية وبلدا على المحيط الهندي استثمر في موانئه ويتطلع إلى توسيع الأسواق التي تخدمها. ومن هذه الزاوية، تحمل زيارة الدولة التي يقوم بها يوم الاثنين حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى كازاخستان دلالة تتصل بمستقبل الاقتصاد العُماني وموقعه في التجارة الدولية.

تمنح الزيارة العلاقات الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود فرصة لبناء مصالح تصبح معها تنمية كل طرف بابا لفرص الطرف الآخر.

عُمان كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال كازاخستان، وشاركت مبكرا في الاستثمار في قطاعها النفطي. واليوم، تتسع مجالات التعاون المطروحة لتشمل الزراعة والتعدين والنقل والتقنيات الحديثة. هذا الانتقال مهم لبلدين يعرفان وزن الموارد الطبيعية في اقتصادهما، ويسعيان إلى تطوير مصادر أخرى للنمو. وفي أبريل الماضي، وقّع جهاز الاستثمار العُماني وصندوق «سامروك خزينة» الكازاخستاني اتفاقية تمهيدية للتعاون الاستثماري، أعقبتها مباحثات بشأن تأسيس صندوق مشترك. وأمام هذه الشراكة فرصة لتمويل مشروعات تخدم أسواق البلدين، وتمتد بمنتجاتها وخدماتها إلى أسواق أخرى. والاستثمار المشترك في معالجة المعادن وتصنيع المنتجات الزراعية يستحق اهتماما خاصا، إذ يتيح الاحتفاظ بحصة أكبر من قيمة الموارد، ويوسّع الأعمال التي تستطيع الشركات المحلية المشاركة فيها. بذلك يصبح التعاون متصلا بطبيعة النمو الذي يسعى إليه البلدان.

والموانئ العُمانية قادرة على خدمة تجارة تتجاوز احتياجات السوق المحلية، وتملك كازاخستان موارد زراعية ومعدنية وامتدادا بريا نحو أسواق آسيا الوسطى والصين. وربط هاتين الميزتين يفتح مجالا للتخزين والتصنيع والتوزيع، ويتيح للشركات العُمانية الوصول إلى زبائن جدد. وقد تكون القيمة الأهم في الأعمال التي تنشأ حول حركة السلع، وما توفره من وظائف وخبرات وعوائد داخل البلاد.

غير أن الطريق بين الحقول الكازاخستانية والموانئ العُمانية يمر عبر دول وشبكات نقل متعددة، وستحتاج جدواه إلى عمل مشترك على تكاليف الشحن وانتظامه وإجراءات العبور. الشركات تختار المسار الذي تستطيع الاعتماد عليه في تسليم بضائعها، وتحتاج إلى معرفة ما ستدفعه والوقت الذي تستغرقه الرحلة. ولدى اللجنة المشتركة بين البلدين إطار لمتابعة هذه التفاصيل، مع مشغلي الموانئ والسكك الحديدية والمؤسسات المعنية في دول العبور. إعطاء هذا المسار أولوية عملية كفيل بأن يحوّل التقارب السياسي إلى خدمة تجارية قابلة للاستمرار.

وقد قدمت السياحة تجربة مشجعة في أثر إزالة العوائق، وأسهم الإعفاء المتبادل من التأشيرات والرحلات المباشرة في حركة السفر بين البلدين، وأصبحت العلاقة أقرب إلى حياة الناس. وما تحقق في هذا المجال يدعو إلى تسهيل مماثل أمام المستثمرين وأصحاب الأعمال، عبر المعلومات الواضحة وحماية الاستثمارات وتيسير الشراكات. للشركة العُمانية التي تريد دخول سوق جديدة احتياجات محددة، تبدأ بمعرفة القواعد والشريك المناسب، وتمتد إلى التمويل والنقل وضمان الحقوق. هنا يصبح للاتفاقيات المرتقبة أثر يمكن أن يلمسه القطاع الخاص.

وفي الخلفية السياسية لهذه المصالح، يجمع بين مسقط وأستانا تأييد الحوار واحترام سيادة الدول والتسوية السلمية للنزاعات. وتحتاج التجارة العابرة للحدود إلى هذا المناخ، خصوصا حين تعتمد على تعاون أطراف عدة. كما يمنح تنويع الشركاء والأسواق البلدين مساحة أوسع في إدارة مصالحهما، وقدرة أكبر على مواصلة التنمية عندما تضطرب طرق التجارة أو تتغير ظروف الأسواق.

بهذا المعنى، تؤسس زيارة عاهل البلاد المفدى لمرحلة تستطيع فيها عُمان أن تصل استثماراتها في الداخل بفرص اقتصادية أبعد، وأن توسّع حضور شركاتها في منطقة ذات إمكانات كبيرة. وترجمة هذه الفرصة إلى مشروعات مجدية تستحق متابعة طويلة بعد الزيارة، حتى تجد الحبوب طريقها إلى الموانئ، وتجد المنتجات العُمانية أسواقا جديدة. عندها تصبح الصداقة الممتدة بين البلدين جزءا من اقتصاد يومي ينتفع به الشعبان، وتكتسب الشراكة وزنها من المصالح التي تحافظ عليها وتضيف إليها.