No Image
رأي عُمان

ما أكثر القادة.. وما أقلّ القيادة!

29 سبتمبر 2026
29 سبتمبر 2026

في سبتمبر من كل عام يصعد قادة العالم إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، يلقي كل منهم خطابه عن السلام والتعاون، ثم يعودون إلى عواصمهم والحروب في أماكنها.

وتكشف الأرقام حجم الهوّة بين ما يقال على منبر الأمم المتحدة وبين الواقع فقد سجّل برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات 65 نزاعا تكون الدول طرفا فيها خلال عام 2025، وهو أعلى رقم منذ 1946، بينها 13 حربا بالمعنى الكامل.

ولم يتبنَّ مجلس الأمن في العام نفسه سوى 44 قرارا وهذه أقل حصيلة منذ عام 1991. تدخل الحرب في أوكرانيا عامها الخامس، والسودان ينزف بعيدا عن الكاميرات، وغزة معلّقة بين هدنة وأخرى دون أن تتوقف فيها جرائم الإبادة، ودفع الخليج العربي هذا العام ثمن حرب لم يخترها. تبدأ الحروب في كل مكان بكثير من السهولة ولكن من النادر أن تنتهي أو تتبدد آثارها.

وفي الوقت الذي يبدو فيه العالم في أحوج ما يكون إلى من يمسك دفة قيادته تبدو «الديمقراطيات» التي صاغت النظام العالمي بعد 1945 منشغلة بالبحث عمّن يكمل ولايته. تعاقب على رئاسة الوزراء في فرنسا خمسة رؤساء في أقل من عامين، وانهار الائتلاف الحاكم في ألمانيا قبل موعده، واستقال رئيس وزراء اليابان بعد عام واحد في المنصب، وعرف 10 داونينج ستريت سبعة رؤساء وزارة في نحو عشر سنوات.

من السهل أن نقول أين تشرشل وديغول وروزفلت؟ هذا النوع من الحنين يخون سياقات التاريخ، فقد أسقط البريطانيون تشرشل في انتخابات 1945 قبل أن تبرد مدافع الحرب العالمية الثانية، وغادر ديغول الإليزيه عام 1969 بعد أن خسر استفتاء ربط به بقاءه. القادة الكبار صنعتهم الكوارث والأحداث العظمى في العالم ودعمتهم المؤسسات التي بنوها بأيديهم مثل الأمم المتحدة وبريتون وودز والناتو.

أما قادة اليوم فإنهم يتحركون في مؤسسات ورثوها منهكة. يقول استطلاع أجراه مركز بيو الأمريكي للأبحاث في النصف الأول من العام الجاري إن 54% من مواطني 16 دولة غنية غير راضين عن أداء ديمقراطياتهم.

ووجد مقياس إيدلمان للثقة أن 32% فقط من المستطلَعين حول العالم يتوقعون أن يعيش الجيل القادم حياة أفضل. وحين يتوزع برلمان على ثلاث كتل متناحرة، يحكم أي رئيس وزراء، مهما بلغت موهبته، بأغلبية مستعارة وعمر افتراضي قصير. جزء كبير مما نسميه ضعف القادة هو في حقيقته ضعف الأدوات التي بين أيديهم.

المفارقة أن العالم لا يشكو نقصا في القبضات القوية، وقد رصد تقرير ميونخ للأمن هذا العام مزاجا سياسيا يحتفي بمعاول الهدم، ويلقى فيه من يتعهدون بتفكيك المؤسسات القائمة إعجابا حذرا، وأحيانا تصفيقا علنيا.

ووضع التقرير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقدمة هذا الاتجاه، مقرا بأن أسلوبه انتزع مكاسب وحرّك ملفات أصابها الجمود، قبل أن يطرح المسألة الأهم: هل يمهّد الهدم لبناء أفضل، أم يترك وراءه أرضا خالية تتنازعها الصفقات ومصالح الأقوياء؟

كتب المؤرخ الأمريكي والتر راسل ميد أن القادة في المجتمعات الجادة «لا يستطيعون الحصول على كل شيء، فالمقايضات حقيقية، والاعتقاد بغير ذلك علامة انحطاط». والمقايضات اليوم حاضرة في كل ملف مفتوح، لكن قلّة من الساسة يجرؤون على تسميتها.

كم عاصمة كبرى تستطيع أن تقول لشعبها إن السلام في أوكرانيا لن يأتي دون تنازلات مؤلمة، وإن وقف الحرب في غزة يمر عبر الضغط على الحليف قبل الخصم؟ الجواب معروف، وسببه معروف أيضا: القائد الذي يسمّي الثمن يخسر الانتخابات التالية، والذي يخفيه يخسر الحرب التالية. وفي هذه المعادلة يؤثر أغلب الساسة الخسارة المؤجلة على الخسارة العاجلة، فتُرحَّل الأزمات من ولاية إلى أخرى، وتدفع الشعوب في النهاية الثمنين معا.

والدرس الأثقل يقع على «الشرق الأوسط» الذي ظل لعقود ينتظر أن تأتي الحلول من واشنطن أو موسكو أو بروكسل، وبقي يدفع ثمن قرارات يتخذها آخرون بعيدا عنه. لم يعد ذلك الانتظار مجديا في عالم تنشغل فيه القوى الكبرى بأزماتها.

إذا غابت القيادة في الخارج، فعلى دول الإقليم أن تبني بنفسها ترتيبات أمنها واقتصادها، وأن تتفاهم على الحد الأدنى الذي يمنع تحويل أرضها ساحة لحروب الآخرين. أما أزمة القيادة العالمية فستطول ما دامت الجماهير تنحاز إلى من يعدها بحلول بلا ثمن، وتنصرف عمّن يصارحها. والمنطقة التي تنتظر انتهاءها ستنتظر طويلا.