المسرح الجامعي الخليجي وصناعة الأثر

30 سبتمبر 2026
30 سبتمبر 2026

حين ركبنا قاربا في عين (دربات) بولاية طاقة بمحافظة ظفار مع عدد من الإخوة الخليجيين المشاركين في المهرجان المسرحي السابع لجامعات، ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون الخليجي، شعرنا بأنّ القارب يجسّد حالة رمزية ذات أبعاد، ودلالات عميقة، كنا نستند إلى بعض، ونميل معا مع ميلان القارب، الذي يسير بهدوء في مياه عذبة تشفّ عما تحتها من حصى، وأسماك صغيرة، لصفاء الماء، ونقاوته منطلقين إلى الأمام مستمتعين بجمال المكان، وروعة أجواء موسم (الصرب) الذي أعقب (الخريف) في ظفار، وفيه ينحسر الضباب، ويتوقّف الرذاذ، والمطر، وتتّضح للأعين مناظر الخضرة التي تغطي الجبال،

في المحطّة الأولى التي قطعها المشاركون في جولة سياحية واستكشافية في المحافظة ببرنامج أعدّته لجان المهرجان ونظّمته الجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، وأشرفت عليه الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي تحت شعار (يوحّدنا الإرث ويجمعنا المسرح)، وكلّما قطع القارب مسافة تعزّز شعورنا بمتانة عرى الأخوّة التي تجمع أبناء الخليج، وجاء يرسّخها المسرح، وكلّنا نعرف دوره في بناء الوعي الحضاري،

وقد أكّد على ذلك رئيس جامعة التقنية والعلوم التطبيقية سعادة الدكتور سعيد بن حمد الربيعي في كلمة الافتتاح حين قال: «إن المسرح يتصدّر المسارات الثقافية القادرة على التعبير عن الإنسان والمجتمع؛ فهو مساحة للحوار، ومنبر للفكرة، وإن الجامعات الحديثة الناجحة تراهن على إعداد كوادر بشرية تجمع إلى جانب البناء الفكري القدرة على العمل الجماعي، وتحمّل المسؤولية، والتعبير، والاستماع، والحوار، وبناء شخصية متوازنة قادرة على الإبداع والمشاركة وصناعة الأثر».

في ذلك الرحلة استرجعنا تفاصيل أوبريت الافتتاح الغنائي (خليجنا) للمخرج خالد الشنفري الذي عبّر عن معاني الأخوّة الخليجية من خلال لوحات استعراضية تضمّنت لوحات من الفنون العمانية التقليدية، ومن بينها فنون البحر والبرعة إلى جانب مشاهد تمثيلية أدّتها المجاميع وعلى رأسهم الفنان محمد العجمي والفنانة نور الهدى الغمارية.

وتواصلت أحاديثنا في القارب الذي لم يكن يوصل بين ضفّتين، بل كان يجمع أجيالا مختلفة، وهذا ما رأيناه في المهرجان الذي جمع الشباب والروّاد الذين تمّ تكريمهم في المهرجان، ومن بينهم: النجم الكويتي سعد الفرج، والقطري غانم السليطي، والبحريني خالد الرويعي، والكويتية د. ابتسام الصمادي، والكاتب السعودي عباس الحايك،

ومن سلطنة عُمان: فخريّة خميس، وصالح زعل، وأمينة عبدالرسول، والمكرّم د. عبدالكريم جواد، والمكرّم محمد المجيني، ود.سعيد السيابي، ود. آمنة الربيع، ود. رحيمة الجابري، والمخرج والكاتب عماد الشنفري، والمخرج أحمد الروّاس، والفنّان عبدالحكيم الصالحي، وهذا من شأنه أن يمدّ جسور التواصل بين الأجيال؛ فتجارب الشباب لا تنضج إلّا بمساندة أصحاب الخبرة.

تذكّرت مشاركة لي في مقتبل حياتي عندما كنت في المرحلة الثانوية حين اشتركت في مهرجان الشباب العربي السادس الذي أقيم في (الرياض) عام 1984م، وما تركته تلك المشاركة في نفسي من أثر ثقافي ساهم في تعزيز رحلتي مع الشعر، والمسرح،

ففي ذلك المهرجان تعرّفت على شعراء في سنّي واستمرّت علاقتي بهم، ومن بينهم من السعودية الشعراء: عبدالله الصيخان ومحمد الحربي، والراحل محمد الثبيتي، والشاعر اليمني أحمد ضيف الله العواضي، والتشكيلي المغربي محمد البوكيلي -رحمه الله-، وحين تعذّر على أحد الممثلين المشاركين في العرض العراقي (ليلة ممطرة) الالتحاق بالوفد، لكونه عسكريا، في مرحلة كانت فيها حرب الخليج الأولى حامية الوطيس على جبهات القتال،

اقترح عليّ رئيس الوفد الناقد الراحل مزاحم علي عباس أن أقف على خشبة المسرح لأحلّ محلّه، وأنقذ العرض من موقف حرج، فلم أتردّد، مستفيدا من محاولات سابقة خضتها في المسرح المدرسي، ومشاهدات للعروض المسرحيّة التي كانت تقدّم بمناسبة وبدون مناسبة في المدرسة، والمحلّة في مرحلة كان شعارها «أعطني مسرحا، أعطك شعبا واعيا ومثقّفا»،

وتردّدي على معهد الفنون الجميلة ومشاهدتي لعروض تخرّج طلابية، تصل أحيانا إلى مشاهدة أكثر من عرض في كلّ أسبوع، ومن أبرزها مسرحية (الجمجمة) التي أخرجها د. محمد سيف، عام 1981م عندما كان طالبا في المعهد، فعقدتُ معه، وفريق العمل صداقة مستمرّة إلى اليوم، ولا ننسى فضل العروض التي كان يقدّمها منتدى المسرح الذي أسّسه المخرج الكبير مقداد مسلم، وكان عبارة عن غرفة في الطابق الرابع من بناية (السينما والمسرح)، ومن تلك (الغرفة) التي خطّط لها أن تكون مختبرا، لاحتضان الشباب، وإبراز مواهبهم، خرجت تجارب مهمة،

وشاهدنا عروضا بقي أثرها راسخا في ذاكرتنا، ولم أكن أكتفي بمشاهدتها، وأغادر المكان، بل كنت أحضر الجلسات التطبيقية التي تعقب تلك العروض، وأبني علاقات مع المشاركين والحضور، فمرحلة الشباب هي مرحلة تأسيسية منها تنطلق التجارب، ومن هنا تأتي أهمية هذه التظاهرة المسرحية الخليجية التي أكّدت على تعزيز الهوية وتحفيز الإبداع، والابتكار، وصناعة الأثر.