No Image
ترجمة

لماذا قد يكون تقليل التواصل مع الأصدقاء مفيدا؟ العلم يجيب

01 أكتوبر 2026
01 أكتوبر 2026
آدم جرانت

كانت أمي دائما أكبر مشجّعة لي. خلال الجائحة، مضت أشهر طويلة من دون أن أراها، واشتقت إليها. وحين أصبح السفر ممكنا، تحمّلتْ عناء رحلة طويلة عبر البلاد كي تمضي وقتا ممتعا معي ومع أسرتي.

لكن الزيارة لم تسر كما خططنا لها، نفد صبري عندما احتاجت إلى مساعدتي في استخدام هاتفها.

واختلفنا على ما سنتناوله في العشاء، وكسرت مزهرية عن طريق الخطأ.

وكانت كثيرا ما تردد مقولة جدتها الأثيرة: «الزوار مثل السمك، تفوح رائحتهم بعد ثلاثة أيام». وفي نهاية الزيارة، قالت مازحة إنها أثبتت صحة المقولة.

وسط أزمة الوحدة التي تعصف بأمريكا، يعتقد كثيرون أن زيادة التواصل هي السبيل إلى توثيق الروابط. يلتزم المراهقون بالحفاظ على سلسلة تواصل يومية مع أصدقائهم على «سناب شات».

ويحاول الزملاء توثيق علاقاتهم عبر لقاءات منتظمة بعد العمل. ويلتقي رفاق السكن السابقون لتناول الغداء كل يوم أحد، فيما يلحّ الآباء على أبنائهم البالغين؛ كي يتصلوا بهم كل ليلة.

قد يكون التواصل المستمر أمرا لطيفا، لكنه قد يفرض أيضا ضغوطا كبيرة علينا وعلى الآخرين، ويضاعف فرص الشعور بالإساءة كلما انقطع هذا التواصل أو تعثر.

تكشف الأبحاث أن عدد مرات التفاعل لا يحدد جودة العلاقة. وكما جاء في منشور واسع الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن «الصداقة الحقيقية تسمح بقدر من الاختفاء من دون أن تجعل منه قضية». بل إن الوقت الذي نقضيه بعيدا بعضنا عن بعض قد يزيدنا قربا.

غالبا ما تتحسن علاقات الأبناء بآبائهم وإخوتهم بعد مغادرتهم إلى الجامعة، فحين يتوقف الآباء عن المراقبة اللصيقة والإلحاح، ويمتنع الأشقاء عن استعارة الملابس بلا استئذان، تقل المشاجرات وتصبح الأحاديث أعمق.

وينطبق الأمر نفسه على بيئة العمل.

ففي مجالات تمتد من البرمجيات إلى المبيعات، لا تتفاعل الفرق الأعلى إنتاجية وإبداعا وقدرة على إيجاد الحلول بوتيرة ثابتة ومتواصلة، بل تتعاقب لديها فترات يقل فيها التواصل وأخرى تشهد تواصلا مكثفا.

قد يجعل الغياب القلب أكثر تعلقا بالفعل، فالمسافة تمنحنا فرصة للتصالح واستعادة طاقتنا وإعادة تشكيل علاقاتنا.

بعد أن أحرز فيل جاكسون ثلاث بطولات في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين مع فريق لوس أنجلوس ليكرز، غادر الفريق واصفا كوبي براينت بأنه لاعب يستحيل تدريبه.

وعندما عاد جاكسون بعد عام، استطاع الاثنان إصلاح علاقتهما وتنحية غرورهما جانبا وتغيير أسلوب الفريق الهجومي، ثم أحرزا بطولتين أخريين حتى في غياب شاكيل أونيل.

وتقدم فرقة «فال آوت بوي» مثالا آخر، فبعد معاناة أعضائها من الاحتراق النفسي، مضى كل منهم في طريقه.

وحين اجتمعوا مجددا بعد أربعة أعوام، عادوا بطاقة متجددة ورؤية جديدة لنقل موسيقاهم من البانك إلى البوب مع مسحة من الهيب هوب.

وفي النهاية، تجاوزوا نجاحاتهم السابقة، وأصدروا ثلاثة ألبومات متتالية تصدرت قوائم المبيعات، إلى جانب الأغنية الأكثر استماعًا في تاريخهم.

وقال عازف الطبول: إن الاستراحة «صفّت ذائقتي حتى استطعت الانفتاح على الشكل الجديد». أما المغني الرئيسي فقال: «يبدو الأمر كما لو أن فترة التوقف كلها كانت من أجل مساعدة الفرقة».

تشير البيانات إلى أن معظم الناس يستطيعون قضاء ما يصل إلى 75 في المائة من وقتهم بمفردهم من دون الشعور بالوحدة. وبطبيعة الحال، تحتاج بعض العلاقات إلى أحاديث متكررة أكثر من غيرها. فإذا لم تتحدث إلى شريك حياتك سوى مرة واحدة في الشهر، فأنت تدفع به نحو موقع هامشي في حياتك.

وإذا اقتصرت لقاءاتك بأصدقاء المدرسة الثانوية أو الجامعة على تجمعات الخريجين مرة كل خمسة أو عشرة أعوام، فقد تتجمد علاقاتكم عند زمن مضى. ولكي نحمي روابطنا من التآكل، نحتاج إلى طقوس جديدة تجعل التواصل المتقطع أكثر قيمة.

الحفاظ على سلسلة يومية في «سناب شات» لا يقوّي الروابط بالضرورة، إلا أن نوعا آخر من التواصل الرقمي قد يفعل ذلك.

يُطلق عليه اسم «التهادي بالحصى» (Pebbling)، نسبة إلى طقس تستخدمه بعض طيور البطريق في مغازلة شركائها المحتملين؛ إذ تجمع حصى ملساء لامعة، جذابة وصالحة لبناء عش مشترك، ثم تقدمها إليها.

أما النسخة الرقمية من هذا الطقس فتتمثل في تبادل الصور الطريفة أو الروابط أو مقاطع الفيديو القصيرة.

ولا يتعلق الأمر بإغراق الآخرين بمحتوى عشوائي من الإنترنت، وإنما بإرسال أشياء صغيرة تذكّرك بهم أو تعرف أنها تثير اهتمامهم على نحو خاص.

قد لا يكون المحتوى عميقا، لكن الفعل نفسه يحمل دلالة مهمة؛ فكل حصاة هي بادرة للتقارب، ورسالة معناها: «أنا أفكر فيك».

وتبين الأبحاث أن هذا النوع من التواصل يساعدنا على ترسيخ العلاقات والحفاظ عليها، ولا سيما مع الأشخاص الذين لا نعرفهم جيدا. وما يمنحه قيمته هو طابعه الشخصي.

أن ترسل إلى شخص مقطعًا تعرف أنه سيحبه لفتة مؤثرة، وأن تتشارك معه مقطعا تحبانه معا وسيلة للتقارب. وقد يكون أي منهما تمهيدا لمحادثة حقيقية.

عندما استعدت التواصل مع صديقة من أيام الجامعة بعد انقطاع دام عشرة أعوام، أدهشني أنها ما زالت تتذكر فيلمي المفضل. أشعرني ذلك بأنني كنت مهمة لديها.

وقد يكون لهذه اللفتة الصغيرة، التي تكشف أن شخصا ما لا يزال يتذكرك، أثر بعيد. وينطبق الأمر نفسه على رسالة قصيرة تعبّر عن الاهتمام.

ثمة دليل لافت على أن المرضى الذين يعانون تحديات في الصحة النفسية، بعد خروجهم من المستشفى، قد تنخفض لديهم مخاطر الانتحار إلى النصف بمجرد تلقيهم رسائل قصيرة ودورية من العاملين فيه.

وقد ظهرت هذه النتيجة سواء كان المرضى في كاليفورنيا أو إيران أو أستراليا. صحيح أن تلك العلاقات لا تندرج ضمن الصداقة، لكن الدرس واحد: لحظات التواصل الصغيرة والمتباعدة يمكن أن تُحدث فارقا كبيرا.

وقد كتب أحد المرضى: «لن تعرفوا أبدا ما تعنيه لي رسائلكم الصغيرة. إنها تجعلني أفكر دائما في أن هناك من يهتم بما يحدث لي، حتى بعدما طردتني أسرتي. أنا ممتن حقا».

تستطيع اللفتات الصغيرة أن تغذي الروابط، غير أن أفضل سبيل لتقويتها هو صنع ذكريات جديدة معا.

وجد علماء النفس أنه عندما يزور أشخاص بيتا للرعب، يزداد قربهم بعضهم من بعض كلما اشتد الخوف الذي يواجهونه، شرط أن يتحدثوا عن التجربة معا بعد انتهائها. وبهذا تتحول التجربة إلى لحظة فريدة يتشاركونها.

ويصدق الأمر نفسه على الغناء والرقص وألعاب الفيديو العائلية وطقوس الفنون القتالية. لا تغني هذه الأنشطة المشتركة عن التعرف إلى شخص ما بعمق، لكن العرق والهتاف يعملان كمواد ميسّرة للتفاعل الاجتماعي.

وكلما ازداد ما نشعر به معا، تسارعت نشأة الروابط بيننا.

هل أنت مشغول إلى درجة لا تسمح لك بغناء الكاريوكي؟ جرب «ليلة المهام الإدارية»؛ حيث يجتمع الأصدقاء بينما ينجز كل منهم أكثر أعماله رتابة.

ولدى ستيف مارتن ومارتن شورت وتوم هانكس نسختهم الخاصة من تحويل الانزعاج الشخصي إلى متعة مشتركة؛ إذ يقيمون حفلات للتحضير لفحص تنظير القولون، يشاهدون خلالها الأعمال الكوميدية ويلعبون البوكر وهم يستعدون للإجراء الطبي.

وسمعت عن مجموعات من الأصدقاء يحافظ أفرادها على تواصلهم عبر القارات بإقامة لقاء سنوي ليلة رأس السنة. وقد تسهم رحلة واحدة معا كل عام في الحفاظ على القرب أكثر مما تفعله مأدبة عشاء كل ثلاثة أشهر.

قد تبدو معاودة الاتصال بشخص انقطع تواصلك المنتظم معه أمرا شاقا. ففي سلسلة من الدراسات، أبدى الناس ترددًا في الاتصال بأصدقائهم القدامى يماثل ترددهم في الكتابة إلى غرباء.

وبعد أن صاغ مئات الأشخاص رسائل نصية ورسائل إلكترونية لاستعادة التواصل، لم يرسلها في النهاية سوى أقل من الثلث. كانوا يرغبون في إرسالها، لكنهم خشوا ألا تلقى مبادراتهم ترحيبا بعدما خبت صداقاتهم.

وقد أخطأوا في تقديرهم. ففي 90 في المائة من الحالات، وجد الناس أن استعادة التواصل تجربة ممتعة.

وعندما طُلب من بعض المشاركين، باختيار عشوائي، أن يعاودوا التواصل عبر الهاتف أو مكالمة فيديو، ازدادت روابطهم قوة مقارنة بمن استخدموا البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية، ولم يكن التفاعل أكثر إحراجًا.

ويُرجح أن يفرز الجسم هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالرعاية عندما نسمع أصوات الآخرين أكثر مما يحدث عندما نقرأ رسائلهم.

يبدو الحفاظ على العلاقات أصعب مما هو عليه في الواقع. وعندما نتقبل أن الروابط القوية تستطيع الاستمرار من دون تفاعل منتظم، نتحرر من وطأة الضغط ونتوقف عن القلق بشأن طول المدة التي انقضت منذ آخر تواصل. ففي نهاية المطاف، يبدو أن الشمبانزي والبونوبو يستطيعان التعرف إلى أصدقاء لم يروهم منذ سنوات.

لا أتحدث مع أمي كل يوم، لكننا بدأنا تقليدا جديدا: نتصل ببعضنا بينما نلعب «سكرابل» عبر الإنترنت، وأنتظر كل مباراة بشوق. الانسجام بين شخصين لا تصنعه كثرة التواصل، وإنما عمق الصلة بينهما.