لكن الزيارة لم تسر كما خططنا لها، نفد صبري عندما احتاجت إلى مساعدتي في استخدام هاتفها.
واختلفنا على ما سنتناوله في العشاء، وكسرت مزهرية عن طريق الخطأ.
وكانت كثيرا ما تردد مقولة جدتها الأثيرة: «الزوار مثل السمك، تفوح رائحتهم بعد ثلاثة أيام». وفي نهاية الزيارة، قالت مازحة إنها أثبتت صحة المقولة.
ويحاول الزملاء توثيق علاقاتهم عبر لقاءات منتظمة بعد العمل. ويلتقي رفاق السكن السابقون لتناول الغداء كل يوم أحد، فيما يلحّ الآباء على أبنائهم البالغين؛ كي يتصلوا بهم كل ليلة.
وينطبق الأمر نفسه على بيئة العمل.
ففي مجالات تمتد من البرمجيات إلى المبيعات، لا تتفاعل الفرق الأعلى إنتاجية وإبداعا وقدرة على إيجاد الحلول بوتيرة ثابتة ومتواصلة، بل تتعاقب لديها فترات يقل فيها التواصل وأخرى تشهد تواصلا مكثفا.
بعد أن أحرز فيل جاكسون ثلاث بطولات في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين مع فريق لوس أنجلوس ليكرز، غادر الفريق واصفا كوبي براينت بأنه لاعب يستحيل تدريبه.
وعندما عاد جاكسون بعد عام، استطاع الاثنان إصلاح علاقتهما وتنحية غرورهما جانبا وتغيير أسلوب الفريق الهجومي، ثم أحرزا بطولتين أخريين حتى في غياب شاكيل أونيل.
وحين اجتمعوا مجددا بعد أربعة أعوام، عادوا بطاقة متجددة ورؤية جديدة لنقل موسيقاهم من البانك إلى البوب مع مسحة من الهيب هوب.
وفي النهاية، تجاوزوا نجاحاتهم السابقة، وأصدروا ثلاثة ألبومات متتالية تصدرت قوائم المبيعات، إلى جانب الأغنية الأكثر استماعًا في تاريخهم.
وقال عازف الطبول: إن الاستراحة «صفّت ذائقتي حتى استطعت الانفتاح على الشكل الجديد». أما المغني الرئيسي فقال: «يبدو الأمر كما لو أن فترة التوقف كلها كانت من أجل مساعدة الفرقة».
وإذا اقتصرت لقاءاتك بأصدقاء المدرسة الثانوية أو الجامعة على تجمعات الخريجين مرة كل خمسة أو عشرة أعوام، فقد تتجمد علاقاتكم عند زمن مضى. ولكي نحمي روابطنا من التآكل، نحتاج إلى طقوس جديدة تجعل التواصل المتقطع أكثر قيمة.
يُطلق عليه اسم «التهادي بالحصى» (Pebbling)، نسبة إلى طقس تستخدمه بعض طيور البطريق في مغازلة شركائها المحتملين؛ إذ تجمع حصى ملساء لامعة، جذابة وصالحة لبناء عش مشترك، ثم تقدمها إليها.
ولا يتعلق الأمر بإغراق الآخرين بمحتوى عشوائي من الإنترنت، وإنما بإرسال أشياء صغيرة تذكّرك بهم أو تعرف أنها تثير اهتمامهم على نحو خاص.
قد لا يكون المحتوى عميقا، لكن الفعل نفسه يحمل دلالة مهمة؛ فكل حصاة هي بادرة للتقارب، ورسالة معناها: «أنا أفكر فيك».
أن ترسل إلى شخص مقطعًا تعرف أنه سيحبه لفتة مؤثرة، وأن تتشارك معه مقطعا تحبانه معا وسيلة للتقارب. وقد يكون أي منهما تمهيدا لمحادثة حقيقية.
وقد يكون لهذه اللفتة الصغيرة، التي تكشف أن شخصا ما لا يزال يتذكرك، أثر بعيد. وينطبق الأمر نفسه على رسالة قصيرة تعبّر عن الاهتمام.
وقد ظهرت هذه النتيجة سواء كان المرضى في كاليفورنيا أو إيران أو أستراليا. صحيح أن تلك العلاقات لا تندرج ضمن الصداقة، لكن الدرس واحد: لحظات التواصل الصغيرة والمتباعدة يمكن أن تُحدث فارقا كبيرا.
وقد كتب أحد المرضى: «لن تعرفوا أبدا ما تعنيه لي رسائلكم الصغيرة. إنها تجعلني أفكر دائما في أن هناك من يهتم بما يحدث لي، حتى بعدما طردتني أسرتي. أنا ممتن حقا».
وجد علماء النفس أنه عندما يزور أشخاص بيتا للرعب، يزداد قربهم بعضهم من بعض كلما اشتد الخوف الذي يواجهونه، شرط أن يتحدثوا عن التجربة معا بعد انتهائها. وبهذا تتحول التجربة إلى لحظة فريدة يتشاركونها.
وكلما ازداد ما نشعر به معا، تسارعت نشأة الروابط بيننا.
ولدى ستيف مارتن ومارتن شورت وتوم هانكس نسختهم الخاصة من تحويل الانزعاج الشخصي إلى متعة مشتركة؛ إذ يقيمون حفلات للتحضير لفحص تنظير القولون، يشاهدون خلالها الأعمال الكوميدية ويلعبون البوكر وهم يستعدون للإجراء الطبي.
وبعد أن صاغ مئات الأشخاص رسائل نصية ورسائل إلكترونية لاستعادة التواصل، لم يرسلها في النهاية سوى أقل من الثلث. كانوا يرغبون في إرسالها، لكنهم خشوا ألا تلقى مبادراتهم ترحيبا بعدما خبت صداقاتهم.
وعندما طُلب من بعض المشاركين، باختيار عشوائي، أن يعاودوا التواصل عبر الهاتف أو مكالمة فيديو، ازدادت روابطهم قوة مقارنة بمن استخدموا البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية، ولم يكن التفاعل أكثر إحراجًا.
ويُرجح أن يفرز الجسم هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالرعاية عندما نسمع أصوات الآخرين أكثر مما يحدث عندما نقرأ رسائلهم.