No Image
ترجمة

إنذار قاتم بمستقبل ما بعد القراءة

01 أكتوبر 2026
01 أكتوبر 2026
جورج إف. ويل

تتكاثر الأخطار المفترضة بسرعة مع تحوّل تقنيات مثل: الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي. غير أن التطور الأشد خطرا لا ينطوي على تقنية مستحدثة، ولذلك لا يحظى بالاهتمام.

لكن جيمس ماريوت ينتبه إليه. يحذّرنا هذا المفكر البريطاني من أن منجزا أتاح قيام الحداثة، بما حملته من نزعة شك وعقلانية وعلم وديمقراطية، يفقد أهميته الآن بوتيرة متسارعة.

هذا المنجز، الذي قيل إنه «أدمن» أوائل مستخدميه، هو الكتاب.

لذلك، اقرأ كتابا، وليكن هذا الكتاب: مؤلَّف ماريوت الوجيز «العصور المظلمة الجديدة: موت القراءة وفجر مجتمع ما بعد القراءة».

في القرن الثامن عشر، بدأ عدد كبير من الناس، وبصورة مفاجئة، يقرأ على نطاق واسع، ولا سيما الكتب.

لم تصبح معرفة القراءة والكتابة شبه شاملة بين البالغين في دول شمال الأطلسي إلا في أواخر القرن التالي، لكن القراءة كانت قد تجاوزت في القرن الثامن عشر الشريحة الضئيلة جدا من المجتمع التي استطاعت القراءة أو تحمل كلفة اقتناء الكتب.

انطوت ثقافة المطبوع على ما يسميه ماريوت «الطبيعة التخيلية والتشاركية للقراءة».

وقد أسهمت هذه «الظاهرة الحديثة على نحو مدهش»، كما يقول، في تصاعد مكانة العقل وتراجع الخرافة.

كتب ماريوت أن الاشتباك مع الكلمة المطبوعة في صورة كتاب «غيّر الطريقة التي يفكر بها الناس». عزز النثر الطويل القدرات الذهنية اللازمة للتركيز الممتد في الحجج والقضايا المعقدة. وبدأ القراء يضعون الأفكار الموروثة موضع تساؤل: من أين تأتي السلطة؟ وكيف ينبغي أن نصنّف الحيتان؟ وكيف نعرف أن ما يقوله الكتاب المقدس صحيح؟

يقول عدد كبير من أساتذة الأدب اليوم إنهم كانوا يتوقعون من طلابهم في السابق قراءة رواية كل أسبوع، لكنهم لم يعودوا يكلفونهم بقراءة روائع مثل: «ميدل مارش» لجورج إليوت أو «يوليسيس» لجيمس جويس، فالطلاب لا يفتقرون إلى الرغبة فحسب، بل أصبحوا عاجزين عن استيعاب السرديات الرفيعة والمركّبة.

ومع تحوّل القراءة العميقة، بحسب ماريوت، إلى «مهارة نادرة، بل تكاد تكون مقصورة على الخاصة»، تفقد ثقافتنا مرساتها في الكلمة المكتوبة.

يرى ماريوت أن «القصف الرقمي» الذي تمارسه الهواتف الذكية هو «المتهم الرئيسي» في إنتاج «مستقبل ما بعد القراءة، يشبه الماضي السابق للقراءة: غارقا في الغيبيات والقبلية والاستبداد». ومع ذلك، قد لا يكون متشائما بما يكفي.

أجل، يفسر «الجحيم الأحمق لوسائل التواصل الاجتماعي» جانبا من «أفول الكلمة المكتوبة». لكن ربما كانت أغلبية كبيرة ومتنامية تحن، على نحو بائس، إلى ما ظل حتى عهد قريب الحالة الطبيعية للبشر: ذلك الخمول الذهني لدى أناس سابقين للقراءة ينكصون أمام الفعل التخيلي والإبداعي الذي تتطلبه القراءة المستغرقة.

فهذا النوع من القراءة شاق، وهو ضرب من العمل. لكنه باعث على الابتهاج؛ لأنه ليس فعلا سلبيا. إنه نقيض ما تقدمه الشاشات إلى متصفحيها الواهنين، ذوي العيون الزجاجية.

حرّر اختراع الكتابة البشرية من عبودية الذاكرة. أما المجتمعات التي تفتقر إلى ثقافة كتابية نابضة، فهي مجتمعات هيّابة، أسيرة تقاليدها، تفتقر إلى الفضول. يقول ماريوت: «عندما ندوّن أفكارنا، فإننا نُخرج جزءا من عقولنا إلى العالم الخارجي». وبمجرد أن تُكتب الأفكار، يصبح من الممكن «تحليلها وتحديها وتحسينها».

أتاحت ثقافة المطبوع ديمقراطية المعلومات التي احتكرها أصحاب السلطة من قبل. ومع ذلك، تبقى هذه الثقافة فصلًا قصيرا في قصة الإنسان، وربما يكون فصلًا يوشك أن ينتهي. تخيلوا مقدار ما ستبلغه قوة أصحاب السلطة عندما لا يعودون مضطرين حتى إلى تكبّد عناء تقنين المعلومات لجمهور لا يقرأ ولا يكترث.

يكتب ماريوت: «يصعب علينا إدراك مدى مركزية القراءة في كل جانب تقريبا من جوانب الحياة». عندما توفي الروائي فيكتور هوجو عام 1885، ملأ مليونا باريسي شوارع المدينة. وعندما تزوجت بطلة رواية صمويل ريتشاردسون «باميلا»، الصادرة عام 1740، قرعت أجراس الكنائس في أنحاء إنجلترا، وفقا لماريوت.

ومع ذلك، قال صمويل جونسون (1709-1784)، الذي ازدهر في زمن ازدهار القراءة: «الناس عموما لا يقرأون طوعا إذا وجدوا أي شيء آخر يسليهم». ويقول ماريوت إن التسلية في عصرنا تعرضت لقصف قوى الخوارزمية، التي تعمل كخلاط للطعام، حتى اختُزلت في أكثر صورها سهولة للهضم.

ولقياس مقدار ما فقدته ثقافتنا من التعقيد والفروق الدقيقة، قارن بين كلمات أغنيات كول بورتر وكلمات أغنيات جاستن بيبر.

أو تأمل ما رصدته مجلة «الإيكونوميست» من أن جمل الكتب الرائجة أصبحت أقصر بنحو الثلث منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

يذكّرنا ماريوت بأن مجموعة ليونيل تريلينج من المقالات الأدبية «الخيال الليبرالي» باعت في خمسينيات القرن الماضي أكثر من مائة ألف نسخة. وكان من بين الروايات الأكثر مبيعا في ستينياته «هيرتسوج» لسول بيلو و«الفهد» لجوزيبي تومازي دي لامبيدوزا.

يقول ماريوت: «على الصفحة، سرعان ما يصبح الهجاء المقذع مملا». أما على الشاشات، فيتكاثر «التعنت والجنون». إننا نحاول «إدارة ديمقراطية من دون حوار ناضج». ونتعلم الآن أن العقل والتسامح والتقدم منجزات مشروطة في قصة البشرية، وليست خصائص متأصلة فيها.

ويتساءل ماريوت: هل يمكن «إدارة أكثر الحضارات تقدما في تاريخ الكوكب بالعدة الفكرية لمجتمع سابق للقراءة»؟ ويشير إلى أن أول رئيس ينتمي إلى عصر ما بعد القراءة، حين اقترح إقامة «قوس ترامب» بالغ الضخامة والتشوه، لجأ بالغريزة إلى أسلوب بصري ميّز السياسة الاستبدادية قبل عصر انتشار القراءة والكتابة.