No Image
ترجمة

ما السر وراء مرونة الاقتصاد العالمي؟

08 أكتوبر 2026
08 أكتوبر 2026
نوريل روبيني

على الرغم من المخاطر المتصاعدة، وأسباب انعدام اليقين، وصدمات العرض السلبية الكبرى على مدار السنتين الأخيرتين، أظهرت أسواق الأسهم والاقتصاد العالمي في عموم الأمر الصمود بدرجة مُرضية للغاية.

في أعقاب الصدمة التي أحدثتها الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في «يوم التحرير» (الثاني من أبريل) عام 2025، جاءت حرب إيران في عامنا هذا، والتي تسببت في إحداث واحدة من أكبر صدمات الطاقة منذ أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، كان النمو العالمي في عام 2025 مرتفعا بقدر ما كان عليه في عام 2024 (3.5%)، وكان معدل التضخم العالمي في عام 2025 أقل مما كان عليه في عام 2024. ورغم أن النمو العالمي من المتوقع أن يتباطأ إلى 3% هذا العام، فمن المنتظر أن يتعافى (إلى 3.4%) في عام 2027، مع عودة التضخم في عام 2027 إلى المستوى الذي كان عليه في عام 2025 بعد ارتفاعه في عام 2026.

تُرى ما الذي يفسر هذه المرونة الواضحة التي يبديها الاقتصاد العالمي، وما هي أكبر المخاطر السلبية التي تهدد التوقعات الإيجابية نسبيا لعام 2027؟

الواقع أن أربعة عوامل رئيسية حالت دون حدوث انكماش اقتصادي. أولا، أجبر انضباط السوق إدارة ترمب على التخلي عن سياساتها الأكثر تعزيزا للركود التضخمي. فقد ارتفع متوسط معدلات التعريفات الجمركية الأمريكية من 2.1% في يناير 2025 إلى 21.5% في الثاني من أبريل 2025، لكن هذا أثار ردة فعل في السوق أجبرت ترمب على التراجع والتفاوض على خفض التعريفات الجمركية.

الآن، يبلغ متوسط معدل التعريفة الجمركية 9.6%. على نحو مماثل، تسبب القرار الذي اتخذه ترمب بشن حرب ضد إيران في إحداث صدمة أسعار النفط، وارتفاع عوائد السندات، وتصحيح في سوق الأسهم، الأمر الذي دفعه إلى التفاوض على وقف إطلاق نار هش أصلح جزئيا بعض الأضرار.

ثانيا، ساهمت تعديلات في أنماط التجارة، وسلاسل التوريد العالمية، وغير ذلك من عوامل الإنتاج في التخفيف من صدمتي الرسوم الجمركية والنفط. وبوجود عدد كبير من المنتجين الجدد ومصادر الطاقة الجديدة، أصبح العالم اليوم أقل اعتمادا على النفط مقارنة بالماضي. كما تسبب سحب جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط (خاصة في الصين) وانهيار الطلب إلى التخفيف بشكل كبير من تأثير الصدمة.

ثالثا، ساعدت الاستجابات في مجال السياسات أيضا في امتصاص بعض التأثير. فقد شهدنا سياسات التيسير المالي والنقدي في اقتصادات متقدمة عديدة في عام 2025، عندما بدا أن النمو في خطر، تلاها تشديد نقدي هذا العام للإبقاء على توقعات التضخم ثابتة.

رابعا، والأكثر أهمية، أن العالم يمر حاليا بصدمة عرض كلي إيجابية ضخمة طويلة الأجل، بسبب طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. تقود الولايات المتحدة والصين هذه الطفرة بوضوح، لكن دولا أخرى عديدة في آسيا وأوروبا تستفيد أيضا من دورة الإنفاق الرأسمالي هذه، التي تشمل أيضا على نحو متزايد إنفاقا أعلى على الدفاع.

مع ذلك، لا يخلو الأمر من مخاطر نادرة يجب وضعها في الاعتبار. بادئ ذي بدء، أصبحت التوترات الجيوسياسية شديدة، ولا يزال الشحن عبر مضيق هرمز مقيدا وغير مؤكد، وقد تؤدي الهجمات الحوثية الأخيرة على ممرات الشحن البحري الحرجة وأحد خطوط الأنابيب السعودية إلى تقييد إمدادات النفط والغاز بدرجة أكبر. وقد قفزت أسعار النفط بالفعل مرة أخرى فوق 100 دولار للبرميل، وكلما طال أمد ارتفاع أسعار الطاقة، ازدادت ضغوط الركود التضخمي.

علاوة على ذلك، قد لا يدوم تمديد الهدنة الصينية-الأمريكية الأخير إذا ازدادت جرأة الصين ــ وحلفاؤها بحكم الأمر الواقع، روسيا وإيران وكوريا الشمالية ــ بسبب الأخطاء الجيوستراتيجية التي ترتكبها الولايات المتحدة. وقد تتصاعد التوترات حول تايوان بعد الانتخابات التي ستجرى في الجزيرة عام 2028، كما بدأ الصراع الروسي-الأوكراني يتوسع بالفعل إلى مسرح أوسع نطاقا ــ حيث تشن أوكرانيا ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، وتشن روسيا حربا هجين ضد أوروبا. ونظرا لاستهداف أوكرانيا لمنشآت الطاقة الروسية، فإن الفشل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار سيفرض ضغوطا تصاعدية إضافية على أسعار المواد الهيدروكربونية.

في الوقت ذاته، تُـظهِر الديمقراطيات الليبرالية على نحو متزايد علامات الخلل السياسي، وقد تُفضي الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا إلى سياسات اقتصادية أكثر شعبوية من شأنها أن تلحق الضرر بالنمو وتجلب مخاطر مالية أعظم. وبالفعل، بدأ العجز المالي الكبير ونسب الدين المرتفعة إلى الناتج المحلي الإجمالي في عدد كبير من الاقتصادات المتقدمة وبعض الأسواق الناشئة يدفع عوائد السندات السيادية إلى الارتفاع، وهذا يهدد بمزاحمة إنتاج القطاع الخاص، والإنفاق الرأسمالي، والاستهلاك، ويزيد من مخاطر حدوث أزمات ائتمانية.

تشكل طفرة الذكاء الاصطناعي مصدرا آخر للخطر ــ وهي تُـظهِر بالفعل بوادر المغالاة في التقييم. وإذا تبين كونها فقاعة لا بد أن تنفجر أو تنكمش في نهاية المطاف، فقد ينجم عن ذلك تأثيرات سلبية على الثروة (تدني الاستهلاك)، ومشاكل ائتمانية، وتراجع الروح المعنوية الاقتصادية بين المستثمرين والأسر.

على صعيد السياسات، تميل صدمات الركود التضخمي التي تقلل النمو وتزيد التضخم إلى خلق معضلة للبنوك المركزية التي تضطلع بمهمة مزدوجة تتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار والتشغيل الكامل للعمالة. وإذا توصلت هذه البنوك إلى أن رفع أسعار الفائدة مرة أخرى له ما يبرره لمكافحة التضخم، فقد يؤدي هذا إلى إضعاف النمو وإثارة المخاوف بشأن الاستقرار المالي، نظرا لارتفاع مستويات الديون الخاصة والعامة وخطر تسييل الديون («طباعة النقود»).

في السيناريو الأساسي، تظل هذه المخاطر السلبية تحت السيطرة، ويتحسن النمو الاقتصادي العالمي في عام 2027، وينخفض التضخم مع عمل الابتكارات التكنولوجية المعزِّزة للإنتاجية كرياح مواتية قوية تدفع الاقتصاد العالمي إلى الأمام. في هذه الحالة، ستكون عوائد السندات المرتفعة مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي أكثر من كونها مدفوعة بالمخاوف بشأن التضخم أو العجز المالي والديون. علاوة على ذلك، من المؤكد أن تخفيف التوترات الجيوسياسية يظل في حكم الممكن، ومن شأنه أن يخفض أسعار الطاقة، بما يهيئ الظروف لاستمرار العوائد الإيجابية ــ التي قد تصل حتى إلى خانة العشرات ــ التي حققتها الأسهم في السنوات الأخيرة.

ولكن إذا تحققت المخاطر الكبرى، فقد تظل أسعار الطاقة والسلع الأساسية مرتفعة أو تزداد ارتفاعا، وقد تتعرض التجارة وسلاسل التوريد لانقطاعات وارتباكات أكثر حدة. وهذا من شأنه أن يزيد بدرجة كبيرة من خطر حدوث تصحيح حقيقي في السوق، مصحوبا بارتفاع عوائد السندات وانخفاض أسعار الأسهم.

لا يزال السيناريو الأكثر تفاؤلا هو الأرجح. فالرياح المواتية في قطاع التكنولوجيا لا تزال قوية، وسوف يظل انضباط السوق قادرا على كبح جماح أسوأ السياسات، ويبدو أن الولايات المتحدة والصين ملتزمتان بتخفيف حدة التنافس بينهما. نظرا لنطاق المخاطر المحتملة، لا بد من التمسك بالأمل في استمرار المرونة الحالية. وسوف يتوقف قسم كبير من الأمر على حرص القادة السياسيين على تجنب الاختيارات المتطرفة والامتناع عن إفشال أحد أكثر الإبداعات التكنولوجية أهمية في تاريخ البشرية.