No Image
ترجمة

الأمم المتحدة لا تستطيع - ولا ينبغي لها- انتظار الإجماع

17 سبتمبر 2026
17 سبتمبر 2026

هيلين كلارك

عندما يجتمع القادة من مختلف أنحاء العالم في نيويورك هذا الشهر لحضور الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لن يكون هذا اجتماعًا عاديًا.

فالدول الأعضاء على وشك اختيار الأمين العام المقبل، الذي سيواجه فور توليه منصبه ليس فقط أزمات عالمية عديدة، بل أيضًا موارد الأمم المتحدة المالية المتضائلة.

فبسبب امتناع بعض الدول الأعضاء عن الوفاء بكامل التزاماتها المالية تجاه المنظمة، اضطرت الأمم المتحدة بالفعل إلى خفض ميزانيتها لعام 2026 بنسبة 9% والتخلص من نحو خُمس قوتها العاملة، الأمر الذي دفع الأمين العام المنتهية ولايته أنطونيو جوتيريش إلى التحذير من أن «المسار الحالي من غير الممكن أن يستمر».

مع ذلك، تظل الأمم المتحدة تشكل عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه. أُنشئت الأمم المتحدة لمساعدتنا في صيانة السلام، ومنع الحروب، وحماية حقوق الإنسان، ودعم التنمية المستدامة، ووضع المعايير العالمية، وترسيخ القانون الدولي. لا تستطيع أي منظمة دولية أخرى أن تدّعي امتلاك ذات القدر من الشرعية العالمية.

ولكن لا تتأتى العضوية العالمية والشرعية من دون مقايضات، فالتوصل إلى الإجماع يستغرق الوقت، وقد تسفر المفاوضات عن تسويات لا تعالج بشكل كافٍ المشكلات التي كان من المفترض أن تحلها. ونظرًا لهذه القيود، تحتاج منظومة الأمم المتحدة إلى شركاء قادرين على استكمال عملها.

لهذا السبب، دأبت الحكومات ومواطنوها على اللجوء إلى «تحالفات الراغبين» الأصغر حجمًا -تحت شعار «التعددية المحدودة»- في الحالات التي يتعذر التوصل إلى الإجماع. نشأت منظمات التعددية المحدودة لمعالجة كل شيء، من القضايا المرتبطة بالمناخ والصناعات الاستخراجية إلى حقوق الإنسان والتجارة.

ولأن أعضاء هذه التحالفات يتشاركون في القيم والأهداف والمصالح، فإنهم قادرون على التوافق والإبداع والعمل معًا بسرعة أكبر. مثل هذه الترتيبات العملية هي ما كان يدور في ذهن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه التاريخي حول «القوى المتوسطة» الذي ألقاه في دافوس في يناير.

بطبيعة الحال، ليست كل منظمات التعددية المحدودة متشابهة. فبعضها مجرد منتديات حوار، في حين برزت أخرى كمنصات فعّالة للتجريب وعمليات صُنع السياسات المنسقة. ويوفر بعضها معايير محددة للكيفية التي ينبغي للدول أن تتصرف بها، بينما تتيح أخرى للأعضاء اختيار التزاماتهم بأنفسهم.

ويفتح بعضها باب الحوار أمام جماهير الناس، في حين تظل أخرى خلف أبواب مغلقة. وبعضها يحاسب أعضاءها على الوفاء بوعودهم، بينما لا تفعل أخرى ذلك.

لكن ما يغيب غالبًا عن المناقشات التي تدور حول «هندستنا المتغيرة» الجديدة، كما يسميها كارني، هو السؤال حول ما إذا كانت مؤسسات التعددية المحدودة تعزز الديمقراطية أو تضعفها. بعد أن شهدتُ بنفسي أهمية ترتيبات التعددية المحدودة القوية أثناء الفترة التي توليت فيها رئاسة «مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية» (EITI)، وبصفتي مديرة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أستطيع أن أشهد بأن هذا ليس سؤالًا أكاديميًا.

لنتأمل هنا قضية المعادن الـحَرِجة التي ستشكل المصدر للجيل القادم من الطاقة النظيفة. لأن هذه القضية تمس كل شيء، من المناخ والتجارة والطاقة إلى الأمن وحقوق الإنسان، فسوف نجد ما لا يقل عن ثمان من مبادرات التعددية المحدودة قيد الإعداد لضمان إمدادات المستقبل. بعضها يتضمن معايير ومتطلبات واضحة -مثل حظر استعباد الأطفال أو التعدين في مناطق تمزقها الحروب- لإجراء عمليات التدقيق المستقلة، والمشاركة من جانب المجتمع المدني، والرقابة البرلمانية.

لكن مبادرات أخرى من هذا القبيل ليست سوى اتفاقيات تجارية حصرية ــ القاسم المشترك الأدنى لإدارة المعادن الحرجة. بالطبع، ترغب حكومات عديدة وقسم كبير من شركات القطاع الخاص في الحصول على الطاقة النظيفة بأقل تكلفة بيئية ممكنة ودون استغلال للبشر.

لكن الأمل في الالتزام بهذه المعايير لا يكفي. فإذا انتهى الأمر بتسرب مدفوعات هذه الحكومات والشركات إلى جيوب أمراء الحرب، أو إذا لم تخضع معايير حقوق الإنسان وعمليات إنفاذها للمراقبة على نحو دائم، فسوف نكرر بعضًا من أسوأ أخطاء عصر الوقود الأحفوري.

في مختلف أنحاء العالم النامي، كان الاعتماد على استخراج الوقود الأحفوري مؤشرًا قويًا يدل على الفقر والصراع. لمنع اعتمادنا الحتمي على المعادن الحرجة من إعادة إنتاج ذات النتائج، يتعين علينا أن نعمل منذ البداية على إنشاء ضمانات واضحة وقوية.

ما ينطبق على المعادن الحرجة ينطبق أيضًا على كثير من مجالات الحكم العالمي الأخرى. وبدلًا من ترك تحقيق مزيد من النتائج الإيجابية للصدفة، يتعين علينا أن نصر على أن تركز ترتيبات التعددية المحدودة على ثلاثة أمور: تعزيز التدابير الملموسة (مثل لوائح البيئة والعمل المنسقة)؛ وتشجيع المشاركة من جانب مجموعة متنوعة واسعة من أصحاب المصلحة؛ وإنشاء آليات رقابة مستقلة.

في كل من هذه الحالات، يجب أن يكون تعزيز الديمقراطية هو الهدف الأساسي. إذا تمسكنا بهذه القيم، فسوف يكون بوسع ترتيبات التعددية المحدودة أن تدعم مهمة الأمم المتحدة، بدلًا من أن تقوضها أو تحل محلها دون قصد.

أقول هذا بصفتي واحدة من المساهمين شخصيًا في قيادة مبادرات التعددية المحدودة التي ساهمت بالفعل في تعزيز الديمقراطية. على سبيل المثال، كان لشراكة الحكومة المفتوحة (OGP)، التي أعمل فيها كسفيرة، تأثير أعظم لأنها على وجه التحديد تتبنى نهجًا ديمقراطيًا.

في مختلف البلدان الأعضاء التي وصل عددها إلى 73، تعمل الحكومات ومنظمات المجتمع المدني معًا على صياغة التزامات الإصلاح، بما يؤدي إلى بناء الدعم المحلي، والشرعية، والقبول بالنتيجة النهائية.

بهذه الطريقة، جعلت شراكة الحكومة المفتوحة المشتريات العامة أكثر شفافية، ومراجعة الميزانيات أكثر سهولة، فضلًا عن المساعدة في الكشف عن الشركات المجهولة الهوية التي تُستخدم لغسل الأرباح غير المشروعة من البلدان الأدنى دخلًا. على نحو مماثل، تشترط منظمات التعددية المحدودة، مثل مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية، الشفافية في قطاعات النفط والغاز والتعدين، وتساعد «فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية» (FATF) الدول على تحديث أنظمة مكافحة الفساد والإرهاب لديها بحيث تتوافق مع المعايير الدولية.

تشترك شراكة الحكومة المفتوحة ومبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية وفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية في المبادئ الأساسية الثلاثة التي ذكرتها أعلاه: فهي تعزز العمل الملموس المنسق، وتشمل عددًا كبيرًا من أصحاب المصلحة المختلفين، وتوفر الرقابة المستقلة.

يظل النظام المتعدد الأطراف الذي تتمحور حوله الأمم المتحدة يمثل أساس الحوكمة العالمية. ولكن في عصر يتسم بالاستقطاب المتعمق، والتمويل المتقلص، والهجمات على الديمقراطية، أصبحت قدرة هذا النظام على دفع عجلة التنفيذ المحلي للإصلاحات والضوابط التنظيمية المطلوبة بشكل مُلِحّ محدودة للغاية.

ومن الممكن أن تساعد ترتيبات التعددية المحدودة في هذا الصدد، ولكن فقط إذا كانت مصمَّمة صراحة لتعزيز الديمقراطية.

نحن لسنا مضطرين إلى الاختيار بين التعددية والتعددية المحدودة. لكننا حقًا في احتياج إلى استكمال التعددية، كما تجسدها الأمم المتحدة، بالاستعانة بالشكل المناسب من هذه الآلية.