ثورة الصين الصناعية المستمرة
10 سبتمبر 2026
10 سبتمبر 2026
أداير تيرنر
يثير الفائض التجاري الضخم للصين، الذي بات يتجاوز تريليون دولار سنويًا، قضايا مهمة على صعيد الاقتصاد الكلي والسياسة التجارية، وقد تناولتها مؤخرًا مجموعة قيّمة من المقالات التي نشرها «بروجيكت سنديكيت». لكن بعيدًا عن خيارات السياسات قصيرة الأجل، من الضروري أيضًا فهم التداعيات الأعمق لقوة الصين التصنيعية على الاتجاهات العالمية في التوظيف والأسعار النسبية.
حققت استراتيجية «صنع في الصين 2025»، التي أُطلقت عام 2015 بهدف الوصول إلى مواقع الريادة في القطاعات الصناعية المتقدمة، نجاحًا مذهلًا. وتقدّر منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد ترتفع حصة الصين من القيمة المضافة العالمية للصناعات التحويلية، التي بلغت 6% عام 2000 و30% عام 2020، إلى 45% بحلول عام 2030. وتنتج الصين نحو 75% من جميع السيارات الكهربائية المبيعة حول العالم، و86% من الألواح الشمسية.
وعلى الرغم من أنها لا تزال متأخرة عن الغرب في أشباه الموصلات والطائرات التجارية، فإنها تعمل بسرعة على تضييق الفجوة التكنولوجية.
وغالبًا ما يُعزى هذا النجاح إلى الدعم الحكومي المباشر، الذي ارتفع بنسبة 60% بين عامي 2016 و2022. لكن، كما يوضح توماس جاتلي من مؤسسة «جافيكال ريسيرش»، انخفض الدعم المباشر بنسبة 25% منذ عام 2022، في حين تنامت أشكال جديدة من الدعم غير المباشر، من بينها الإعفاءات والحوافز الضريبية للاستثمار في التقنيات التي تحظى بالأولوية، وتسهيل الاستحواذ السريع على الأراضي، وإتاحة الوصول التفضيلي إلى رأس المال منخفض التكلفة. وإضافة إلى ذلك، تؤدي اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد الصيني إلى معدل ادخار مرتفع للغاية، وهو ما يُبقي أسعار الفائدة عمومًا عند مستويات منخفضة.
وتعكس هذه العوامل مجتمعةً خيارًا جماعيًا -وإن لم يكن خيارًا ديمقراطيًا- بتحديد معدل خصم اجتماعي أقل من ذلك المعمول به في البلدان الأخرى عند المفاضلة بين الاستهلاك الحالي والاستهلاك المستقبلي.
ولا يؤدي هذا الانحياز نحو الاستثمار دائمًا إلى نمو مستدام في الإنتاجية. فقد مكّنت المدخرات القسرية والاستثمارات المرتفعة الاتحاد السوفييتي من تحقيق طفرة أولية في النمو، قبل أن يقود سوء تخصيص رأس المال وتفشي أوجه عدم الكفاءة، في نهاية المطاف، إلى الركود. كما يمكن للاستثمارات الضخمة أن تفضي إلى هدر هائل، وهو ما أظهرته الصين نفسها من خلال الإفراط في تشييد العقارات خلال العقد الثاني من الألفية.
لكن الصين، في قطاعات أخرى، تجمع بين مستويات الاستثمار المرتفعة وحوافز قوية على الكفاءة والابتكار. فقد مكّنتها المنافسة المحلية الشديدة، والانكشاف على الأسواق العالمية، والبنية الأساسية الممتازة للنقل والطاقة، فضلًا عن القدرات العلمية والهندسية الرفيعة، من التحول إلى قوة مبتكرة تكنولوجيًا، والاستفادة من آثار «التعلم بالممارسة» ووفورات الحجم، وهما عاملان يدفعان إلى تخفيضات كبيرة في التكاليف. وقد أصبحت هذه المزايا الأساسية اليوم أكثر أهمية للقدرة التنافسية للصين من الدعم المباشر، وستظل تدفع نجاحها في الأسواق العالمية حتى لو أُلغي الدعم المباشر تمامًا.
في نهاية المطاف، يعتمد التقدم التكنولوجي وارتفاع الإنتاجية على عاملين: زيادة المعرفة المتراكمة، التي غالبًا ما تتجسد في الآلات والمعدات الرأسمالية، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة غير البشرية. لكن المعرفة، متى اكتُسبت، لا تضيع، كما أن انخفاض تكلفة إمدادات الطاقة يتيح إنتاج الطاقة نفسها بتكلفة أقل؛ فانخفاض تكلفة الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح يخفض بدوره تكلفة تصنيع الألواح الشمسية أو توربينات الرياح.
وكان من شأن هذه العوامل أن تدفع إلى تحسن كبير في الإنتاجية العالمية حتى من دون الصين؛ غير أن خيارات الصين على صعيد السياسات، وما تمتلكه من قدرات، سرّعت بصورة هائلة وتيرة التقدم الممكن تحقيقه.
وعلى البلدان الأخرى أن تقرر كيفية التعامل مع التهديد الذي يشكله هذا التسارع على وظائف الصناعات التحويلية. وإذا لم تكن الرسوم الجمركية فعالة، فقد يكون أحد الخيارات هو الترحيب بالاستثمارات الصينية، التي تتنامى بسرعة في مختلف أنحاء العالم، وارتفعت بنسبة 50% في أوروبا خلال عام 2025.
لكن هذه المصانع ستُصمَّم بما يتوافق مع مستويات الإنتاجية الصينية، وستستخدم معدات رأسمالية صينية يتولى مهندسون صينيون تركيبها وتشغيلها؛ وسيكون على المنافسين المحليين بلوغ مستويات الإنتاجية نفسها كي يتمكنوا من البقاء، حتى في غياب الواردات الصينية.
والنتيجة الحتمية لذلك ستكون وجود عدد قليل جدًا من الوظائف في الصناعات التحويلية في أي مكان من العالم. فحصة الصين البالغة 30% من القيمة المضافة العالمية للصناعات التحويلية ينتجها نحو 123 مليون عامل؛ ومن ثم، إذا بلغت الإنتاجية في العالم مستوى الإنتاجية الصينية، لأمكن إنتاج جميع السلع المصنَّعة التي يستهلكها العالم بنحو 400 مليون عامل فقط، أي ما يقارب 7% من السكان العالميين في سن العمل. كما أن استمرار التحسن السريع في الإنتاجية أمر حتمي. ونتيجة لذلك، سينتهي الأمر بإنتاج جميع السلع المصنَّعة بواسطة نسبة لا تتجاوز بضعة في المئة من القوى العاملة العالمية، في تكرار للنمط الذي شهدته العمالة الزراعية في الاقتصادات المتقدمة، حيث انخفضت حصتها من القوى العاملة من نحو 40% في عام 1900 إلى ما بين 1% و2.5% اليوم.
وسيؤدي هذا التحسن الهائل في الإنتاجية، حتمًا، إلى انهيار أسعار كثير من السلع مقارنة بأسعار المنتجات أو الخدمات التي تستمد قيمتها من علامتها التجارية أو من موقعها. فحقيبة «هيرميس» يبلغ سعرها اليوم 4000 دولار، يمكن مبادلتها بنحو 80 لوحًا شمسيًا كهروضوئيًا، ومن شبه المؤكد أن هذه النسبة سترتفع مستقبلًا. وكذلك سترتفع أسعار العقارات الجذابة في بكين أو شنغهاي أو باريس أو لندن مقارنة بأسعار السيارات الكهربائية.
وكما يشير الاقتصادي داني رودريك، فإن هذا يعني أن المستهلكين في مختلف أنحاء العالم قد يستفيدون من البراعة التكنولوجية اللافتة للصين بقدر ما يستفيد منها المستهلكون الصينيون أنفسهم. كما يثير ذلك أسئلة معقدة بشأن مصادر الثروة في الاقتصادات التي تتسم بدرجة عالية من الأتمتة. لكن التداعيات طويلة الأجل على التوظيف واضحة.
ففي الاقتصادات المتقدمة، ستتراجع العمالة في الصناعات التحويلية، بصرف النظر عن الاستراتيجيات الصناعية التي يجري اتباعها. وأي توقع بأن تستوعب الصناعات التحويلية أكثر من نسبة ضئيلة للغاية من الزيادات الكبيرة التي لا تزال تحدث في أعداد السكان في سن العمل في الهند أو أفريقيا ليس سوى وهم. فالصين تكشف مدى ضآلة عدد العمال اللازمين لإنتاج سلع مصنَّعة عالية الجودة. وأيًا تكن استجابة السياسات لصدمة الصين الأخيرة، فإن هذا العدد سيواصل الانخفاض.
