No Image
ترجمة

ليس حنينا موروثا إلى الدكتاتورية

17 سبتمبر 2026
17 سبتمبر 2026
كارولين فورفل - ترجمة أحمد شافعي

صاحبني منذ شبابي الخوف من صعود حركة فاشية يمينية متطرفة مرة أخرى في ألمانيا. في السادس من سبتمبر، حقق حزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني المتطرف المعادي للهجرة، الموالي للكرملين، فوزًا ساحقًا في ولاية ساكسونيا-أنهالت ليصبح ثاني أكبر حزب في برلمان الولاية بنسبة صاعقة بلغت 44% من الأصوات، وبإقبال على التصويت غير مسبوق.

وإذا عثر على طريق للوصول إلى السلطة، فسوف يكون أول حزب يميني متطرف يحكم ألمانيا منذ الحقبة النازية. في الليلة السابقة على التصويت، بعثت رسالة إلى صديقة ترجع أصولها مثلي إلى ألمانيا الشرقية. سألتها: أهي الأخرى قلقة، بل وفزعة، من الانتخابات؟ كنت قد وقعت في دوامة على مدى أيام من استعراض مقاطع الفيديو الطويلة والقصيرة والتقارير والحوارات التي أجريت على الأرض. وكنت أعرف ناخبي (البديل من أجل ألمانيا) أولئك. فبعضهم قد يكونون أقارب أو أصدقاء لأبوي أو معلمين قدامى أو زملاء دراسة سابقين. لماذا كانوا يهرفون بتلك الأقوال غير المتماسكة؟

لم أنشأ في سكسونيا-أنهالت، وإنما في سكسونيا، وهي ولاية شقيقة في ألمانيا الشرقية، ليست مماثلة تمامًا للولاية الأخرى، ولكنها مثلها من أوجه جوهرية كثيرة. وحينما التحقت بالمدرسة الثانوية في ليبزج في أواخر تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، كان حضور المتطرفين اليمينيين جزءًا من تجربة كِبَري.

ففي كل ليلة جمعة، كنت أشعر بالخوف من أن يكون النازيون الجدد منتظرين أمام الأندية والحانات ومحطات الترام بأيدٍ مقبوضة أو ممسكة بمضارب البيسبول.

وكان الأول من مايو دائما نقطة اشتعال؛ إذ كان يتاح فيه للنازيين الجدد إقامة مسيرة في وسط المدينة.

ومع ذلك، فإن كيرت بايدنكوبف، أول رئيس وزراء لسكسونيا-أنهالت بعد التوحيد -وهو السياسي المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا الغربية والحليف المقرب لهيلموت كول- ظل ثابتًا على وعده طوال اثنتي عشرة سنة له في الحكم: «سكسونيا محصنة من التطرف اليميني».

بحلول عام 2004، قبل عام من تخرجي، دخل (الحزب الديمقراطي الوطني) اليميني برلمان ولاية سكسونيا للمرة الأولى بـ9.2% من الأصوات.

وفي عام 2005، رحلت عن سكسونيا إلى برلين. وكان من أسباب رحيلي ذلك الحضور الخطير غير المحتمل للمتطرفين اليمينيين من النازيين الجدد.

وفعل كثير من أمثالي مثل ما فعلت؛ إذ كان واضحًا أن آفاق الازدهار التي وعد بها هيلموت كول -المستشار الألماني المسؤول عن التوحيد- في ثقة سنة 1990 لن تتحقق.

وبدلًا منها، أخذ التطرف اليميني يزداد باطراد في ألمانيا الشرقية منذ ذلك الحين. فلم تتبدل غير الأسماء، من (الحزب الديمقراطي الوطني) إلى حركة بيجيدا Pegida (الاحتجاجية المناهضة للهجرة التي انطلقت سنة 2014) إلى (البديل من أجل ألمانيا). والآن ينتابني الرعب لا الدهشة؛ لأن البنى الفاشية التي لم تلقَ رادعًا سوف تظل دائمًا موجودة.

لكن هذه النتيجة هي أيضا من عمل العلاقة شديدة الاضطراب بين ألمانيا الشرقية والغربية السابقتين.

قبل أسبوعين، أدلى ماجنوس بريختن، نائب مدير معهد التاريخ المعاصر في ميونخ ـ وهو معهد التاريخ المعاصر الرائد في ألمانيا ـ بحوار لصحيفة فرانكفورتر ألجماينه انتشر انتشارًا واسعًا. كان عنوانه: «فاض الكيل بالكثيرين في ألمانيا الغربية».

جاء الحوار في إطار تذكرة الألمان الشرقيين -وتحديدًا أولئك الذين مالوا إلى التصويت لحزب (البديل من أجل ألمانيا) نكاية في الغرب- ببعض الحقائق التاريخية.

ذهب بريختن إلى أن الفوارق التي ظل الألمان الشرقيون يشتكون منها طوال ستة وثلاثين عامًا باتت اليوم عاطفية أكثر منها عقلانية، وذلك، في رأيه، نتيجة للافتقار إلى مراقبة الذات. وزاد على ذلك بأن قال إن الغرب الألماني أنفق السنوات الخمس والسبعين الماضية في إثبات فهمه للديمقراطية ومعرفته بكيفية معالجة التطرف، فهو أفضل استعدادًا لمواجهة الحركات الراديكالية ومنع الأحزاب من قبيل (البديل من أجل ألمانيا) من الصعود من الأصل، بينما ظل لدى الألمان الشرقيين -حسبما قال ضمنيًا- حنين موروث إلى الحلول الاستبدادية.

ويصعب ألا يتساءل المرء: كم من هذا القول تاريخ، وكم منه رأي شخصي؟ لكنني أعتقد أن بريختن أصاب الحقيقة في أمر واحد، وهو أن ما يفترض في ألمانيا الشرقية من غضب وشعبية لحزب (البديل من أجل ألمانيا)، والنتيجة التي تحققت في سكسونيا-أنهالت، والأداء المتوقع تمامًا من الحزب في الانتخابين القادمين في الولاية في العشرين من سبتمبر، كل هذا ينبغي أن يكون تذكرة لنا ببعض الحقائق التاريخية فعلًا، وبأسئلة مترتبة عليها، ومن الواضح أن بريختن رأى ألا يطرحها.

لقد تأسس حزب (البديل من أجل ألمانيا) في ألمانيا الغربية. وقطاع عريض من قادته وُلدوا ونشأوا في ولايات غربية من قبيل راينلاند-بالاتينات وشمال الراين-وشتفاليا. فلا يجب أن يقتصر السؤال على ما يجذب شرق ألمانيا إلى الحزب، وإنما يكون السؤال بالقدر نفسه هو هذا: ما الذي يجذب ناخبًا معينًا من ألمانيا الغربية إلى تأسيس حزب كهذا، ودفعه، واختيار الشرق مكانًا لنموه؟

أعتقد أن ولايات ألمانيا الغربية -التي زعمت رسميًا أنها نفذت القضاء على النازية denazification بعد عام 1945 وتباهت بثقافة التذكر أو «التصالح» مع الماضي النازي- بحاجة ملحة -بقدر ما هي ملحة لولايات ألمانيا الشرقية- إلى النظر إلى السبب الذي يجعل الافتتان بالفاشية لا يزال قائمًا، وإلى سبب غياب بنى فاعلة تقاوم صعود الحركات والأحزاب والأجندات المتطرفة اليمينية، في مقابل بقاء نظام يسمح لها بالازدهار.يجدر أيضًا التساؤل عما لو أن حزبًا من قبيل (البديل من أجل ألمانيا) قد ذهب إلى الشرق فقط لأن الألمان الشرقيين أكثر تقبلًا، أم لأن التفاوتات الواضحة هناك تمثل مادة ممتازة تيسر الانتظام حولها.

في عام 1989، كان كثير من الألمان الشرقيين يرجون شيئًا وسطًا بين الاشتراكية والرأسمالية. ولم يكن التوحيد بالضرورة هو الخيار المفضل.

وما أعقب ذلك بدا لكثيرين معالجة سيئة، فالسرعة فائقة، والقوانين والقرارات ناجمة عن الفرض لا التداول.

ثم ظهرت هيئة ترويهاند المسؤولة عن خصخصة كامل الاقتصاد المملوك للدولة في ألمانيا الشرقية GDR’s. وفي ثنايا التوحيد، استولى مستثمرون دوليون أو ألمان غربيون على 94% من شركات ألمانيا الشرقية، وبقي لأهل ألمانيا الشرقية 6% لا أكثر. وتبدد مليونا وظيفة تقريبًا في الشرق.

في خريف وشتاء 1990-1991، خرج الناس إلى الشوارع مرة أخرى، ولكن ليس اعتراضًا على قمع حكومتهم في هذه المرة، وإنما اعتراضًا على كيان رأوه احتلاليًا، وهو ألمانيا الغربية. طالبوا بانتخابات جديدة، وإعادة تفاوض على الاتفاقات التي تسببت في فقدان الملايين لأسباب الحياة والوظائف؛ إذ تفشت البطالة في الشرق حتى بلغت عنان السماء. في حوار آنذاك مع ديتليف كارشتن روهفيدر، رئيس هيئة ترويهاند والشخصية المحورية في تفكيك ألمانيا الشرقية، سأله المذيع التلفزيوني: «إذا لم تتحسن الأوضاع، ألا تخشى من احتمال وقوع ثورة أخرى في ألمانيا الشرقية؟».

في تلك السنوات، عوملت ألمانيا الشرقية معاملة طفلة يجب أن تتبع القوانين والأوامر الصادرة من نظيرتها الغربية الأكثر حكمة، وقد باتت لها بمقام الأم.

ولكن الطفلة الآن كبرت، ومع ذلك لا تزال تتذكر التجربة، ولعلها لا تزال تضعها نصب عينيها أكثر مما ينبغي. ومعروف أن أولريش سيجموند، رئيس حزب البديل من أجل ألمانيا، قد ولد في سكسونيا-أنهالت في سنة التوحيد. من وعوده الأساسية استعادة السيطرة. ويمكنكم القول إن ما جرى في سكسونيا-أنهالت تجاوز مسألة السيطرة وبات دافعه الرغبة في نوع من الثأر.

فها هو الشرق أخيرًا يجرؤ على أن يقول للغرب المهيمن: كفى. أو أن النتيجة أظهرت ـ كما قال سيجموند في أول مؤتمر صحفي له بعد الانتصار ـ أن شعب سكسونيا لن يقبل «التعالي» من بعد.

وبهذا كان يمس شيئًا أقرب إلى الغريزي. وقد أوضح لي كلامه هذا شيئًا من دوافع ناخبي الحزب المحتملين والكثيرين ممن سمعتهم خلال الأسابيع والأشهر الماضية. أغلب هؤلاء لا يقرأون أو يعرفون ما في برنامج حزب البديل من أجل ألمانيا، ولا يبدو أنهم يكترثون. ولكن سبب الفوز بهم كان أبسط من ذلك، وهو أن قيل لهم: إني أسمعكم، وأراكم، ونعم، لكم الحق كل الحق في أن تكونوا تعساء. على مدار الحملة الانتخابية، سافر سيجموند في أرجاء الولاية مقيمًا الحفلات، فكان السجق فيها بالمجان، والبيرة والرقص والموسيقى، فلعلها بدت للبعض وكأنها عودة للحياة الاجتماعية.

وإذا بالقرى والبلدات الصغيرة التي أُخليت، ومنها ما بات شبحيًا عديم السكان، يقال لها بغتة: أنت مهمة. قد يكونون جميعًا تخلوا عنك، لكن أنا، ونحن، وحزب (البديل من أجل ألمانيا) مهتمون بك.

ما لم يدركه الكثيرون بعد هو أن البديل من أجل ألمانيا لن يحسِّن الحياة في ألمانيا الشرقية. ولكن ذلك لم يكن لب المسألة قط. الأمر أنه أعطى الناس الاهتمام في مقابل التصويت. فهذا في الوقت الراهن هو الأهم.

لأن حزب (البديل من أجل ألمانيا) أكبر من تنافس بين الشرق والغرب. لقد أنشأه الألمان الغربيون، وحمله الألمان الشرقيون، وهو الآن يسعى إلى السلطة في البلد.

يقوم برنامجه على أفكار احتاجت ألمانيا يومًا ما إلى حرب وهزيمة مزرية لكي تدفنها: العنصرية، والإيمان بالتفوق، وتراتبية المنتمين، واحتقار غير المنتمين، والشهوة إلى عدو تتنكر في زي العزة. وما تلك بمشكلة الولاية، إنما هي مشكلة وطنية، جدير بها أن تخيف كل مواطن ألماني بلا استثناء.

فالتصويت لـ(البديل من أجل ألمانيا) هو التصويت لهذه الأفكار، فضلًا عن الغضب وخيبة الرجاء والمطالبة المشروعة من الناس بالاهتمام.

في أبريل 1932، أصبح الحزب النازي أقوى حزب في انتخابات الولاية بالمنطقة التي تشكل الآن سكسونيا-أنهالت بـ40٫7% من الأصوات، وشكل مع شركاء متحالفين أول حكومة ولاية ذات قيادة نازية في ألمانيا.

واليوم، فإن ما سيحدث لاحقًا سيصعب علينا القول بأننا لم نكن نعرفه.