العرب والعالم

المدير العام للصليب الأحمر في حوار مع "عمان": العالم يشهد تراجعا في احترام القانون الدولي الإنساني.. وما يحدث في غزة جحيم على الأرض

16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026

-نكن احتراما كبيرا لدور سلطنة عُمان ومساعيها لحل النزاعات بالحوار والدبلوماسية

-علينا أن نرفض اللامبالاة وفكرة أن الحرب أمر حتمي وألا نسمح باختزال معاناة ملايين البشر إلى أرقام مجهولة بلا أسماء أو هويات

-"خطة مسقط" امتداد للنهج العماني في مواجهة خطاب الكراهية وصون إنسانية الآخر

بدأت الحكاية من ساحة حرب عام 1859، حين شهد السويسري هنري دونان مآسي معركة سولفرينو فدفعه ما رآه إلى التفكير في تأسيس منظمة تعنى بضحايا الحروب دون تمييز، وهي الفكرة التي ولدت منها اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1863، قد اختير الصليب الأحمر شارة محايدة للحماية في الحروب بعكس ألوان العلم السويسري، وليس رمزا دينيا كما قد يوحي الاسم للبعض.

وبعد أكثر من 160 عاما على تأسيسها، تحاور "عمان" بيير كراهنبول المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر، حول واقع العمل الإنساني في ظل اتساع رقعة الحروب وما كشفته النزاعات في غزة والسودان وإيران وغيرها عن تحديات حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني، إلى جانب معضلة الحياد وتسييس المساعدات، وصولا إلى الدور الذي تؤديه سلطنة عمان في فتح مساحات للحوار والعمل الإنساني.

-بعد ستة أشهر من الحرب في إيران، كيف تقرؤون الوضع الإنساني الراهن؟ وهل نحن أمام أزمة طويلة الأمد؟

يأتي هذا الصراع كوقعٍ إضافي إلى صراعات متعددة أخرى تدور في ساحة الشرق الأوسط، حيث تأثرت حياة ملايين الأشخاص في إيران والخليج وغزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وما يثير قلقنا أن النزاعات المسلحة تتزايد من حيث العدد وتميل إلى الاستمرار لفترات طويلة، وكلما طالت تضاعفت عواقبها على الناس.

لذلك نأمل أن يسود الحوار وأن يكون منع المزيد من التصعيد في صميم الاهتمام السياسي فلا يمكن أن يعيش ملايين الأشخاص باستمرار في خوف من الحرب والنزوح وعدم الوصول إلى الرعاية الصحية وفقدان الاتصال بأفراد أسرهم وأحبائهم، كما أن المعاناة الإنسانية كثيرا ما تختزل في إحصاءات عن القتلى والنازحين ومن فقدوا منازلهم لكن علينا أن نتخيل ماذا يعني أن يختفي شخص عزيز فجأة ولا يكون لديك أي خبر عنه.

-هل تخشون أن تصبح الحرب في إيران نموذجًا لحروب المستقبل؟

عندما ننظر إلى النزاعات اليوم سواء بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أو أوكرانيا وروسيا، أو ما يحدث في السودان، نجد أن الحروب أصبحت تميل إلى الاستمرار لفترات طويلة بالفعل، وقليل جدا من النزاعات خلال العقود الماضية انتهى سريعا، ومع استمرارها لا تتأثر حياة الناس فقط بل تمتد آثارها إلى المستشفيات والرعاية الصحية وإمدادات المياه والبنية الأساسية التي تعتمد عليها حياة السكان.

لذلك، إذا لم تكن هناك عملية سياسية أو حل سياسي لهذه الأزمات، فعلينا أن نخشى من استمرارها لفترات أطول، وما يثير القلق بشكل أكبر هو وقوع هذا العدد من النزاعات في الوقت نفسه وما يفرضه ذلك من ضغط هائل على القدرات البشرية والإنسانية والمالية اللازمة للاستجابة لها.

-بعد 77 عامًا من اتفاقيات جنيف، لماذا يبدو المدنيون اليوم أقل حماية رغم وجود منظومة قانونية أكثر تطورًا؟

لدينا اليوم إطار قانوني دولي أكثر قوة ومتانة بالفعل، لكننا نبدو وكأننا دخلنا مرحلة جديدة، فميثاق الأمم المتحدة ينص على أن الحرب ينبغي أن تكون الخيار الأخير بينما نرى اليوم أن النزاعات المسلحة أصبحت مرة أخرى أكثر قبولا واعتيادا، وأن استخدام العنف بات أكثر تكرارا من اللجوء إلى الدبلوماسية والحوار.

ويزداد الأمر خطورة مع انتشار سرديات في الخطاب السياسي ووسائل التواصل الاجتماعي تنزع الصفة الإنسانية عن الآخرين، فعندما تختزل شخصا إلى إنسان أقل قيمة فإنك بطريقة ما تهيئ الجميع للجرائم التي قد ترتكب، وهذا الجمع بين الاستخفاف بالحرب ونزع الصفة الإنسانية عن الآخر يقوض الأطر التي وضعت لحماية المدنيين والمحتجزين والبنية الأساسية المدنية.

ولهذا أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قبل عامين "المبادرة العالمية للقانون الدولي الإنساني" لإعادة حشد الدول وتعزيز احترام هذه القواعد، وقد شهدنا مشاركة نشطة من دول من مختلف أنحاء العالم ونرحب بانضمام سلطنة عمان ومشاركتها الفاعلة في هذا الجهد، على أن تعقد في نهاية العام في الأردن فعالية ختامية للمبادرة.

-لكن عندما تتكرر الانتهاكات دون مساءلة، ألا يخشى أن يتحول القانون الدولي الإنساني من التزام ملزم إلى مجرد خطاب أخلاقي؟

أتفهم هذا التساؤل، فعندما أناقش القانون الدولي الإنساني مع طلاب الجامعات يسألني بعضهم إذا كان ما حدث في غزة ممكنا رغم وجود كل هذه القوانين، فلماذا ينبغي أن نهتم بها ونحن نرى ما يحدث في غزة والسودان والصومال وأماكن أخرى؟ لكن هذا تحديدا ما يجعلنا أكثر حاجة إلى التمسك بهذه القوانين والعمل على تعزيز احترامها، إلى جانب بذل جهود أكبر للحد من النزاعات، واللجنة الدولية للصليب الأحمر ليست جهة سياسية ولا تضطلع بدور في المفاوضات السياسية أو في تسوية النزاعات، لكن عندما تقع الحروب فإن دورنا هو الدفع باتجاه احترام القانون الدولي الإنساني.

وأتفهم لماذا قد يشكك البعض في جدوى هذه القوانين، لكنها عندما تحترم تحدث فرقا حقيقيا في حياة الناس فهي التي تتيح لنا زيارة السجناء وإعادة التواصل بين أفراد العائلات الذين فرقتهم النزاعات، وما يقلقنا اليوم هو أننا بتنا نشهد تراجعا في احترام هذه القوانين بالتزامن مع تصاعد خطاب نزع الصفة الإنسانية عن الآخرين، وهذا اتجاه علينا أن نتحرك لمواجهته.

-وماذا أظهر لنا الصراع في غزة عن حدود النظام الدولي في حماية المدنيين وفرض قواعد الحرب؟

ما حدث في غزة، وما يزال يحدث، لا يمكن وصفه إلا بأنه "جحيم على الأرض"، وحقيقة أن شيئا كهذا حدث أمام أعيننا جميعا، رغم وجود القوانين والأدوات التي يوفرها ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، أمر صادم للغاية على المستوى الإنساني.

وبالرغم أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن لا يمكن أن تعلق على الظروف السياسية، ولكن من الجانب الإنساني هناك آلاف العائلات في غزة التي لا تعرف ماذا حدث لأقاربها، وما إذا كانوا قد اعتقلوا أو ماتوا وما تزال جثامينهم تحت الأنقاض، وهناك عائلات نزحت مرات عديدة وما تزال لا تستطيع الوصول إلى مياه آمنة أو إلى أي جزء من الحياة الطبيعية، وهذا يجب أن يدفعنا جميعا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نستجيب بها.

وخلال هذا الصراع أنشأ زملاؤنا في غزة مستشفى ميدانيا قدم أكثر من 200 ألف استشارة طبية وأكثر من 12 ألف تدخل جراحي للأطفال والنساء والمدنيين المتأثرين بالنزاع، وقد تمكنوا من القيام بذلك فيما كانت الحرب مستعرة من حولهم، وهو ما يعكس التزامهم الإنساني لكنه يكشف أيضا حجم الظروف المفجعة التي ما نزال نتعامل معها.

- وبعد ما شهدناه من استهداف للمستشفيات والطواقم الطبية، لماذا برأيك فشل المجتمع الدولي في إبقاء القطاع الصحي خارج دائرة الحرب؟

أصبحت المنشآت الطبية والعاملون في المجال الطبي والإنساني وسيارات الإسعاف مستهدفين بشكل متزايد في النزاعات خلال السنوات الأخيرة، وقد رأينا ذلك في غزة ولبنان وسوريا والسودان، وأدى ذلك إلى تسجيل أعداد غير مسبوقة من القتلى والمصابين بين العاملين في المجال الإنساني، بمتوسط يتجاوز 300 شخص سنويا في الفترة الأخيرة.

وأعتقد أن ذلك يرتبط أيضا بما تحدثنا عنه بشأن نزع الصفة الإنسانية، فعندما يصبح كل شيء مسموحا ولا تعود القواعد تحظى بالاحترام، تبدأ مثل هذه الاتجاهات في الظهور، ولهذا علينا أن نعيد حشد الجهود، وضمن المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني نركز بشكل خاص على التدابير اللازمة لتوفير حماية أفضل للمستشفيات والعاملين في المجال الطبي وسيارات الإسعاف.

-تتمسك اللجنة بالحياد والحوار السري مع أطراف النزاع، متى يكون الصمت وسيلة للوصول إلى الضحايا ومتى يصبح ذلك عبئًا أخلاقيًا؟

يصف هذا السؤال المعضلة التي نواجهها كل يوم، فلم يولد أي شخص يعمل في اللجنة الدولية للصليب الأحمر محايدا، جميعنا لدينا مشاعر ومواقف شخصية ولذلك فإن الحفاظ على الحياد على المستوى الإنساني ليس أمرا سهلا، ففي بعض الأحيان نشهد أشياء تجعلنا نرغب في التعبير علنا عن غضبنا واستنكارنا، وقد شعر زملاؤنا بذلك في غزة والسودان وأوكرانيا وميانمار والكونغو، لكنني كنت شخصيا في أماكن مثل قندهار وحلب وغروزني وغزة، وأعرف أنني لم أكن لأتمكن من العمل فيها لولا ثقة الأطراف بأنني لا أنحاز إلى أي طرف.

إن الحياد هو ما يسمح لنا في أغلب الأحيان بالوصول إلى الناس، لكن عندما تستمر انتهاكات واسعة النطاق لفترة طويلة من دون تحسن تصبح المعضلة الأخلاقية أكثر صعوبة، سواء بالنسبة إلى الموظف أو المؤسسة ككل، ومع ذلك ما زلنا مقتنعين بأن الحياد هو المسار الصحيح رغم أنه يظل تحديا نعيشه كل يوم.

-تتحدث اللجنة عن تسييس العمل الإنساني وعرقلة الوصول إلى المحتاجين، فهل أصبح إيصال المساعدات اليوم خاضعًا للحسابات العسكرية والسياسية أكثر من الاعتبارات الإنسانية؟

في كل نزاع تقريبا نرى محاولات من الأطراف لاستخدام المساعدات الإنسانية أو توجيهها بما يخدم مصالحها، سواء من خلال حصرها في مجتمعات معينة أو تقديمها عبر القدرات العسكرية واستبعاد مجتمعات أخرى، وهذا الواقع يتطلب عملا صبورا على الأرض وهنا تبرز أهمية حياد اللجنة الدولية للصليب الأحمر وحوارها مع الجميع، سواء الدول أو الجماعات من غير الدول.

ففي غزة مثلا كنا في حوار مع إسرائيل وحماس وجميع الأطراف، لأن الوصول إلى حلول إنسانية يتطلب وجود قنوات تواصل قائمة بالفعل، ونحن نؤمن بضرورة إبعاد العمل الإنساني عن التسييس قدر الإمكان، لكن علينا أيضا أن ندرك أننا نعمل في بيئات شديدة التسييس، وهذا تحد يتطلب انتباها مستمرا.

-إلى أي مدى تستطيع الدول التي تحتفظ بعلاقات مع مختلف الأطراف، مثل سلطنة عُمان، توفير مساحة للعمل الإنساني عندما تتعطل القنوات السياسية؟

نكن احتراما كبيرا للنهج الذي تتبعه سلطنة عمان في التركيز على الحوار والدبلوماسية ومنع النزاعات وإيجاد حلول لها، وأقول ذلك من منظور إنساني، لأن زملاءنا في السودان والصومال وغزة والضفة الغربية وإيران ومختلف أنحاء المنطقة يرون يوميا التكلفة الإنسانية الهائلة للحروب وعواقبها المؤلمة التي قد تستمر لفترات طويلة، ولهذا بالذات نحتاج إلى دول تؤمن باستمرار الحوار لمنع المزيد من النزاعات والوصول إلى حلول، ونحن نرحب بالدور الذي تؤديه عُمان في هذا الجانب.

وقد يقود الحوار بالفعل إلى حلول طويلة الأمد من خلال المفاوضات، أو إلى خطوات إنسانية تمهد الطريق نحو الحل مثل الإفراج عن السجناء ومعالجة قضية المفقودين وإتاحة الوصول الإنساني، ومن المهم جدا وجود دول تتبنى مثل هذه الرؤية.

-وبرأيك ماذا أضافت محادثات مسقط إلى ملف المحتجزين في اليمن؟ وهل يمكن لملفات الأسرى والمفقودين أن تفتح الطريق أمام تسوية سياسية أوسع؟

نرحب بأن سلطنة عمان أتاحت مساحة للأطراف للاجتماع وإجراء هذا الحوار المهم، سعيا إلى استئناف العملية السياسية واتخاذ خطوات إنسانية، فقضية المحتجزين والإفراج عنهم وإمكانية مشاركة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عمليات إطلاق سراح المحتجزين ونقلهم وإعادتهم، تمثل تاريخيا خطوات مهمة في بناء الثقة ولذلك نرى أن إجراء هذه المحادثات كان مهما، والآن أصبح تنفيذ ما تم التوصل إليه في أيدي الأطراف.

ونحن ما نزال مستعدين لأداء دور داعم بصفتنا وسيطا إنساني محايدا عندما تصل الأطراف إلى تلك المرحلة، ونأمل أن نرى الخطوات التالية تتجسد على أرض الواقع.

س: أطلقت سلطنة عمان هذا العام مبادرة "خطة مسقط" في الأمم المتحدة للمساعدة على منع خطاب الكراهية والإبادة الجماعية والفظائع الجماعية. إلى أي مدى يمكن لمبادرات كهذه أن تساعد في الحد من العواقب الإنسانية للنزاعات؟

من وجهة نظري تعكس هذه المبادرة تركيز سلطنة عمان على منع النزاعات والمعاناة، والبحث عن حلول للخلافات من خلال الدبلوماسية والحوار، كما أن مواجهة خطاب الكراهية مهمة لأنها ترتبط بما تحدثنا عنه بشأن نزع الصفة الإنسانية خصوصا مع انتشار خطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي والخطاب السياسي يختزل الآخر وينظر إليه باعتباره أقل إنسانية.

وأعتقد أن منع النزاعات وحلها يقعان في صميم النهج الذي تتبعه سلطنة عمان، ونحن ممتنون للشراكة التي تجمع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بهذا البلد، والتي تعززت منذ إنشاء مركزنا اللوجستي في صلالة عام 2015 إلى جانب تعاوننا مع وزارة الخارجية والهيئة العمانية للأعمال الخيرية والحوار بشأن التطورات التي تشهدها المنطقة.

-أخيرًا أمام كل هذه الحروب والأزمات يشعر الفرد أحيانا بأنه عاجز وأن ما يمكنه فعله محدود للغاية، فما الذي يمكننا فعله كأفراد في مواجهة كل هذه المعاناة؟

أول ما يمكننا فعله هو أن نرفض اللامبالاة، وأن نرفض فكرة أن الحرب أمر حتمي، وألا نسمح باختزال معاناة ملايين البشر إلى أرقام مجهولة بلا أسماء أو هويات، لكن الشعور بالغضب أو الاستنكار وحده لا يكفي. علينا أن نحوله إلى فعل، ويمكن أن يحدث ذلك من خلال العمل السياسي أو حقوق الإنسان أو العمل الإنساني والإعلامي وحتى من خلال الإبداع الفني في مواجهة المعاناة الإنسانية.

وقد يكون من الصعب على الفرد أن يستجيب لشيء ضخم بحجم ما يحدث في السودان أو غزة، لكن لا يزال بإمكاننا أن نصنع روابط إنسانية ونحافظ على إنسانيتنا، وأن نؤمن بما يبني الجسور بين البشر بدلا من التركيز فقط على ما يفرق بينهم، وأعتقد أن مساهمة كل منا في ذلك تحمل معنى كبيرا.