لماذا بدأ كيفن وارش هجومه المضاد؟

15 سبتمبر 2026
15 سبتمبر 2026
ترجمة: قاسم مكي

خطاب كيفن وارش رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في منتدى «جاكسون هول» الاقتصادي مؤخرا والذي تعهد فيه بمحاربة التضخم حَظَي بِثَناء متحفِّظ من بعض منتقديه السابقين.

لكن السؤال بالغ الأهمية حقا الآن هو: هل وارش سياسي جيد؟ فالتحدي الذي يواجهه ليس اقتصاديا فقط؛ إنه يواجه أيضا تهديدات سياسية من إدارة ترامب.

أنا أعرف وارش منذ سنوات طويلة، وكان دائما يعبر عن قناعات راسخة حول حرية السوق؛ وبالتالي هو يمقت التضخم والتدخل الحكومي، ويكره الإفراطَ في استخدام التيسير الكمي بواسطة الفيدرالي بعد أزمة 2008.

لكن ترامب على النقيض من ذلك. إنه يحب التدخل في السوق إذا كان يعزز نفوذه، ويطالب بخفض أسعار الفائدة. وربما سيضغط البنك الفيدرالي لشراء المزيد من سندات الخزانة إذا استمرت أسعارها في الانخفاض بعد تحرك عوائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى باتجاه 5% في الأسبوع الماضي.

وهكذا افترضت شخصيات مثل عضو مجلس الشيوخ الديموقراطية إليزابيث وارين أن وارش إذا حدث صدام سياسي مباشر معه فسيستسلم؛ لكي يحافظ على وظيفته. ففي هذا الربيع صرحت قائلة «لقد تحولت صدقيته إلى أشلاء بعدما أثبت أنه دُمية لدونالد ترامب».

لكن تلك «الدمية» تشن الآن هجوما مضادا. (للدفاع عن استقلالية البنك وسياسته النقدية، ومن المتوقع أن ترفع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالبنك سعرَ الفائدة بمعدل ربع نقطة مئوية في ختام اجتماعها اليوم الأربعاء خلافا لرغبة ترامب - المترجم.) وهناك على الأقل خمسة أسباب لاحتمال استمرار ذلك.

فكيفن وارش الآن لديه مهارة وقدرة على التأثير السياسي بقدر أكبر مما كان يخشى العديدون في السابق.

السبب الأول يتعلق بسلفه جيروم باول؛ فعندما انتهت فترة رئاسته للبنك الفيدرالي في مايو اتخذ قرارا غير معتاد بالبقاء في مجلس محافظي البنك. وأبلغ أصدقاءه بأنه سيظل في المجلس إلى أن يتخلى ترامب بشكل قاطع عن التهديدات بمقاضاته.

اعتقد العديدون من مراقبي البنك الفيدرالي أن وارش لن يحب ذلك.

ولكن هذا ما لم يحدث؛ فباول كرئيس للبنك كان «كبش فداء» ينسب إليه ترامب أية متاعب اقتصادية.

ويعني استمرار ارتباطه بالبنك أن اتباع ترامب يشكلون أقلية في مجلس المحافظين. أما النتيجة غير المقصودة والتي تترتب عن ذلك فهي أن وارش يمكنه أيضا أن ينسب إليه أي شيء يغضب ترامب.

ويمارس الآن مجلس محافظي الفيدرالي عمله بطريقة ديموقراطية غير معتادة مع نشوب «مشاجرات عائلية» بين أعضائه حسبما ذكر وارش.

هنالك عامل ثان وهو ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية. هذا الارتفاع يشكل صداعا مزعجا لوزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت والذي يلزمه بيع سندات تزيد قيمتها عن 10 تريليونات دولار في العام القادم. ومن هنا محاولته الأسبوع الماضي وضع سقف على عوائدها ببرنامج إعادة شراء سندات بقيمة 6 بلايين دولار. وفشلت المحاولة.

لكن وارش خلافا لسكوت بيسنت لا يبدو مشغولا بارتفاع عوائد السندات حسبما أبلغت شركة الأبحاث الاقتصادية «جافيكال ريسيرش» عملاءها هذا الأسبوع.

ولا عجب في ذلك؛ فارتفاع العوائد سيساعد وارش على خفض التضخم حتى بدون أن تكون هنالك قفزات في أسعار الفائدة، وهذا ما يوحي بانتهاء حقبة الركود الاقتصادي طويل الأمد؛ وفقا لما جاء في خطابه بمنتدى جاكسون هول.

بالطبع أوجد هذا خطرا آخر؛ فالمستثمرون ربما يصابون بالذعر إذا بدا بشكل واضح أن بيسنت ووارش يتخذان مسار تصادميا في سياستيهما (النقدية والمالية).

فاقم هذه الخشية مقالٌ حديث في صحيفة «وول ستريت جورنال» لستانلي دروكنميلر الرئيس السابق والحليف الأيديولوجي لكيفن وارش. حث المقال بيسنت على «ترك سوق السندات تتحدث» دون تدخل منه.

يجب ألا ننسى أن وارش وبيسنت كليهما تلميذان لدروكنميلر.

لقد ساند كل منهما الآخر في سعيه لتولي منصبه الحالي وسيتعاونان للحيلولة دون حدوث ضائقة مالية، لكن مع تخبط بيسنت سيبدو وارش أكثر قوة.

مسألة رابعة وهي الميزانية العمومية للبنك؛ فترامب مثل أي لاعب آخر في قطاع العقارات مهووس بأسعار الفائدة، لكنه يبدو غير مبالٍ تماما بآليات السياسة النقدية المعقدة للبنك الفيدرالي.

ولم ينفجر غاضبا بعد من خفض البنك ما يقدَّر بحوالي 19 بليون دولار في الشهر من موجوداته من السندات طويلة الأجل. وهي حسب شركة جافيكال تزيد عن قيمة عمليات بيسنت لإعادة شراء السندات.

هذا يمنح وارش أداة أخرى لتشديد الأوضاع المالية. والجدير بالذكر انه كلف لجنة خارجية لدراسة الأفكار المتعلقة بخفض الميزانية العمومية وستسلِّم تقريرها في وقت لاحق من هذا العام.

ثم هنالك نقطة خامسة وهي التوقيت. توضح استطلاعات الرأي تزايد عدم رضى الناخبين عن ترامب جزئيا بسبب حربه في إيران. وهذا يفسر مناورته اليائسة بمنح كل مواطن راشد 5000 دولار إذا فاز حزب المحافظين في الانتخابات النصفية في نوفمبر. في الحقيقة مثل هذه الثرثرة (الترامبية) تبدو سابقة لأوانها قبل حلول الانتخابات النصفية، لكن المستثمرين أقل توجسا من تصرفات ترامب «الميلودرامية» أو التصريحات المثيرة من بيسنت؛ فعوائد السندات ارتفعت بعد إعلانه عن مضاعفة إعادة شراء سندات الخزانة. وسيمنح ذلك وارش مزيدا من القدرة على إبداء استقلاله.

إذن هل يعني ذلك أن مجلس محافظي الفيدرالي سيرفع فعليا أسعار الفائدة اليوم؟ بعد ظهور بيانات التضخم يوم الجمعة الفائت تقدر الأسواق احتمال رفعه سعر الفائدة بنسبة 80% أو أكثر (رغم أني أشك في أن بعض أعضاء المجلس سيفضلون الانتظار إلى ما بعد الانتخابات النصفية.)

لكن النقطة الرئيسية هي أن الاحتمالات تُظهِر إلى أي حد تغيرت الحسابات السياسية المتعلقة بالبنك الفدرالي؛ فكيفن وارش يكشف عن بعض المهارات الاستراتيجية والقدرات السياسية.

دعونا نأمل في أن يكون بمستطاعه الحفاظ عليها، خصوصا إذا أوجدت (أو عندما توجِد) عوائدُ السندات المرتفعة ضغوطا للعودة إلى التيسير الكَمِّي.

جيليان تيت رئيسة كلية كينجز بجامعة كمبردج وكاتبة رأي بصحيفة الفاينانشال تايمز