«جوجل زيرو».. عندما يتوقف القارئ عن زيارة مواقع الصحف

15 سبتمبر 2026
15 سبتمبر 2026

بدأت علاقتي بالصحافة قارئًا في فترة مبكرة جدًا من حياتي. في قريتي لم يكن هناك بائع للصحف، وكان أخي الأكبر رحمه الله يشتري صحيفة «الأهرام» كلما تيسر له الذهاب إلى المدينة، وبعد أن يفرغ منها يتركها لي.

تغير الأمر عندما انتقلت إلى المدرسة الإعدادية في مدينة كفر الدوار، وأصبح بإمكاني، في طريق عودتي كل يوم، المرور على كشك كبير للصحف كان يمتلئ عن آخره بالصحف والمجلات. كنت أوفر من مصروفي اليومي لأعود إلى البيت بصحيفة أو مجلة، حتى أصبح شراء الصحف عادة يومية يصعب عليّ مقاومتها.

استمرت هذه العلاقة سنوات طويلة، انتقلت خلالها من الشراء المباشر إلى الاشتراك السنوي في عدد من الصحف والمجلات المفضلة إلى أن ظهرت الصحف الإلكترونية، فانتقلت تدريجيًا إلى زيارة مواقعها على الإنترنت، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحت منصات الصحف عليها طريقًا أسرع للوصول إلى ما تنشره.

ومع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأت مرحلة جديدة؛ إذ لم يعد الوصول إلى الأخبار والمعلومات يتطلب دائمًا زيارة مواقع الصحف نفسها.

ثلاثة أحداث وقعت خلال الأسبوع الماضي تدفعنا إلى التساؤل عن مستقبل علاقة الصحافة بجمهورها: ماذا يحدث عندما لا يعود القارئ بحاجة إلى الذهاب إلى الصحيفة للحصول على ما تنتجه من أخبار ومعلومات؟ وهل نحن أمام مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي وسيطًا رئيسيًا بين الصحافة وجمهورها؟

جاء الحدث الأول من الولايات المتحدة عندما كشف تقرير نشره الخميس الماضي موقع «ديجيداي» المتخصص في متابعة تحولات صناعة الإعلام والإعلان والتكنولوجيا أن مؤسسات صحفية كبرى بدأت إعادة تنظيم غرف أخبارها استعدادًا لما أصبح يعرف باسم «جوجل زيرو»، وهو تعبير يشير إلى التراجع الحاد في الزيارات التي يرسلها محرك بحث «جوجل» إلى مواقع الناشرين نتيجة حصول المستخدم على ما يبحث عنه مباشرة من نتائج البحث والإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون الحاجة إلى النقر على رابط الصحيفة وزيارة موقعها.

ووفق التقرير تجاوزت استعدادات المؤسسات الصحفية تحسين ظهور المحتوى في نتائج البحث، وامتدت إلى تحركات فعلية قامت بها مؤسسات كبيرة مثل «يو إس آيه توداي» و«نيويورك تايمز» ما يؤكد أن «جوجل زيرو» أصبح تحولًا فعليًا تستعد له المؤسسات الصحفية.

وتشير الأرقام إلى أن «جوجل زيرو» بدأ ينعكس فعليًا على حركة الزيارات إلى المواقع الإخبارية، فقد أظهر تقرير «اتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا 2026» الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد أن الزيارات القادمة من البحث في جوجل إلى مواقع الأخبار تراجعت بنسبة 33% عالميًا بين نوفمبر 2024 ونوفمبر 2025.

ووصل التراجع في الولايات المتحدة إلى 38%. كما توقع قادة إعلاميون شملهم التقرير انخفاض الزيارات القادمة من محركات البحث بنسبة 43% خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وتكشف دراسة أجراها مركز «بيو» للأبحاث، وهو مؤسسة أمريكية مستقلة متخصصة في استطلاعات الرأي ودراسة الاتجاهات الاجتماعية والإعلامية، جانبًا أكثر ارتباطًا بسلوك القارئ؛ فمن خلال تحليل نحو 69 ألف عملية بحث أجراها 900 مستخدم، وجد المركز أن المستخدمين نقروا على روابط نتائج البحث في 8% فقط من الحالات التي ظهر فيها ملخص مولد بالذكاء الاصطناعي مقابل 15% عندما لم يظهر هذا الملخص بينما لم يتجاوز النقر على مصادر الملخص 1%.

وبعبارة أبسط؛ كلما أصبح محرك البحث أكثر قدرة على تقديم الإجابة قلت حاجة المستخدم إلى الذهاب إلى المصدر الأصلي.

الحدث الثاني جاء من لندن حيث انعقد في اليوم نفسه «مؤتمر مستقبل تكنولوجيا الإعلام 2026» الذي نظمته مجلة «برس جازيت» البريطانية المتخصصة في شؤون الصحافة والإعلام. وكان لافتًا أن «جوجل زيرو» وتراجع الزيارات احتلا مساحة مهمة من النقاش الذي تركز جانب مهم منه على كيفية استعادة الصحف علاقتها المباشرة بالقارئ.

وبدأت بعض المؤسسات تعيد النظر في معايير نجاحها؛ فأصبحت تتابع إلى جانب عدد الزيارات، عودة القارئ، وتكوين قاعدة من القراء المنتظمين الذين يعودون إلى محتواها ويتفاعلون معه.

أما الحدث الثالث، وربما الأكثر دلالة، فقد جاء من «جوجل» نفسها، مع الكشف عن تفاصيل برنامج تجريبي أطلقت عليه الشركة اسم «برنامج المساهمة بالمحتوى في الذكاء الاصطناعي»، تختبر من خلاله نموذجًا تدفع بموجبه لناشري الصحف مقابل استخدام محتواهم في الإجابات التي تولدها أدواتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنها «الملخصات بالذكاء الاصطناعي».

ويشارك في البرنامج عشرات الناشرين، ويحصل المشاركون على مقابل يرتبط باستخدام محتواهم.

وتشير التجربة، رغم محدوديتها، إلى احتمال تغير المعادلة التي حكمت علاقة جوجل بالصحافة.

فطوال سنوات كانت الصحف تسمح لجوجل بفهرسة محتواها، وتحصل في المقابل على القراء الذين يقودهم محرك البحث إلى مواقعها.

ومع قدرة جوجل المتزايدة على استخدام هذا المحتوى لتقديم الإجابة للقارئ من دون إرساله إلى الموقع الذي أنتجه، فقدت المعادلة القديمة توازنها، وأصبح من الضروري البحث عن مقابل عادل لاستخدام المحتوى الصحفي.

في تقديري أن هذه الأحداث تكشف أن المشكلة تتجاوز تراجع الزيارات أو خسارة عائدات الإعلان إلى فقدان الصحافة التدريجي لعلاقتها المباشرة بجمهورها.

في زمن الصحيفة الورقية كان القارئ يعرف الصحيفة التي يشتريها، وكانت المؤسسة تبني معه علاقة تقوم على الألفة والثقة والولاء. وحتى عندما انتقلت الصحافة إلى الإنترنت ظلت هذه العلاقة قائمة، وإن تغير شكلها؛ فقد كان القارئ يصل إلى موقع الصحيفة، ويتعرف على هويتها، وربما يعود إليها مرة أخرى.

وفي بيئة «جوجل زيرو» دخل وسيط جديد بين الصحيفة وقارئها؛ فالمؤسسة تنتج الخبر أو التحقيق أو التحليل، وتتحمل تكلفة الحصول على المعلومات والتحقق منها، ثم تعيد محركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا المحتوى، وتقدم خلاصته في إجابة جاهزة. وقد يعرف القارئ المعلومة من دون أن يعرف من أنتجها أو يزور موقعه.

وتكمن المفارقة في أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الصحافة في الوقت الذي يقلل فيه حاجة الجمهور إلى زيارة مواقعها. فالإجابة الجيدة التي يقدمها لا تنشأ من فراغ، وإنما تعتمد، ضمن مصادر أخرى، على معلومات أنتجها صحفيون ومؤسسات أنفقت المال والوقت للوصول إليها.

وإذا استمر انتقال القيمة من منتج المعلومة إلى الوسيط الذي يعيد تقديمها فقد نصل إلى وضع يهدد استدامة إنتاج المحتوى الصحفي نفسه.

ولا أعتقد أن هذه التحولات تعني أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الصحافة، لكنها تجعل بعض أنواع المحتوى أكثر عرضة لفقدان قيمتها لدى الجمهور.

فالمعلومات السريعة التي تجيب عن سؤال محدد يمكن للآلة أن تختصرها بسهولة، أما التحقيق الأصلي، والمقابلة الحصرية، والتغطية الميدانية، والتحليل المتخصص، والصحافة المحلية التي تعرف مجتمعها، فهي أكثر صعوبة في الاستبدال.

ربما لن يعود كشك الصحف الذي عرفته في كفر الدوار، ولن يعود معظم القراء إلى شراء صحيفة كل صباح، وربما تصبح زيارة مواقع الصحف نفسها أقل حضورًا في العادات اليومية للقراء. فالتكنولوجيا لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن بإمكان الصحافة أن تختار نوع الصحافة التي تجعل الجمهور حريصًا على معرفة مصدر ما يقرأه، وعلى العودة إليه والثقة به.

لقد انتقلت الصحافة خلال عقود قليلة من انتظار القارئ لها، إلى انتظاره على مواقعها الإلكترونية، ثم إلى ملاحقته عبر محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي. وربما يكون الدرس الأهم من «جوجل زيرو» أن مستقبل الصحافة يرتبط بقدرتها على أن تمنح القارئ سببًا للبحث عنها بنفسه.