No Image
عمان العلمي

إنتاج زيت الكانولا ودوره في تعزيز الأمن الغذائي والاستدامة الزراعية

16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026

يمثل الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول في القرن الحادي والعشرين، وتعد الزيوت النباتية مكونًا حيويًا في المعادلة الغذائية العالمية. في هذا السياق، برز محصول الكانولا (Brassica napus L) كمحصول زيتي استراتيجي منخفض المدخلات وعالي المردود الاقتصادي والغذائي، لما يتمتع به زيت بذوره من تركيبة دهنية متوازنة، فضلًا عن القيمة الاقتصادية لكسبه الغني بالبروتين. يتناول المقال تحليل واقع إنتاج الكانولا عالميًا، وإبراز أهميته في تعزيز الأمن الغذائي والاستدامة الزراعية، مع تقييم إمكانيات إنتاجه في سلطنة عُمان في ضوء مستهدفات رؤية «عُمان 2040». كما يستعرض تطور الإنتاج العالمي وأهم الدول المنتجة، ويقيّم الظروف المناخية والزراعية العُمانية لإنتاج الكانولا، متناولًا التحديات والفرص الاستثمارية المصاحبة لتقليل فاتورة استيراد الزيوت والأعلاف، وتعزيز الاستدامة البيئية عبر نظم زراعية متكاملة.

تشكل الزيوت النباتية مصدرًا رئيسًا للطاقة والأحماض الدهنية الأساسية في النظام الغذائي للإنسان، وتقدر حصتها بنحو 30% من إجمالي السعرات الحرارية المتناولة عالميًا. وقد شهد الطلب العالمي على الزيوت النباتية نموًا متسارعًا خلال العقود الماضية، مدفوعًا بعوامل ديموغرافية واقتصادية، وتحول الأنماط الغذائية نحو الأغذية المصنعة، بالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للزيوت في إنتاج الوقود الحيوي. ويقدر تقرير التوقعات الزراعية المشترك بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة أن يرتفع الاستهلاك العالمي من الزيوت النباتية بمقدار 33 مليون طن خلال العقد المقبل. هذا الطلب المتنامي يفرض ضغوطًا متزايدة على الموارد الزراعية، ويستدعي تنويع مصادر الزيوت النباتية بعيدًا عن المحاصيل التقليدية كزيت النخيل وفول الصويا، اللذين ارتبطا بقضايا بيئية مثل إزالة الغابات. من هنا، يبرز محصول الكانولا كبديل اقتصادي وصحي وبيئي، حيث تم تطويره في كندا ليصبح أحد أهم ثلاثة محاصيل زيتية في العالم، مما يفتح آفاقًا لتوطين زراعته في مناطق جغرافية جديدة، ومنها منطقة الخليج العربي وسلطنة عُمان.

الكانولا (Canola) هو صنف من بذور اللفت الزيتي ينتمي إلى الفصيلة الصليبية. نشأ مصطلح «كانولا» في كندا أواخر سبعينيات القرن العشرين، وهو اختصار لعبارة (Canadian Oil, Low Acid)، وذلك بعد نجاح مربي النبات الكنديين في استنباط أصناف من بذور اللفت منخفضة المحتوى من حمض الإيروسيك في الزيت (أقل من 2%) ومنخفضة المحتوى من الجلوكوسينولات في الكسب (أقل من 30 ميكرومول/غرام). هذا التحسين الوراثي حوّل اللفت الزيتي من محصول محدود الاستخدام إلى محصول غذائي وصناعي عالمي الأهمية. والكانولا ذلك النبات العشبي الذي يتراوح ارتفاعه بين 75 و175 سم، يتميز بأزهاره الصفراء وقرونه التي تحتوي على بذور مستديرة صغيرة داكنة اللون.

تتراوح نسبة الزيت في بذور الكانولا بين 38% و45%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بفول الصويا (18-20%)، مما يجعله مجديًا اقتصاديًا. أما كسب البذور المتبقي بعد العصر فيحتوي على نسبة بروتين تتراوح بين 36% و40%، مما يجعله مكونًا علفيًا عالي القيمة. يكتسب زيت الكانولا قيمته الغذائية من تركيبته الفريدة من الأحماض الدهنية؛ فهو الأدنى في محتوى الدهون المشبعة بين جميع الزيوت النباتية (نحو 7%)، والأغنى بحمض الأوليك الأحادي غير المشبع (نحو 61%)، ويحتوي على نسبة متوازنة من أحماض أوميغا-6 (21%) وأوميغا-3 (11%)، وهي نسبة مثالية لصحة القلب والشرايين. وقد صنفته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) كزيت صحي يقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب التاجية.

شهد الإنتاج العالمي من بذور الكانولا نموًا استثنائيًا من 25 مليون طن في مطلع الألفية إلى حوالي 87 مليون طن في موسم 2022/ 2023، ما يعكس زيادة في الطلب على الزيت والكسب على حد سواء. تتصدر كندا العالم بإنتاج بلغ 19.5 مليون طن في 2023/ 2024، وهي أكبر مصدر للبذور والزيت، حيث تمثل صادراتها 60% من التجارة العالمية لبذور الكانولا. ويأتي الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية بإنتاج 20 مليون طن (بصفة رئيسية في ألمانيا وفرنسا وبولندا)، لكنه يعد مستوردًا صافيًا لتغطية احتياجات صناعة الوقود الحيوي. تمثل الصين ثالث أكبر منتج بنحو 15.5 مليون طن، لكنها أكبر مستورد للبذور عالميًا لتلبية احتياجاتها المتنامية.

بلغ حجم إنتاج زيت الكانولا عالميًا حوالي 32 مليون طن في 2022/ 2023، ليشكل ما بين 13% و15% من إجمالي إنتاج الزيوت النباتية العالمي، وليكون ثالث أكبر زيت نباتي بعد زيت النخيل (75 مليون طن) وزيت فول الصويا (62 مليون طن). وتتنوع استخدامات زيت الكانولا بين الطهي المباشر، والصناعات الغذائية المصنعة (كالمخبوزات والصلصات)، واستخدامه كبديل صحي في عمليات القلي، بالإضافة إلى كونه المادة الخام المفضلة لإنتاج الديزل الحيوي في أوروبا وأمريكا الشمالية.

تكمن أهمية الكانولا الاستراتيجية في كونه محصولًا متعدد المنافع يتكامل مع منظومتي الغذاء والطاقة. أولًا، يسهم في تنويع محفظة الزيوت النباتية، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على محصول واحد، كاضطراب سلاسل التوريد أو التقلبات المناخية أو الأمراض. ثانيًا، يلعب دورًا محوريًا في تقليل اعتماد الدول المستوردة على الأسواق العالمية. فعلى سبيل المثال، تسعى دول الشرق الأوسط، التي تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها من الزيوت النباتية، إلى توطين زراعة المحاصيل الزيتية لتعزيز سيادتها الغذائية. ثالثًا، يعد كسب الكانولا واحدًا من أفضل مصادر البروتين النباتي في أعلاف الحيوانات، حيث تستورد منطقة الخليج وحدها ملايين الأطنان سنويًا من الأعلاف البروتينية. وبالتالي، فإن الإنتاج المحلي المتكامل لزيت الكانولا وكسبه سيحدث أثرًا اقتصاديًا مزدوجًا يتمثل في تقليل فاتورة استيراد زيت الطعام والأعلاف معًا.

يتميز مناخ سلطنة عُمان بتنوعه، وبالتالي فإن محصول الكانولا الشتوي يجد ظروفًا ملائمة في العديد من المحافظات الشمالية خلال الفترة من أكتوبر إلى مارس. تحتاج الكانولا إلى درجة حرارة مثلى تتراوح بين 12 و25 درجة مئوية خلال مراحل النمو الخضري والإزهار، وهي ظروف تتوفر بوضوح في سهول محافظات شمال وجنوب الباطنة والظاهرة والداخلية، وأجزاء من محافظة مسقط خلال الموسم الشتوي. كما تعد الأراضي الطينية الخفيفة والرملية الطينية، شائعة الوجود في سهول الباطنة، مناسبة تمامًا لزراعة الكانولا.

لزراعته في السلطنة، يحتاج محصول الكانولا إلى ما بين 400 و550 ملم من المياه خلال الموسم (حوالي 5000 متر مكعب للهكتار)، وهو ما يتوافق مع نظم الري الحديثة عالية الكفاءة، كالري بالتنقيط والري المحوري، التي تشجع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه على استخدامها. بالمقارنة مع محاصيل الأعلاف الخضراء كالرودس والبرسيم، المستهلكة لكميات ضخمة من المياه، تقدم الكانولا عائدًا اقتصاديًا أعلى لكل وحدة مياه. فعلى سبيل المثال، بينما يستهلك هكتار البرسيم ما يصل إلى 25,000 متر مكعب سنويًا، ينتج هكتار الكانولا في موسم واحد (4-5 أشهر) محصولًا نقديًا قيمًا من الزيت والعلف. وقد أشارت الدراسات البحثية إلى إمكانية تحقيق إنتاجية بذور تتراوح بين 2 و3.5 طن للهكتار للأصناف الشتوية المبكرة النضج، مما يشجع على التوسع في زراعة محصول الكانولا في سلطنة عُمان.

يُعرّف الأمن الغذائي بأنه حالة يكون فيها جميع الأفراد، في جميع الأوقات، قادرين على الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ. تستورد سلطنة عُمان ما يقرب من 98% من احتياجاتها من الزيوت النباتية، والتي بلغت حوالي 150 ألف طن في عام 2022، بقيمة تجاوزت 100 مليون دولار أمريكي. هذا الاعتماد شبه الكامل

على الأسواق العالمية يعرض الأمن الغذائي للسلطنة لتقلبات الأسعار والأزمات الجيوسياسية واللوجستية. من ناحية أخرى، تستهدف رؤية «عُمان 2040» تعزيز الأمن الغذائي عبر «تنويع الإنتاج المحلي، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتطوير قطاع زراعي مستدام قائم على الميزة التنافسية». وفي إطار الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، يمثل إدخال محصول الكانولا كزراعة شتوية رئيسية خطوة استراتيجية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي من الزيوت النباتية والأعلاف. إن زراعة 20,000 هكتار فقط من الكانولا، وهي مساحة قابلة للتحقيق من خلال استثمار الأراضي المتوفرة بالمحافظات الشمالية لسلطنة عُمان، يمكن أن تنتج ما يصل إلى 25,000 طن من الزيت المحلي، وهو ما يغطي حوالي 16% من الاستهلاك المحلي، بالإضافة إلى إنتاج 35,000 طن من الأعلاف البروتينية عالية الجودة. هذا التوجه يدعم برامج التوسع الزراعي والاستثمار في الصناعات التحويلية، ويخلق فرص عمل في المناطق الريفية، ويسهم في تحقيق الاقتصاد الدائري عبر استخدام المخلفات.

يواجه إدخال محصول الكانولا إلى المنظومة الزراعية في سلطنة عُمان جملة من التحديات المتداخلة التي ينبغي تحليلها في سياقها الوطني، غير أن هذه التحديات تتيح في الوقت ذاته فرصًا استثمارية وبحثية واعدة يمكن البناء عليها. فعلى الصعيد التقني والبيئي، تتمثل العقبة الرئيسة في ندرة الأصناف التجارية المحسنة والمكيفة خصيصًا لتحمل الإجهادات الحرارية والملحية التي قد تصيب المحصول في مراحل نضجه المتأخرة خلال شهري مارس وأبريل، وهو ما يستوجب برامج تربية نباتية محلية تستجلب وتقيّم أصولًا وراثية متنوعة من بنوك الجينات الدولية، مما يفتح بدوره آفاقًا رحبة للتعاون العلمي مع مراكز بحثية عالمية متخصصة مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA). وبالتوازي مع ذلك، تبرز محدودية موارد المياه العذبة كتحدٍ جوهري، إلا أن هذه المحدودية يمكن التعامل معها بتوجيه نظم الري فائقة الكفاءة كالري بالتنقيط تحت السطحي وتعزيز كفاءة استخدام المياه. أما تحدي غياب الخبرة التراكمية لدى المزارعين، فيمكن تجاوزه عبر برامج إرشادية متكاملة تتولاها الكفاءات الوطنية في إدارة هذا المحصول، وتفتح المجال لتطوير عقود زراعية مع شركات استثمارية تضمن شراء المحصول وتوفير مستلزمات الإنتاج. يقف العائق الأبرز المتمثل في غياب معاصر حديثة متعددة الأغراض لاستخلاص الزيت وتكريره على المستوى التجاري، وهو ما يحول دون إغلاق حلقة القيمة المضافة محليًا، غير أن هذا الفراغ الصناعي يمثل بالتحديد فرصة استثمارية ذهبية للقطاع الخاص، سواء بشكل منفرد أو عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص، لإنشاء مصنع وطني لاستخلاص الزيوت النباتية يكون نواة لصناعة تحويلية متكاملة، ويضمن تسويق إنتاج المزارعين، ويحدث أثرًا تنمويًا مضاعفًا من خلال توفير زيت محلي صحي عالي الجودة، وإنتاج كسب غني بالبروتين يقلل من فاتورة استيراد الأعلاف التي تثقل كاهل الاقتصاد الوطني.

انطلاقًا من التحليل السابق لواقع إنتاج الكانولا عالميًا ومقومات إنتاجه في سلطنة عُمان، تتبلور مجموعة من التوصيات المتكاملة التي ينبغي تبنيها لترجمة الإمكانيات الكامنة إلى واقع ملموس. تبدأ من إطلاق برنامج وطني طموح يعمل على مسارين متكاملين: أولهما، التعاون مع المؤسسات البحثية الدولية المتخصصة كالمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة وهيئة البحوث الأسترالية (CSIRO) لاستجلاب وتربية وتطوير أصناف وهجن قصيرة العمر ومبكرة النضج، تمتاز بكفاءة عالية في استخدام النيتروجين والماء، وتتحمل الإجهادات الحرارية المتوقعة في نهاية الموسم الزراعي. وثانيهما، بناء القدرات الوطنية عبر تنظيم برامج تدريبية مكثفة للمرشدين الزراعيين والمزارعين المستهدفين، لتأهيلهم على الممارسات الزراعية الجيدة لمحصول الكانولا طوال دورة حياته، بدءًا من إعداد وتجهيز الأرض، ومرورًا بعمليات الري والتسميد والمكافحة المتكاملة للآفات، ووصولًا إلى تقنيات الحصاد الآلي ومعاملات ما بعد الحصاد التي تضمن الحفاظ على جودة البذور. وعلى المستوى الاستراتيجي والسياساتي، يتطلب إنجاح هذا التوجه إدراج محصول الكانولا رسميًا ضمن برامج الأمن الغذائي الوطني ووثائق السياسات الزراعية، مع تقديم حزمة من الحوافز الداعمة تشمل تضمين بذوره ضمن برامج دعم المدخلات الزراعية، والإعلان عن أسعار تشجيعية مسبقة لشراء المحصول من المزارعين، مما يمنحهم ضمانًا تسويقيًا ويشجعهم على تبني زراعته. وأخيرًا، وفي خطوة ضرورية لإغلاق حلقة القيمة المضافة وتحقيق الجدوى الاقتصادية الكاملة، تبرز التوصية بتقديم حوافز استثمارية مغرية للقطاع الخاص، سواء كان محليًا أو أجنبيًا، لتأسيس معاصر متكاملة متوسطة الطاقة لاستخلاص الزيت الخام وتكريره، على أن تُصمم هذه المعاصر بقدرة تشغيلية مرنة تتيح لها معالجة بذور الكانولا وفول الصويا وعباد الشمس معًا لضمان استدامة التشغيل طوال العام، مما يجعلها نواة لصناعة وطنية للزيوت النباتية والأعلاف البروتينية، ويسهم في خلق فرص عمل وتحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي المنشود.

وأخيرًا، نستطيع القول بأنه، وفي ظل التحديات العالمية والمحلية المتعلقة بتوفير الغذاء، لم يعد خيار تنويع المحاصيل وتبني محاصيل استراتيجية جديدة ترفًا، بل أصبح ضرورة ملحة لتعزيز السيادة الغذائية. ولقد أثبت محصول الكانولا عالميًا جدارته كمحصول زيتي استراتيجي، ليس فقط لقيمته الغذائية والصحية العالية، بل لمساهمته الفاعلة في الاقتصاد الزراعي والدائري من خلال منتجاته المتعددة. حيث تشير المعطيات المناخية والزراعية إلى أن سلطنة عُمان تمتلك فرصًا حقيقية لزراعته وإنتاجه محليًا خلال الموسم الشتوي، وبما ينسجم مع أهداف الاستدامة المائية عند إحلاله جزئيًا محل المحاصيل العلفية عالية الاستهلاك المائي. إن تضافر جهود البحث العلمي، والسياسات الزراعية الداعمة، والاستثمار الخاص، سيمكّن السلطنة من جني ثمار هذا المحصول الواعد، والإسهام بفاعلية في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» نحو أمن غذائي مستدام قائم على أسس علمية واقتصادية راسخة.

د. سيف بن علي الخميسي مدير مركز بحوث النخيل والانتاج النباتي وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه