مخاطر خفية للسيارات الكهربائية
16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026
لكل شيءٍ اشتراك؛ هكذا استحالت أغلب البرامج التي نستخدمها في حواسيبنا وهواتفنا، حتى صرنا اليوم نحسب أن هذه هي القاعدة، وأن الاستثناء أن تمتلك ما تدفع له. ولم يعد الأمر منحصرًا في التطبيقات وحدها، فحتى السيارات الكهربائية نالها من هذا التسليع نصيب. هذه السيارات التي جاءت مبشِّرةً بالحلول السحرية لمشاكل سيارات الوقود، بمحركاتها الصامتة ووعودها البيئية السخية، حملت في طيّاتها حزمةً من المشاكل الأخرى، لعل أخطرها أن السيارة تحوّلت إلى حاسوبٍ متنقّل يمشي على أربع عجلات، موصولة بشبكة الإنترنت طوال الوقت. فالسيارة التي ظلّت، طوال قرابة قرنٍ كامل، قطعةً ميكانيكية مملوكةً ملكيةً تامة لصاحبها، يحرّكها ويصلحها ويبيعها كما يشاء، فهو حرٌ فيها، أضحت اليوم تحتاج إلى اشتراكاتٍ دائمة لتتمتّع بكامل مزاياها، بل إن جزءًا خطيرًا من بيانات قائدها الشخصية وسلوكه، وربما بياناته الأكثر حساسية، باتت عرضةً للانتهاك دون أن يشعر. والمشكلة هنا ليست في كون أن السيارة تعمل بالكهرباء بحد ذاته فهذا له من الفوائد الكثير، إنما المشكلة في الاعتماد الكلي على البرمجيات الحاسوبية في إدارة البطارية والمحرك وكل ما في السيارة حتى فتح بابها، هو الذي حوّل السيارة إلى حاسوب رقمي في المقام الأول، قبل أن تكون سيارة بقطع كهربائية وميكانيكية.
ولنفهم المشكلة أكثر دعونا نبدأ أولًا بالتعرّف على البيانات التي تجمعها شركات السيارات. فحسب الوثائق الحكومية الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية، في دراسات أجريت بين 2015 إلى 2021، فهناك ستة تصنيفاتٍ لهذه البيانات: أولها بيانات الموقع الجغرافي، فأينما تجيء وتذهب، وفي كل لحظة، يُسجَّل موقعك الجغرافي بدقة. تليها بيانات حالة المركبة الميكانيكية؛ من ضغط الإطارات ورموز الأعطال وحالة البطارية. ثم سلوك القيادة؛ من التزامٍ وانتباه، وضغطٍ على المكابح، وسرعة انعطاف، وتسارعٍ مفاجئ وغيرها. ثم بيانات الترفيه؛ إلى ماذا تستمع من موسيقى وصوتيات، وأي التطبيقات تستخدم، وما الذي تشغّله فيها. وتأتي أيضًا بيانات التعريف الشخصية؛ من أنت ومن أين وكم عمرك وما جنسك وطولك ووزنك -ربما-، وأخيرًا تفاصيل الاشتراكات التي دفعتَ ثمنها. ومن ضمن هذه الفئات يتم تجميع بيانات أخطر بكثير؛ من بينها بصمات الأصابع، وقزحية العين، وسلوك تصفّح الإنترنت، وتفاصيل جهات الاتصال كلها، وخريطةٌ دقيقة لتنقلاتك في كل لحظة، بل حتى شبكة علاقاتك الشخصية التي يمكن استنتاجها من تكرار الوجهات ومواقيتها والمكالمات والتطبيقات. وهذه البيانات مجتمعةً قد تبدو تفاصيل متناثرة لا قيمة لها، لكن حين تجميعها وقراءتها بشكل صحيح تكون في حقيقتها سيرةٌ ذاتية كاملة تكتبها بحركتك اليومية دون أن تدري أن أحدهم قد اخترق خصوصياتك أو باع بياناتك؛ أين تعمل، وأين تسكن، ومتى تصلّي، ومن تزور، وأي عيادةٍ تتردّد عليها وكيف هو مزاجك هذا اليوم.
وتُرسل هذه البيانات كلها إلى الشركة المصنّعة بشكل دائم. فكل سيارةٍ كهربائية تحتوي على شبكةٍ من وحدات التحكم الإلكترونية، تدير عشرات وربما مئات الرقائق الدقيقة التي تجمع تلك البيانات لحظةً بلحظة، ثم ترسلها -طازجةً شهيةً- إلى خوادم الشركة عبر شريحة اتصالٍ مدمجة تعمل على مدار الساعة، سواءٌ تحرّكت السيارة أم توقفت في مكانها، ودون أدنى تدخّلٍ من سائقها. والأخطر أن هذا السائق مغلوبٌ على أمره، فهو لا يملك في أغلب السيارات زرًا واحدًا يقطع به هذا الاتصال دون أن يفقد معه ميزاتٍ أساسية ومهمة؛ فإن قطع الاتصال ببيانات الشركة مثلا لن يتم الاتصال بالطوارئ بشكل فوري عند وقوع أي حادث، ولن تصل التحديثات التي تسدّ الثغرات الأمنية في برمجيات السيارة. فالسائق هنا أمام خيارٍ صعب عليه أن يتخذه، إما أن يضحّي بخصوصيته كاملةً، وإما أن يحجب بياناته عن الشركة فيعرّض سلامته للخطر أو رفاهيته للنقصان، رغم أنه دفع مقابلها.
وبعد جمع هذه البيانات، فما مصيرها؟ فمعالجتها تستحق البحث والتدقيق لا يقلّ عمّا يستحقه جمعها. فالبيانات تُعالَج غالبًا بواسطة جهاتٍ وشركاتٍ لا يعلم بها سائقو السيارات إطلاقًا، أو لا يوافقون عليها موافقةً واعية. فهذه البيانات تمرّ على شركات الاتصالات، وشركات إدارة مراكز الاتصال ومعالجة البيانات، ومزوّدي أنظمة الترفيه، وأحيانًا شركات التأمين وتجّار البيانات. فشركات التأمين قد ترفع قسط اشتراكك مستقبلًا إن رأت في بياناتك سلوكًا خطِرًا في القيادة، وتجّار البيانات يرون في كل معلومةٍ فرصةً للبيع والربح وتوجيه إعلاناتٍ مفصّلة لكل شخص حسب ما يحبّ وما يسمع وكيف يقود، بل ربما على حالته المزاجية المستنتَجة من سلوكه يومها. أما شركات معالجة البيانات، فتستخدم بياناتك في التعلّم والتدريب والتطوير، أو تبيعها لأطرافٍ أخرى قد تكون شركاتٍ أو دولًا أو أجهزةً أمنية حتى. والأخطر من ذلك أن هذه البيانات قد تتداول بين الشركات حتى لا يُعرف مصدرها الأصلي ولا منتهى استخدامها. وقد أقرّت كثيرٌ من الشركات التي شملتها الدراسات في أمريكا بأنها عجزت عن تحديد المالك الأصلي لهذه البيانات تحديدًا واضحًا. وربما كان هذا الغموض القانوني مقصودًا؛ حيث إن هذا يفتح لها المجال لاستغلال تلك البيانات بأريحيةٍ بلا مخافة للتعقب والعقاب.
ورجوعًا إلى مسألة الموافقات، فإن معظم الشركات تقدّم للسائق خيارين فقط لا ثالث لهما: إما أن يقبل بكل شيء، وإما أن يرفضه كلّه. فليس أمامك، مثلًا، أن ترفض بيع بياناتك لشركات التسويق مع احتفاظك بالخدمات الأساسية. أما سياسات الخصوصية والتعامل مع البيانات، فغالبًا ما تُكتب بلغةٍ قانونية رتيبة، طويلةٍ مملّة، بعباراتٍ مبهمة وفضفاضة يستعصي فهمها على معظم الناس. والموافقة في مثل هذا السياق تفقد معناها الأخلاقي من أساسه، فالموافقة الحقيقية تفترض فهمًا حقيقيًا وخيارًا بديلًا منطقيًا في حالة الرفض، والمستخدم هنا لا يفهم تمامًا ما يوقّع عليه، ولا يملك بديلًا سوى أن يرفض مزايا السيارة كلها. وهكذا قد يتحوّل عقد شراء السيارة، من حيث لا يشعر المشتري، إلى سياسة خصوصيةٍ مقننة ومحكمة ما كان ليوقّعها لو أدرك مضمونها. ولعل ما يزيد الأمر سوءًا أن هذه الوثائق نفسها قابلةٌ للتعديل من طرفٍ واحد، فالشركة تحتفظ لنفسها بحق تغيير شروطها متى شاءت، فتوسّع نطاق ما تجمعه من بيانات، أو تضيف مجالات جديدة لاستخدامها، دون أن تحتاج إلى موافقةٍ صريحة جديدة منك في كثيرٍ من الأحيان. أنت إذن كسائق لهذه السيارة توقّع اليوم على عقدٍ مفتوح النهاية، لا تعرف اليوم ماذا ستكون بنوده الكاملة يوم غد.
وإن كنا نظن أن الأمر يقف عند مخاوف انتهاك الخصوصية، فلعلّه كان هيّنًا، فالأمر يصل إلى ما هو أخطر، وهو أن تفقد السيطرة والتحكم الكامل في شيءٍ ظننته ملكك، وقد دفعت ثمنه كاملًا. فهذه السيارات تتلقّى تحديثاتها من شركتها الأم عبر الإنترنت، وهي المتحكّم الأول والأخير؛ تسمح لنفسها بتعديل برمجيات سيارتك عن بُعد وأنت نائمٌ في فراشك، بحجة سدّ الثغرات وإضافة الميزات، وتلك ميزة مفيدة. وكما أنها يمكنها أن ترسل لك التحديثات فقد تمنعك عنها أو تعطل بعض المميزات دون أدنى تدخلٍ منك أو قدرةٍ على الاعتراض، فـ«إن اليد الآدمية، واهبة القمح، تعرف كيف تَسنُّ السلاح». وليس هذا افتراضًا نظريًا أو محض خيال، فهناك الكثير من القصص الموثقة عن ناس اشتروا سيارات تسلا مستعملة كانت بها مميزات محددة وموثقة بشكل رسمي من الشركة وكان سعرها آلاف الدولارات، ثم قامت شركة تسلا بسحب تلك المزايا عن بُعد، بحجة أن السعر لا يتوافق مع المزايا المقدمة، وقد تم ذلك بتحديثٍ صامتٍ تمامًا، ثم عرضت عليهم إعادة شراء ما كانوا يملكون. وعلى الجانب الأمني السيبراني فقد أثبت الكثير من الباحثين أنهم يستطيعون اختراق سيارةٍ عن بُعد وهي تسير على طريقٍ سريع، فيتحكّمون بمكيّفها وجهاز الراديو، ويتمكنون حتى من إيقاف محرّكها وسط الطريق، بينما السائق عاجزٌ عن فعل شيء. وما يفعله الباحث لغايةٍ علمية هنا، قد يفعله المخترق الحاذق لغايةٍ إجرامية أو سياسية، وقد تتحوّل سيارتك الذكية، في لحظةٍ واحدة، إلى قطعة خردةٍ متوقفة رغم كل ذكائها.
وليس ببعيدٍ عن تلك المخاطر، فإن فكرة أن ملايين السيارات الكهربائية معلّقٌ مصيرها بأزرارٍ في يد شركةٍ واحدة هي فكرةٌ خطيرة حقًا، خصوصًا إن كانت تلك الشركة محكومة بإرادة شخصٍ متفرّدٍ في القرار، متقلّب المزاج في توجّهاته، قد يضع تلك السيارات في وضعٍ حرج في أي لحظة. وهنا نشير إلى سيارات تسلا على سبيل المثال، الشركة التي يتحكّم بها إيلون ماسك، وكلّنا يرى كيف يتّخذ قراراتٍ متناقضةً ومزاجية أو عنصرية أحيانًا. والسؤال الأهم، هل يعرف سائقو هذه السيارات بكل هذا؟ وهو أمرٌ يمسّهم بلا شك، وهل تعرف الحكومات وموردو السيارات حقيقة ما يجري؟ وهل هناك تشريعاتٌ وضوابط لمثل هذا؟ فالغموض في ملكية البيانات، وفي ملكية وظائف السيارة نفسها، يفتح أسئلةً لا إجابة لها، ماذا لو تسبّب تحديثٌ ما في حادثٍ مميت؟ وماذا لو عطّلت الشركة ميزة دفع المستخدم ثمنها، في بلادٍ لا ينظّم قانونها هذا الأمر ولا يعرف كيف يؤطّره؟ هنا يجد السائق نفسه أعزلَ تمامًا في مواجهة شروط الشركة وأحكامها، إذ لا سلطة تُلزمها بالشفافية، ولا قانون يمنعها من التحكم أو من بيع البيانات. ولعلنا نحن في سلطنة عمان معنيون تمامًا بهذا الأمر، خاصةً مع الانتشار الملحوظ للسيارات الكهربائية.
وفي النهاية نرجع إلى النتيجة التي بدأنا بها المقال، لكل شيءٍ اشتراك، ومقدار ما تملك قد يتبدّد حين ينتهي اشتراكك. ففي عصر البرمجيات، صارت أجهزة الحاسوب والهواتف مجرد هياكل، وأنت تستأجر ما فيها من تطبيقات، أو يُتاح لك استخدامها مجانا مقابل أن تتنازل عن التحكم في بياناتك على الأقل. وها هي السيارة الكهربائية الذكية تسير في المسار ذاته، فتملك هيكلها المعدني وعجلاتها، بينما تستأجر الكثير من مزاياها البرمجية، وتبقى قدراتها والتحكم الكامل بها رهنَ مفتاحٍ رقمي أو ضغطة زر في يدٍ بعيدة تعرفك ولا تعرفها. وإن لم نبدأ نحن، دولًا وأفرادًا، في تنظيم هذا الأمر واسترداد زمام التحكم، عبر تشريعاتٍ تُلزم الشفافية، وتمنح المستخدم موافقةً حقيقية وتحكمًا كاملًا، وتكفل له حقه الكامل في التملك وتحميه من قرارات الشركات التعسفية، إن لم يحدث ذلك، وفي أقرب وقت، فقد تتمادى الشركات الرأسمالية الشرِهة وراء طموحات التوسع والنمو، حتى نكتشف متأخّرين أننا وقعنا في دائرة الخطر الذي ليس منه مفر.
المعتصم الريامي مطور ومهتم بالتقنية
